سباحة حرة في نهر عطبرة«9»

«1»
قلت في الحلقة السابقة انني كنت من المحظوظين عند زيارة النائبة فاطمة أحمد ابراهيم، إذ قدّر لي ان اقترب منها جداً دون ان يتنبه لي أحد وهي تلقي خطاباً داخل قاعة كبري بمدرسة عطبرة الصناعية المواجهة لعمارة عباس محمود، وحدقت في النائبة تحديقاً كادت معه عيناي تخرجان من محجريهما، ومشاعر الحماس والاعجاب تكاد تقتلني.  ثم فوجئت بها في اليوم الثاني لزيارتها تأتي لمدرستنا، المدرسة الشرقية الابتدائية. ومن دون الفصول كلها دخلت الي فصلنا بالسنة الرابعة وفي معيتها، بطبيعة الحال، ابراهيم عز الدين، ثم ناظر المدرسة الاستاذ حسن سيد أحمد بتيك، فوقفنا جميعا لتحيتها ونحن مشدوهون لهول المفاجأة. وبدون مقدمات او سابق اعداد بدأ الفصل يغني بصوت واحد نشيد «أصبح الصبح»، الذي كان وقتها حداء الجماهير الثائرة ونشيدها الأوحد. واظن في يومي هذا ان زيارة فاطمة لعطبرة كانت معلماً فارقاً في حياتي، اذ ربطني ذلك الحدث وأحكم وثاقي بالسياسة والشيوعية والاشتراكية والعمل الجماهيري الذي أخذ يسري مني مسرى الدم في العروق.
غير أن عطبرة شهدت بعد يوم فاطمة التاريخي ذاك، يوماً أسود أغبر ،  وران علي سمائها حزنٌ غامر، اذ فقدت ابنها البار ابراهيم عزالدين الذي تمكّن منه وأقعده داءٌ عضال، ثم استأثرت به رحمة المولى بعد حياة رحيبة خصيبة دانية القطوف متصلة العطاء، أوقفها علي خدمة الناس وترقية حيواتهم، وتفجير طاقاتهم، وتوجيهها في مضامير التنمية الاجتماعية والرياضية والثقافية. وشيعت المدينة فقيدها العزيز في موكب مهيب لم تر له مثيلا لا قبلاً ولا بعداً.
«2»
الي جانب التنويه في النشرة اليومية للسكة الحديد التي عرفت باسم «البولتين»، فان الاعلان عن الندوات السياسية في المدينة كان يتم عن طريق سيارة تاكسي تطوف طرقات المدينة واحياءها، تحمل علي رأسها مايكروفوناً ضخما، ويجلس متوهطاً في داخلها رجل ذو صوت مميز ينادي بأسماء كبار السياسيين الذين سيزورون المدينة ويخاطبون جماهيرها في ميدان المولد. ولم يكن ذلك المنادي يستخدم عبارة «ندوة»، فالمصطلح المستخدم وقتها كان هو «ليلة سياسية كبرى». الغريب ان قيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي التي  كانت تأتي الي عطبرة لم تكن تتغير فهي في غالب الامر ذات الوجوه، ومع ذلك فقد كانت تحظي باستقبال كبير وجماهير مقدرة. لم تكن جماهير الحزب الاتحادي التي تتحلق حول زعاماتها تضاهي عدداً بطبيعة الحال الجماهير التي كانت تحتشد عند زيارات قيادات اليسار، ولكنها كانت جماهير غفيرة علي اية حال.
من الوجوه الاتحادية المألوفة: نصر الدين السيد وزير المواصلات، وأحمد زين العابدين وزير الصحة، بالاضافة الي شخصية سياسية نسائية فذة من أعتي وأشهر قيادات الحزب الاتحادي آنذاك وهي السيدة بدرية الزين «جدة زوجة اللواء عبد الرحمن الصادق المهدي». وكانت الجماهير الاتحادية تهتف عند صعود كل واحد من هؤلاء السياسيين هتافاً مميزاً خاصاً بذلك السياسي، فعلي سبيل المثال اذا صعد نصر الدين السيد الي المنصة بميدان المولد هتفت الجماهير هتافاً متواصلاً: «نصر الدين نصير الشعب»، ولم اعد اذكر الهتاف الموازي الخاص بالسياسي البارز الآخر أحمد زين العابدين وكان له هو ايضا، وللسيدة بدرية هتافات مميزة.
وقبل صعود اي من هؤلاء السياسيين الكبار الي المنصة لمخاطبة الجمهور كان محمد عبد الوهاب الساعاتي، وهو من أشهر رجال الحزب الاتحادي بالمدينة، وقد اكتسب اسمه من كونه يمتلك محلاً لبيع وتصليح الساعات بالسوق الكبير، يصعد ليلقي أبياتاً من الشعر الشعبي في مدح القيادي الحزبي المدعو لمخاطبة الجماهير. وكان محمد عبد الوهاب الساعاتي هذا يجلس بشكل دائم علي سلم المنصة أثناء القاء السياسيين لخطبهم، ويكتب شعراً فورياً من وحي اللحظة، ثم يتقدم الي حيث المايكروفون بصورة مفاجئة ليقاطع السياسي الخطيب ويلقي شعره العامي المرتجل فتهتاج الجماهير وتصفق له، ثم يقول له السياسي «شكراً»، فيعود الساعاتي الي سلم المنصة ليواصل كتابة الشعر.
