إضاءات حول إبداع إبراهيم إسحق.البروفسر محمد المهدي بشرى : تمرد إبراهيم إسحق على المركزية اللغوية يمثل واحداً من أهم ملامح إنجازه السردي

الخرطوم : حسن موسى
نظمت الموسوعة السودانية بالتعاون مع مجلة سودان ناو بوكالة السودان للإنباء ندوة ثقافية وسمتها ب « إضاءات حول إبداع إبراهيم إسحق السردي « تحدث فيها البروفسر محمد المهدي بشرى وذلك وسط حضور كبير من المهتمين بالمنتج السردي لإبراهيم إسحق .
وقال البروفسر محمد المهدي بشرى ان الروائي إبراهيم إسحق ظهر في المشهد السردي في نهاية ستينات القرن الماضي بإنجازه السردي الأول « حدث في القرية « عام 1969م ، الذي أحدث هزة كبيرة في السرد الإبداعي حيث دارت معركة حول اللغة التي يكتب بها ، ويرى ان إبراهيم اسحق خرج على مركزية اللغة العربية العامية التي درج الكتاب على إستخدامها منذ ثلاثينيات القرن الماضي وغطى غبار المعركة الموهبة الكبرى التي يحملها الروائي إبراهيم اسحق التي تأكدت بإبداعه لنصه الأول ، وأضاف ان إبراهيم بهذه الموهبة الكبيرة صدرت له العديد من الكتابات السردية التي رفدت المشهد السردي في السودان على مدى أكثر من نصف قرن ، وأشار إلى ان نبيل غالي حصر كتابات إبراهيم إسحق السردية في مؤلفه الموسوم ب « ببليوغرافيا الرواية السودانية 1948-2015م « مشيراً إلى أكثر من خمس روايات لإبراهيم إسحق ، وأكد البروفسر محمد المهدي ان هنالك العديد من المجموعات القصصية التي أصدرها إبراهيم إسحق ، وأشار إلى ان الدكتور أحمد الصادق عالج كتابات إبراهيم إسحق مركزاً على القضية التي أثيرت حول اللغة التي يكتب بها إبراهيم إسحق في ندوة « شاهد على العصر « ، ويذهب أحمد الصادق إلى المعركة التي أثيرت حول اللغة التي يكتب بها إبراهيم إسحق مع تجاهلٍ لثراء النص السردي الذي يبدعه إبراهيم إسحق .
وحسب البروفسر مهدي بشرى ان إبراهيم اسحق يقول في حوار أجراه معه موسى حامد « انا أوضحت في مقابلات قديمة جداً بان الصدق الفني يملي علي ان أكترث للكلمة المعبرة عن الناس، وليس الاهتمام بما هو مطابق للنحو، وللذي يجوز والذي لا يجوز اللغة العربية المعيارية « .
ومن جهته يرى البروفسر محمد المهدي ان تمرد إبراهيم إسحق على المركزية اللغوية يمثل واحداً من أهم ملامح إنجازه السردي ، لافتاً إلى ان إبراهيم اسحق إنحاز للتعدد اللغوي الذي هو عامل قوة للغة العربية المعيارية وليس العكس ، وقال لفهم موقف إبراهيم اسحق لابد من النظر إلى المدارس الأربع التي نهل منها والتي شحذ بها موهبته أو قل عبقريته ، ومن أهم هذه المدارس الرواية الأوربية كما تتجلى في أكبر إنجازاتها خاصة كتابات جيمس جويس وهمنجواي وفوكنر .
وأضاف لا بد من الإشارة إلى أمر هام يشارك فيه إبراهيم إسحق الطيب صالح ألا وهو هضمهما وإستيعابهما إنجازات الرواية الأوربية من مصادرها وليس عن طريق وسيط أي الترجمة .
وذهب البروفسر محمد المهدي إلى ان الكثير من النقاد كتبوا عن إبراهيم اسحق، وعالجوا شتى ملامح إبداعه من بينهم الناقد الراحل عبد الوهاب حسن خليفة الذي كتب « الذات والرؤيا في أعمال الطيب وإبراهيم اسحق « ، وقال ان الكاتب كرس جزءاً كبيراً من الدراسة للمقارنة بين العالم الروائي للكاتبين وإنتبه الكاتب كذلك إلى وحدة المكان عند الكاتبين وذلك في قوله «وكما نجد ود حامد في أعمال الطيب صالح نجد الدكة عند إبراهيم إسحق فهي مسرح لمعظم أعماله ، كذلك نجد ان شخوصه « إبراهيم اسحق « هم نفس الشخوص في مختلف الأعمال ، وأضاف ان الكاتب يشير إلى ما يسميه قصور فهم إبراهيم اسحق للأسطورة الأمر الذي نجح فيه الطيب صالح .
