تتابع السرد في القصة القصيرة جداً «بعيداً.. خلف الأستار نموذجاً»

24-09-2016-06-4خليل جمعه جابر
مازال التعريف الواضح البين لمفهوم القصة القصيرة جداً، الى الآن، يراوح مكانه، وان تم الاعتراف به كجسم سردي قائم بذاته في العديد من الحقول الأدبية والنقدية، الا ان مشكلة ادراجه ضمن السرد الداخلي للقصة القصيرة او حتى اعتباره جزءا من السرد الداخلي للرواية، مازال هو الذي يسيطر على ذاكرة النقاد ودارسي هذا النوع من السرد، وذلك لاعتبارات ان التكثيف الذي تعتمده القصة القصيرة جداً كأبرز سمة من سماتها يـأتي على حساب السرد الذي يمثل القيمة الفنية والجمالية للكتابة القصصية، ويعتبر هذا الاتجاه ان القصة القصيرة جداً ماهي الا محاولة تنصب في خانة التجريب في تقنيات القصة القصيرة، وان كلمة جداً لا تعني المساحة بقدر ما توضح التقنية الكتابية في هذا النوع من السرد، وفي كل الحالات يرى ذات الاتجاه ان هذا النوع من السرد لايمثل قصة قصيرة مكتملة الاركان، من بداية ووسط ونهاية وحدث يتلبس المكان والزمان، ولذا فان اي كتابة لاتحمل تلك السمات يجب ان لاتقع تحت عنوان القصة السردية ويمكن ان يسمى خاطرة او أي مسمى اخر.
الاتجاه الاخر، يعتبرها من اهم فترات تمرحل الكتابة السردية، ونسبة للظروف التى جعلت من القصة القصيرة فنا سرديا حاضرا بقوة في المشهد الكتابي، يتساءلون هنا ما المانع من حضور القصة القصيرة جداً؟ ان كانت هنالك ظروف تستدعى تواجدها؟، ويركز هذا الاتجاه على ان مايميز هذا النوع هو الخدمة التى تقدمها القصة القصيرة جداً للسرد، وليس مايقدمه السرد لها، ويأتي تكثيف اللغة على رأسها. فالقصة القصيرة جداً كما يرونها، تعطي طابع التكثيف اللغوي والمفردة اللغوية اهمية عظمى في وصف الحدث، بالاضافة الى استخدام علامات الترقيم كأحد أعمدة الشكل الكتابي فيها، مما يعطيها أحقية لعب دور كبير في المشهد الكتابي، اما مسألة الشكل السردي في القصة القصيرة جداً- وان اكدوا على وجوده- فانه يدرك من خلال تقنيتي اللغة والشكل الكتابي فيها.
وان اختلف النقاد في تعريف القصة القصيرة جداً من خلال دورها او حتى مسماها، من قصة قصيرة جداً، الى اقصوصة او قصة قصيرة، الا انها تمثل تساؤل حقيقي عندما توضع في معايير السردية الكتابية.
نحاول هنا ومن خلال فرضية ان السرد في القصة القصيرة جداً يتتابع من خلال تعدد القصص وليس احادية القصة كما يعتبرها اصحاب القصة القصيرة، بل انها تأخذ الموضوعات والاحداث او حتى السيميائيات السردية من خلال تعدد القص وليس من خلال طول الجملة السردية او تتابعها داخل محتوى سردي واحد، اذا كان قصة قصيرة او في الرواية. وذلك للعمل على تحديد ان للقصة القصيرة جداً محتوى سرديا، قد يختلف من غيره في الشكل او المضمون، لكن لا تنقصه السردية الجمالية الفنية او اللغوية التى تخدم الحدث او الموقف السردي.
ومن خلال مجموعة القصص القصيرة جداً «بعيداً..خلف الأستار» للكاتب علي ادريس، والتى قاربت المائة نص قصصي، تم نشرها في كتاب من دار مدارات للطباعة والنشر في 112صفحة من الحجم المتوسط في العام 2016م، ولاعتبارات التعدد في النصوص القصصية وشملها في كتاب واحد تحت عنوان خارجي موحد- على الرغم من وجود عناوين داخلية لكل نص- ولوحة للغلاف تمثل اتجاه توثيق لفن كتابة القصة القصيرة في السودان، في تجربة وان لم تكن الاولى فهي الاكثر شمولاً للتعرف على القصة القصيرة جداً من خلال طرح للمفاهيم التى تحدثنا عنها اعلاه في قالب تطبيقي يشمل النص ومصدره والقراءة المصاحبة له. وبذلك نتحقق من فرضية تتابع السرد القصصي في مجموعة من القصص القصيرة جداً، من خلال موضوعاتها، شخوصها، احداثها، مفرداتها، وفي بعض الاحيان امكنتها وازمنتها، وغيرها من سمات السرد القصصي.
وبصورة اكثر وضوحاً، لمفهوم التتابع السردي، فمثلاً قد نجد قصة قصيرة جداً تحمل عنوانا وتنتهي بنهاية معينة ونقطة في الاخر، فهنا -وعلى حسب الفرضية- لايعني ان المشهد السردي لذات الموضوع او الشخص او الحدث او المفردة قد انتهى، بل هنالك قصص اخرى، موزعة في المجموعة، تحمل تتابعاً او تتمة لذلك، مع الوضع في الاعتبار ان هنالك بعض العلامات قد تكون شاهداً على ذلك، كالاقواس وعلامات الاستفهام والتعجب وغيرها.
