مآلات الحوار السوداني الأمريكي حول حقوق الإنسان وضرورات الخروج من بند الإجراءات الخاصة

%d8%a7%d8%ad%d9%85%d8%afالمطالبة بتصميم خطة واضحة للسودان للخروج من بنود الإجراءات الخاصة ضد البلاد ، طالبت بها مجموعات وطنية ، ومنظمات مجتمع مدني منذ فترة طويلة .. وبرزت كثير من الأصوات داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ، الذي يضم كافة الجهات الرسمية «الاثنين والثلاثين»، المعنية بملف حقوق الإنسان بالسودان ، تدعو هي الأخرى للبحث عن منهج وطني للتعامل مع هذا الملف «المُشغِل» عن قضايا السلام والتنمية والرفاه لشعب السودان .. وربما التعامل التلقائي للدولة مع الموضوع ، قبل انفصال الجنوب ، وقبولها بمبدأ الإجراءات الخاصة وفق البند الرابع ، والموافقة على ولاية المقرر على ذات البند ، ربما كان ذلك خطأ في تقديرات الموقف، إلا إن تبريره كان من باب حسن النية لارضاء المجتمع الدولي عن إجراءات الاستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان بالتالي .. وبالمقابل كان على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الإيفاء بالتزاماتهما برفع العقوبات وإنهاء ولاية الخبير المستقل في أول دورة لمجلس حقوق الإنسان في 2011، وهذا لم يحدث.. وظلت الضغوطات تُمارس على السودان من عدة جبهات غير هذه الجبهة ولكن مقررات حقوق الانسان وتبعاتها على السودان ، ظلت هي الأشد طيلة هذه المدة .
وحتى الإجراءات الأحادية القسرية على السودان ، تربطها الإدارة الأمريكية ، بملف حقوق الإنسان والتسوية السياسية ، متناسية موقف المقرر الخاص المعني بالتدابير القسرية على الدول ، ورفضه علناً لهذه الإجراءات ، ودعوته المتكررة لرفعها باعتبارها تدابير أُحادية تنتهك حقوق الإنسان ولا تشكل أي إضرار بالحكومة أو الأحزاب السياسية ، التي هدفت إليها العقوبات، وضمن المقرر دعوته بضرورة رفع إجراءات التدابير القسرية في آخر تقرير قدمه للمجلس مطلع شهر سبتمبر الجاري 2016 .
ومعلوم للكافة أن المقرر الخاص بمنع التدابير الاُحادية ضد الدول « إدريس الجزائري» مُعين كخبير دولي من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ، وبموافقة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
والآن بعد ست سنوات من انفصال الجنوب يرفض ممثل أمريكا في المجلس تضمين 5 فقرات من تقرير «الجزائري» ، لتقرير الخبير المستقل «آرستيد» ،المقدم للمجلس في ذات الدورة الحالية بجنيف.
وكل ما يقال عن إزدواجية معايير، لن تُلجم الولايات المتحدة من المضي في سياساتها المتعنتة ضد السودان، وليس من الوارد تغيير هذه السياسة على المدى المنظور.
مطلوب من الحكومة السودانية اتخاذ مواقف أكثر تشددا مع الإدارة الأمريكية خاصة في ملف حقوق الإنسان ؛ وتعلم الإدارة الأمريكية قضية حقوق الإنسان هي القناة الوحيدة التي من خلاها، يمكنها ممارسة الضغط على السودان ، بعد افتقادها لكروت الحركات المسلحة والمعارضة السياسية .
ويتضامن معها حياء الاتحاد الأوروبي، وبمواقف معلنة من بعضها كبلجيكا . والخيار الأوفق للحكومة السودانية من وجهة نظري الخاصة ، أن توعز لرئاسة البعثة الدائمة في جنيف ، ووفدها الحكومي الرسمي بإبداء موقف ممانعة من تمرير أي اتفاف لا يحقق الحد الأدنى من المطلوب وفق خارطة الطريق التي أعلن عنها دكتور مصطفى عثمان إسماعيل ، سفير السودان لدى سويسرا ورئيس البعثة ، والتي شدد فيها على ضرورة التخطيط للخروج من بند الإجراءات الخاصة ضد السودان ،ولو دعا الأمر لعدم التعاطي مع قرارات المجلس في حال صدورها بالتصويت تحت أي بند كان ..
ولا يبدو أن النوايا الحسنة والتعبير عن تعاون بلا حدود مع المنظمة الدولية ، بات مجدياً كثيراً ونحن نلاحظ عدم كسب أي «نقاط» ، عملية تصب في غلة البلاد «الفارغة» من أي كسب واضح للسودان يجنيه من ثمرات الأمم المتحدة وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان بجنيف. فلا برامج بناء القدرات ولا الدعم الفني تحصل عليهما السودان، على مدى ست سنوات حتى الآن، مع التزام السودان بكامل مقررات المجلس ، وقبوله بولاية الخبير المستقل حتى على البند الرابع ، فماذا يخشى السودان ؟ ونعلم أن دولاً مثل كوبا وكوريا الشمالية وإيران وارتريا المستقلة حديثاً لم يستطع مجلس حقوق الإنسان إلزام أي دولة بأي قرار رغم تعيين مقرريين عليها لماذا؟ ..هناك إرادة أمريكية للتعامل مع هذه الدول خارج أطر وآليات الأمم المتحدة ؛ فأعادت علاقتها الطبيعية مع كوبا ، وإيران ، ولم تقطع «عيشة» كوريا الشمالية وـ حتى أرتريا الجارة..
ويرى كثير من المراقبين أن الحفاظ على تقارب السودان من المجموعة الأفريقية تحديداً ، والعمل على تماسكها ككتلة مؤثرة جداً في اتخاذ القرارات بالمجلس، وهي تقف الآن الى جانب السودان وتتبنى رأيه في التداول المباشر، في الحورات التوافقية للمجموعات داخل قبة المجلس.
من خلال مراقبتي لإجراءات التداول التي تجري بعيداً عن قاعات الاجتماعات الرسمية ، غالب الظن أن تعتمد الإدارة الأمريكية إبقاء السودان تحت إجراءات البند العاشر ، وأن تكون ولاية الخبير المستقل وفق البند الرابع ، وتسعى للضغط لزيادة إجراءات الرقابة والتفتيش والتحقق . وهو ما ينبغي على السودان رفضه مستنداً على دعم المجموعة الأفريقية والعربية ، ودول عدم الانحياز وبعض القوى المناوئة للسياسة الأمريكية عموماً في المنطقة .
وعلى البعثة والوفد الحكومي الاستفادة من الأجواء الإيجابية لتقرير السودان في آلية الاستعراض الدوري الشامل والذي أُعتمِد بإجماع الدول الأعضاء ال 47 عدا أمريكا وبلجيكا ، ودعت 13 دولة المجلس لتقديم مساعدات للسودان ، ليتمكن من تنفيذ 180 توصية قبلها ، من أصل 244 توصية ، من UPR .