وأوضح ان من الدراسات التي تناولت إبداع إبراهيم اسحق بمنهج أكاديمي دراسة بشير عباس الذي ركز على لغة الرواية عند إبراهيم اسحق ونجده يقول «أول ما يواجه الباحث في لغة الرواية عند إبراهيم اسحق استخدامه للعامية الموغلة في المحلية كما يتحدثها سكان إقليم دارفور ، لافتاً إلى ان استخدام هذه اللهجة خلق صعوبة لدى القارئ في فهم نصوص إبراهيم اسحق ، وان الكاتب يتفق مع النقاد الذين أكدوا عدم أهمية استخدام الحوار العامي ، ومن جهة يؤكد النقاد على ان عامية الحوار ليست دليلاً على واقعية الشخصية إذ ان هناك عدة طرق ووسائل للاقناع بواقعية الشخصي ، والكاتب يشير كذلك إلى ان إبراهيم إسحق لا يجود بناء شخصياته لانه لا يهتم بالجانب المظهري للشخصيات ، كما انه لا يهتم بالفوارق اللغوية ومعنى ذلك انه جعل من الحوار أمراً أساسياً في تحديد واقعية الشخصية وربطها بالبيئة التي تعيش فيها ، ويخلص بشير عباس إلى القول ان إصرار إبراهيم إسحق على إستخدام العامية المحلية أدى إلى ضعف في رواياته .
وأشار البروفسر محمد المهدي بشرى إلى دراسة مبارك الصادق الموسومة ب «سحر الإبداع عند إبراهيم اسحق» وهو يستهل دراسته قائلاً «القصة لدى إبراهيم اسحق هي حفر أركيولوجي في نسيج المجتمع الإنساني بتركيز على إنشائه في المحيط ، وقال مازلنا في دهشتنا لتلك الحفريات التي تغوص عميقاً في تلك التجربة ، وذهب إلى ان الكاتب تحدث عن الأسئلة المتعددة التي تنفتح عليها نصوص إبراهيم اسحق ، ويرى البروفسر مهدي بشرى إلى ان الناقد أحمد عبد المكرم هو من أكثر النقاد الذين توقفوا أمام إبداع إبراهيم اسحق وذلك في دراسة عالج فيها إبداع إبراهيم اسحق جنباً إلى جنب مع إبداع الطيب صالح وإبداع فرانسيس دينق، وتناولت الدراسة ما أسماه الكاتب بمأزق الهوية والانتماء ، فقال ان إبراهيم اسحق في كتاباته فقد لجأ إلى معالجة القضية أو الموضوع من زاوية مختلفة خاصة في نص روايته القصيرة « أخبار البنت مياكايا « وفي هذا النص تحول الروائي إلى باحث تاريخي وخلص عبد المكرم إلى ان إبراهيم اسحق برع في توظيف الحكاية الشعبية ، وهذا يظهر بوضوح في قصة « ود الملك وود الحطاب « .
وخلص البروفسر محمد المهدي بشرى إلى ان إبداع إبراهيم إسحق السردي يمثل إضافة حقيقية إلى السرد السوداني بل والسرد العربي ، وقال لإبراهيم مشروعٌ روائي بدأه قبل قرابة النصف قرن من الزمان وانجز خلال هذه المسيرة نصاً روائياً يمكن ان نطلق عليه الرواية الكبيرة ، وذلك لما تتميز به هذه النصوص من وحدة في المكان ووحدة في الشخوص ، وأكد ان هذا يتأسى بما خلص إليه عبدالرحمن الخانجي حين أسمى نصوص الطيب صالح الروائية بالرواية الكبيرة وذلك لما تميزت به حسب الخانجي هذه الروايات بوحدة في المكان والشخوص .
ومن جانبه طالب البروفسر محمد المهدي بشرى في نهاية ورقته إلى ضرورة ترجمة أدب إبراهيم إسحق إلى الثقافات غير العربية إسوة بأدب الطيب صالح .