لنبدأ بأول عتبة من عتبات الكتاب والتى مثلها الاهداء والذي جاء فيه « إلى أمي..وهي تنتظر «عودتي»…«هناك».» «الاهداء، المجموعة، ص3». فالاهداء مثل مجموعة كبيرة من داخل النصوص يمكن التطرق لها لاحقاً. واذا اعتبرنا ان للقصة القصيرة جداً حبكة فاعتبر ان المجموعة باكملها تمثلت حبكتها في هذا الاهداء. بل يمكن ادماج العتبات الخارجية من عنوان المجموعة «بعيداً» والتي يمكن ان تمثلها كلمة «هناك» او «خلف الأستار» التى وكأنها نحتت على صيغة «عودتي» في الاهداء. اما صاحب الاهداء الى الأم، والتى سنتحقق من مفردتها من خلال عدة نصوص داخل المجموعة.
مفردة الأم ودلالتها السردية:
لنقرأ النصوص التالية ونحاول اكتشاف مفهوم التتابع السردي من خلال مفردة الام، مع الربط بين الهنا والهناك، الام «هنا» ورضاء الرب وفتح ابواب الحياة «هناك، او بعيداً خلف الاستار».
« قبلت «رأسها».. ثم خرجت.. وجدتهم قد سحبوا «اللون الاحمر».. من شارات المرور» «رفقة، المجموعة، ص60»
« اصطفوا، لينتخبوا حاكماً «عادلاً».. انسحب من بينهم.. شوهد امام باب «المرأة».. التى فازت بجائزة «الام المثالية». «إعداد، المجموعة، ص96».
«وسط «الاهازيج».. همست «العرافة» لأمه: «لن يكون سعيدا.. فوجهه واحد». المجموعة، ص36».
«عاد «منتصراً».. سأل أمه: «لماذا لم تخبريني ان سيفي من خشب؟!».» «دفع، المجموعة، ص46».
«ضمها اليه.. قبل جسدها شبراً شبراً… وعند «قدميها» غازلته «الحوريات». «المنجية، المجموعة، ص24».
ويمكن ان نلاحظ ان التتابع السردي في النصوص اعلاه اخذ شكل المفردة وان اختلف الحدث في المكان والزمان الا انه ظل في حالة تتابع يمكن ان يجمع في نص واحد يشتمل على جمل مكثفة تحوى سمات القصة القصيرة، من بداية وسط ونهاية.
الوطن كموضوع سردي :
«ارهقته لافتات الطريق: « احترس.. امامك منعطف».. حدث نفسه: كم يعاني وطني!؟». «إشفاق، المجموعة، ص82»
«صاحوا: «يسقط الملك لانه ينهب ثروات البلاد».. ردد الصدى: « يسقط الملك لانه ينهب ثروات البلاد وحده»..» «ثورة، المجموعة ص44».
« قرر ان يعرف عن السلاح «الفتاك».. تسلل الى مصنعه في تلك «البلاد البعيدة».. قرأ في نظام التشغيل: «يعمل بفاعلية أكبر عندما يستخدم بين ابناء الوطن الواحد». «دهاء، المجموعة، ص 21».
« تقاتلوا.. صاح فيهم «الوطن»: «أرجوكم.. كفوا عن الموت من اجلي».. قالوا بصوت واحد: «من أنت؟!». «إدعاء، المجموعة،ص90».
ففي مثال الوطن وموضوعه، الذي تنوع صعوداً وهبوطاً، بين الوطن الواقع الذي يعاني من الفقر والمرض والحروب والفساد وغيرها«هنا» وبين الوطن الجميل الذي يضم ابناءه بين دفتية كأم حنون، فالوطن يحتاج لابن بار به، لعدل في الحكم، لابن يقبل ترابه عند مغادرته وعند العودة اليه، يحتاج الوطن لأن تسحب منه كل الاشارات الحمراء«الهناك، او بعيداً.. خلف الاستار».
ومن هنا يمكن ان نجد ان هنالك علاقة مابين المثال الاول« مفردة الام ودلالتها السردية» والمثال الثاني«الوطن كموضوع للسرد»، وكأن هنالك ادوارا تكاملية بين الوطن والام، لذا فان السرد في المجموعة اخذ ذات الاتجاه التتابعي في النصوص السردية.
من خلال الامثلة أعلاه- يمكن الاستشهاد باكثر من ذلك- نخلص الى ان المجموعة«بعيداً.. خلف الأستار» كانت تحمل معنى تتابع السردية التى لم تتوقف عند مفردة معينة ذكرت في نص سابق، بل اتخذت تلك النهاية للقصة القصيرة جداً لبداية لقصص اخرى لاتبتعد كثيراً عن الموضوع او الهدف، لكنها تعزز موضوعها باضافات جديدة. ومن هنا كان مفهوم تتابع السرد يأخذ النص ويحاور نصوص اخرى يضمها ذات الكتاب، بل اكثر من ذلك يصبح وكأن النصوص في حالة تحاور وتكامل مع بعضها البعض، اذا ما حاولنا قراءتها بصورة اقرب للقصة القصيرة، وبذلك يكون مفهوم السهوله في قراءة القصة القصيرة جداً خاطئا تماماً لاسيما اذا كانت تلك النصوص يضمها كتاب واكثر من صوت سردي واحد. لان القراءة المتكاملة تتطلب تتابعا في شكل السرد للموضوع والمفردة الامر الذي قد يعطي اهمية اكبر للقصة القصيرة جداً في حقل السرديات.