النخبة السودانية بين الخيال السياسي والافانتاجيا

يعرف الخيال السياسي على انه هو « القدرة على تجاوز أزمات الموقف وصعابه « على حد قول الدكتورحسن حنفي او هو « اعمال العقل والمخيلة معا لصياغة رؤى متكاملة لحل مشاكل الحاضر» كما يعرفه علي الرحال إلى غير ذلك من التعريفات التي اوردها عمار علي حسن في كتابه الموسوم ب»الخيال السياسي» وهو كتاب جديد صدر هذا الشهر ضمن سلسلة عالم المعرفة بعنوان الخيال السياسي ، وقد اورد الكاتب ، نقلا عن توم لومباردو استاذ علم النفس الامريكي الشهير، الابعاد المعرفية التي يقوم عليها الوعي بالمستقبل . من هذه الابعاد التخيل والاستشراف ، اي القدرة على خلق تخيلات ووقائع افتراضية في اذهاننا ، والقدرة على تصور ما سيأتي في المستقبل ، وهذه حالة مطلوبة لان القدرة على التخيل والتي تمكن من الاستشراف هي أعلى درجات الإبداع ، في المقابل هناك ما يسمى «الافانتاجيا « او العجز عن التخيل ، وهي حالة يكون فيها المرء عاجزا عن تشكيل الصورة العقلية ، فهل يمتلك الساسة السودانيون القدرة على التخيل والاستشراف ؟ واذا كانت الاجابة بنعم فلماذا اذا هكذا يتخبطون ، اين استشرافهم للمستقبل؟ ولماذا أخطأوا هذه الاخطاء القاتلة التي جعلتنا نتمنى أن لو عدنا الى ستينيات القرن الماضي؟ أم انهم مصابون بالافانتاجيا وبداء العجز عن التخيل ؟
ان الخيال السياسي كما تمت الاشارة هو « القدرة على تجاوز أزمات الواقع « ، ولعل اوضح أزمات الواقع السوداني تتمثل في امرين هما : الوضع الاقتصادي المتردي ، والحروب التي طالت كل اجزاء الوطن ، ولم تستطع القوى الوطنية في السودان – للاسف- منذ استقلاله وحتى اللحظة الراهنة ان تتجاوز أزماته ، ولا ان تكتشف مصادر القوة فيه فتعززها ، ولا ان تعرف مواطن ضعفه لتعالجها ، فبينما كان الجنيه السوداني « يساوي واحدا من ألف من جنيه اليوم « يساوي في الستينيات 3 دولارات و14 سنتا ً،توالت عليه المصائب حتى وصل اليوم الى ان يكون كل 20 جنيها « ألف جنيه بالقديم « تساوي دولارا واحدا ،تعطلت مشاريع الانتاج ، وانهارت البنيات الاساسية ، دمر مشروع الجزيرة ، وانتهت السكة الحديد ، ودمرت الخدمة المدنية ، وبعد ان كان السودان مذكورا مشكورا اصبح نسيا منسيا ، وهو في حالته هذه يتصارع ابناؤه على كراسي حكمه ، كالابناء الذين يستعجلون موت ابيهم للتمتع بالميراث ، انشغلت النخبة السودانية بالصراع على الكراسي فتمحورت حول الوسيلة واضاعت الغاية ، لم يسأل احد عن كيف يحكم السودان ؟ بل ظل السؤال الجوهري الذي انعقدت له المؤتمرات ، وحشدت له الحشود هو: من يحكم السودان؟
والقدرة على التخيل ، ان وجدت لدى القادة السودانيين ، فالواضح انها لم تستعمل في تصوركيف يمكن الاستفادة من الفرص والامكانيات التي تذخر بها البلاد وكيف توجه لنهضة البلاد وتقدمها ، بل تمحورت حول طرق الوصول الى السلطة والتمتع بالسلطة والمال وما دون ذلك من الاهداف الخاصة .