«3»
ويبدو لي ان والدي، الذي لم يكن ليظهر اهتماما بالسياسة والاحزاب، كان في حقيقة أمره اتحاديا، اذ انه ظل في كل الانتخابات التي شهدها السودان يدلي بصوته لمرشحي الحزب الاتحادي الديمقراطي، ما عدا مرة واحدة صرح فيها بأنه ادلي فيها بصوته لمرشح جبهة الميثاق الاسلامي محمد صالح كرار. غير انني سمعت والدي يؤكد لبعض مجالسيه الذين فوجئوا بتصريحه ذاك بأنه كان بوده ان يصوت لمرشح الاتحادي الديمقراطي كما يفعل دائما، ولكن محمد صالح كرار صديقه واخاه الذي يعتز به كثيراً وانه صوت له تعظيماً لحق الصداقة وواجب الاخوة، لا بسبب انتمائه السياسي. وقد حصل محمد صالح كرار في تلك الانتخابات علي خمسمائة وواحد وعشرين صوتاً، بينما حصل مرشح الحزب الاتحادي الطيب حسن الطيب علي ما يربو علي ثلاثة آلاف صوت. وكان الفائز هو مرشح الحزب الشيوعي السوداني الحاج عبد الرحمن الحاج الذي حصل علي اكثر من خمسة آلاف صوت. وقد لاحظت اثناء اقامتي في الولايات المتحدة ان هناك عدداً من الممثلين السينمائيين تحولوا الي السياسة وخاضوا انتخاباتها واصبحوا اعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ فجمعوا بذلك بين السينما والسياسة.  ويعتبر الطيب حسن الطيب هو اول سوداني يجمع بين السياسة والسينما. فمع الاحتفاظ بدوره القيادي في مدينة عطبرة كزعيم سياسي في الحزب الاتحادي فإنه كان ممثلا مسرحيا وسينمائيا، وقد لمع نجمه عندما قام بأداء دور شخصية محورية وقام بدور البطولة في اول فيلم سوداني وهو فيلم «آمال واحلام» الذي انتجه في مدينة عطبرة الرشيد مهدي واخرجه ابراهيم ملاسي مدير المدرسة الثانوية الحكومية بعطبرة آنذاك.
«4»
ولكن عطبرة كانت تستحيل الي شعلة متوهجة من الحركة والنشاط عند وصول القادة السياسيين اليساريين لمخاطبة العمال في ميدان المولد الذي كان يكتظ عن بكرة ابيه بجموع اليسار الهادرة. كنت تسمع مكبر الصوت الشهير من فوق سيارة التاكسي وهو يردد بذلك الصوت المميز أسماء مثل: عبد الخالق محجوب، أحمد سليمان، الشفيع أحمد الشيخ، فاروق ابوعيسى، وأمين الشبلي. ومن القيادات المحلية كنت تسمع اسم القائد العمالي والنائب البرلماني الحاج عبد الرحمن. وقد خاض الحاج عبد الرحمن الانتخابات النيابية عن دائرة عطبرة ممثلا للحزب الشيوعي في مواجهة القطب الاتحادي الذي سبق ذكره. وكان رمزه الانتخابي « العنقريب». وأشار الاستاذ عبد الخالق محجوب الي ذلك الرمز اشارة فكهة حين خاطب العمال في ليلة سياسية تحدث فيها دعماً لمرشح الحزب اذ قال:«اؤكد لكم ان الحاج اذا فاز فلن يذهب ليرقد فوق العنقريب وانما سيبذل كل وسعه لخدمة قضاياكم وقضايا السودان».
وفي معتقدي ان الحاج عبد الرحمن كان شاعرا مفوهاً الي جانب كونه قائدا عمالياً وسياسيا شيوعياً، فمما علق بذاكرتي عبر العقود والحقب أبيات من الشعر سمعته يرددها من فوق المنصة بصوت جهوري في احدى لياليه السياسية، ومن هذه الابيات: « يا عطبرة يا قلعةُ الاحرارِ كم منك انبري / سهمٌ يجلجلُ عالياً لا لن نُباع ونُشترى». وقد ذهب الحاج عبد الرحمن الي البرلمان لحضور الجلسة الاولي في اول يوم لافتتاح الجمعية التأسيسية في مظاهرة اعلامية، وهو يرتدي الاوفراول «الابرول» الذي يرتديه عمال الورش، محمولا علي اكتاف جمهرة من العمال. الا ان محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء المنتخب، الذي كان يرتدي البدلة الاوربية الكاملة وربطة العنق، استهجن ذلك التصرف وعدّه نوعاً من المزايدة غير المستحبة، كما اوردت الصحف التي نقلت عنه قوله متسائلا: « من منا ابن الباشا؟ من منا ابن البرنس؟ كلنا اولاد مزارعين ورعاة وعمال. كلنا أبناء سودانيين فقراء»!