ومن مؤشرات الوعي بالمستقبل ، كذلك، القدرة على تحديد الاهداف بدقة ووضع الخطط وحشد الامكانيات لبلوغ الاهداف المرسومة لان الهدف هو وضع معين يقترن برغبة مؤكدة لتحقيقه عن طريق تخصيص قدر من الجهد والامكانيات التي يستلزمها الانتقال بهذا الوضع من التصور النظري المحض الى التحقق المادي على ارض الواقع ، ولكن اين هي الاهداف الوطنية التي رسمت ؟ واين هي الخطط التي وضعت ونفذت لبلوغ هذه الاهداف؟ واين هي الموارد التي رصدت لتحقيق هذه الاهداف ؟ واين وصلنا في تحقيق تلك الاهداف ؟ يأسف المرء اذ يصل الى نتيجة مفادها ان لاشئ من كل هذا قد حدث أصلاً ، لا ينكر المرء ان كل الحكومات السودانية – تقريبا – ومنذ الاستقلال ، ظلت تحدث الناس عن خططها الخمسية والعشرية وما شابه ذلك ، الا ان هذه الخطط لم تؤد الى نمو ولا الى تنمية ، وظلت البلاد تدور في فلك الاخفاق والخيبة عاما بعد عام ، فاما ان الخطط لم تكن صحيحة ابتداء ، او انها لم تطبق بصورة تؤدي الى تحقيق الاهداف المرجوة منها ، وكلا الحالتين تشير الى غياب الوعي بالمستقبل .
من مؤشرات الوعي بالمستقبل كذلك ، وفقا لتوم لومباردو التفكير بامكانيات الواقع الافتراضي المستقبلي ، وبناء السيناريوهات استنادا الى قدرات كبيرة على التخيل لمعالم المستقبل وفرصه وتحدياته ، وهو ما يتجلى في تفكير غير تقليدي يبدو غريبا في الواقع الحالي ويراه قصار النظر ضربا من العبث والفوضى وتضييع الوقت والموارد لانهم لا يرون معالم المستقبل وفرصه وتحدياته ، لكن الذين لهم وعي بالمستقبل تتجلى امامهم هذه الحقائق ، الا ان ادعاء الوعي بالمستقبل عند بعض صناع القرار يقود الى تخبط واسع ويدخل البلاد في أزمات ليس منها مخرج ، لان صانع القرار حينئذ يكون ممن يفتقرون الى الوعي بالمستقبل لكنه يدعي ذلك وينخرط في انشطة لا تؤدي الى الاهداف المطلوبة فيكون ذلك ضغثا على ابالة . ولقد عايشنا ضربا من هذا النمط من المنظرين الذين يلجون الواقع السياسي برؤى فلسفية بعيدة عن ارض الواقع ويشرعون في تنفيذ هذه الرؤى دون وعي بخطورة ذلك وما تؤدي اليه من مآلات سالبة في كثير من الاحيان ، لذلك فاننا حين نتحدث عن الوعي بالمستقبل لا نقصد الاجتهادات الفردية للقيادات السياسية ، وانما نتحدث عن الصفوة السياسية كجماعة حاكمة او معارضة ان تكون على وعي بالمستقبل وتدير نقاشات موسعة حول فرص وتحديات المستقبل وواقع البلاد وخصوصيتها لينتهي الامر الى رؤى متعمقة تفضي الى فهم للواقع السوداني في اطار فرص وتحديات المستقبل، بغية الاستعداد لمجابهة تحديات المستقبل برؤى ثاقبة وخطط مناسبة تستصحب تطورات الواقع المستقبلي وواقع البلاد وامكانياتها .
ولا شك ان اهم مظاهر الوعي بالمستقبل هو انفتاح الذهن على الابداع، بمعنى القدرة على الانفتاح على الاراء والافكار المختلفة مع افكاره دون تعصب ولا تشنج ، فضلا عن القدرة على ابداع افكار غير مألوفة، اي يمتلك القدرة على التفكير المبدع الخلاق وهو ما يعرف بالقدرة على الابداع والابتكار creativity and innovation»
ويأسف المرء اذ يرى الساحة السودانية تموج بشتى انواع العصبيات بدءا من العصبيات القبلية والاجتماعية والطبقية الى العصبيات الدينية والمذهبية والطائفية ، وهو ما بات يهدد مستقبل البلاد وأمنها ، فقد تجلت العصبيات في حركات احتجاجية ما لبثت ان حملت السلاح ورفعت الشعارات العرقية المنفرة وابتدعت مقولة التهميش تبريرا لممارساتها البغيضة ، وخلت الساحة في السنوات الاخيرة من الابداع الا في اطر ثقافية ضيقة اقتصرت على الادب والشعر ، وهو ما لم يوازيه ابداع حقيقي في ابتكار افكار غير مألوفة في مجال الادارة والاقتصاد والسياسة والاجتماع ، وما انفك « المفكرون: يرددون المقولات المألوفة والمكرورة منذ عشرات السنين على الرغم من التغيرات الواسعة التي تشهدها البلاد، ان في المجالات السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية ، فضلا عن التطورات العالمية المتسارعة التي تحتاج الى مواكبة لها ومسايرتها حتى لا نتخلف عن ركب الامم .
ومما يشير الى الوعي بالمستقبل ان تكون النخبة الوطنية قادرة على تشخيص المشكلات التي تعانيها البلاد بدقة متناهية ، ومن ثم وضع الحلول المناسبة لها ، والعمل على تنفيذ هذه الحلول وتقييمها عبر التغذية الراجعة واتخاذ ما يستدعي من سياسات وقرارات على ضوء هذه التغذية الراجعة .
ولعل من اهم المؤشرات التي تشير الى الوعي بالمستقبل هي عملية صنع القرار السياسي . ان عملية صنع القرار ليست مسألة عشوائية ، بل هي اسلوب علمي محض يقوم على اساس جمع المعلومات، وتصنيفها، وتحليلها بهدف صياغة البدائل المتاحة، من ثم الترجيح بينها على اسس علمية وموضوعية، من اجل اتخاذ القرار الصحيح الذي يناسب الموقف المعني.
لكن عملية صنع القرار تواجه صعوبات وعقبات تقود الى عدم وضوح الرؤية لدى صانع القرار، ومن ثم عدم القدرة على التحكم في عناصر البيئة السياسية التي سيطبق فيها القرار مثل: النقص في المعلومات، والتغير في عناصر الموقف، وعدم القدرة على التنبؤ بردود افعال الاطراف ذات الصلة بالقرار، والضغوط النفسية والعاطفية التي يتعرض لها صانع القرار السياسي .
لكن ما كتب عن السودان في هذا الصدد ، من بعض كتابه ، يدعو للخوف اذا صح ما قالوا حيث ذكر احدهم ان احد القادة السودانيين الكبار كان اذا اراد ان يتخذ قرارا مهما « ينوم بالخيرة» ، بينما توصل اخر الى ان كثيرا من الصفوات العربية ، بما فيها السودان، تثق في» العرافات» اكثر من مراكز الدراسات والبحوث . وكما قال جبران خليل جبران « الويل لأمة فيلسوفها مشعوذ « .
ومن مؤشرات الوعي بالمستقبل التخطيط ، والتفكير الافتراضي والرؤية الشاملة الثاقبة التي تمكن صاحبها من رؤية الصورة كاملة بتفاصيلها ، والتفكير الافتراضي ، والملاحظة القائمة على التجربة . لكن اهم ما في الامر هو ان الوعي بالمستقبل يرتبط بقيم اخلاقية كالشجاعة ، وتحمل المسؤولية ، وحب المعرفة ، والتفكير، والحكمة ، والرغبة القوية لدى القيادة في تطوير المجتمع الى الافضل .
ليس هذا جلدا للذات ، ولا تقليلا من قيمة الجهود التي بذلت ، ولا تشكيكا في النوايا الصادقة لقطاع واسع من هذه النخبة المستنيرة التي تعاقبت على حكم البلاد ، لكنها دعوة لتغيير الاساليب القديمة التي اتبعناها في ادارة الامور منذ عشرات السنين ، جربنا خلالها المجرب وابتدعنا بدعا ما عرفها اباؤنا الاولون ولم نجن الا الشوك. هي دعوة لتغيير المنهج الذي نتعامل به ، واحداث نقلة غير مسبوقة في اوضاعنا ، وابتداع حلول غير تقليدية لمشاكلنا ، وانتهاج الاساليب العلمية الرصينة في سياساتنا وقراراتنا وتخطيطنا ، عسى ان نلج عهدا جديدا من التنمية والتطور .