هو «عمر»

أحرص في كل الزيارات والمناسبات التي تضعني في النطاقات القريبة حضورا ومجلسا بالقرب من الرئيس المشير عمر حسن أحمد البشير رئيس الجمهورية ، أحرص على رصد تفاصيل لمشاهد قلمية ، حبرها وحروفها ، ملاحظات تتكون عندي من طريقة تعامله مع تفاصيل الحدث ، عبر محاولتي سبر احاسيسه وحركاته وسكناته ، ومقياس إندماجه في أبعاد اللوحة المرسومة أمامه ، وقد لاحظت من خلاصة عدة فرص سمحت لي الظروف بان اكون في مدار المشهد ، لاحظت ان رئيس الجمهورية يمتاز عادة بتلك الميزة المتممة لاعراف السودانيبن ، حكام وقادة وهي التواضع ، وعدم الاكتراث كثيرا بالبرتكول مع وجود دائم لحالة من التفاعل العفوي ، والتعليقات التي يرسلها الرئيس على سجية لا تتقيد كثيرا بصرامة الموقع الرئاسي ومرعياته السلطانية فيشيع الرجل حالة من الود الذي يظلل مجلسه فتخرج كثير من المناسبات خالية من مظاهر الارتباك ، والذي ان وقع من رجال المراسم طالهم تلطف الرئيس باشارة تجعل النفوس هادئة.
وعن شهادة وحضور فقد صادفت الرئيس ذات صباح من أيام الجمعة يغشي احد رفاقه الضباط ممن زاملوه في بدايات حياته العسكرية ، كان ذلك بضاحية «ود البخيت» اذ جاء «البشير» كضابط جيش يعود «دفعته» فوصل في عربة عادية وانسل مثل اي زائر الى الصالون الكبير ، الذي كان محتشدا بالضيوف مدنيين وعساكر ، ضباطا عظام وجنودا ممن شهدوا المشاهد مع المضيف الذي كان يتعافي ، اذكر ان «المشير» جلس ولم يأمر احد احدا بالانصراف وتوسط القوم يدير انسا لطيفا علت فيه الضحكات «والمقامات محفوظة» وكنت في زاوية المكان ارقب ولم اتداخل الا بدهشة البساطة وسودانية اولاد البلد التي اتت بالبشير زائرا بلا جلبة ومغادرا بعد ان استعاد ذاكرة الايام من برام الى غرب النوير العسكرية.
ذات المشهد تكرر ذات مساء والرئيس يرافقه الفريق اول عبد الرحيم محمد حسين يقطعان المسافة بين شفق الغروب الى اول مراحل ظلمة المساء في «الجريف» فينزلون الى منزل الشهيد حاج نور ليؤديا واجب العزاء للاسرة في وفاة «عبد الرحيم» نجل الشهيد والذي توفى اثناء سفر للرئيس بالخارج ، والذي عندما عاد ذهب في سكون مؤديا الواجب ، زائرا خفيفا حضر وقام تاركا دهشة الذين لمحوه و«عبد الرحيم» من وراء زجاج غير مظلل يعبر الحي العريق والناس يتجادلون هل هو «عمر» ام انه ضيف بذات الملامح والشبه ، وهو «عمر» بلا شك ، يقوم الي الواجبات الاجتماعية ولم تسقط عنه اشغال القيادة والرئاسة عزائم التواصل والحضور بين مواطنيه في افراحهم واتراحهم.
واما في ولاية غرب دارفور ، دعوني اروي لكم قصته مع العمدة «الضيف» وهو معلم من قدامى اطقم «رقباء» الجيش الذين خرجوا ودربوا «الدفعات» بالكلية الحربية ومنها الدفعة «18 » دفعة الرئيس ، الذي كلما هبط الجنينة ، فان اول ما يفعله ان يطلب تخصيص وقت منه ، مخصوص لمعلمه الرقيب «الضيف» الذي تقدم بالسن وعاد الى اهله في محلية «كرينك» ، وبالطبع ازاء طلب من الرئيس فقد كانت حكومة الولاية تدعو الشيخ المسن والحيرة تحيط بهم فالبشير لا يفسر غرض المقابلة ، ليحضر «الضيف» ويعانق الطالب الحربي القديم ، يسأل الرقيب المتقاعد «يا طالب متذكر جلالة طابور كذا » ؟! يلمع الذعر في وجه قائد المنطقة العسكرية مبتئسا من السؤال ليرد البشير ضاحكا نعم ، ثم يردد مقطعين يكملهما الرقيب «الضيف» الذي نقل لي الواقعة وهو يزهو فخرا على تلال من الدمع.
انه «عمر» الذي حتى اليوم يعرف بهذا الاسم ، واقعا واحتفاء في المجلد والفولة والتبون ، يقول المسيرية هناك هو «ولدنا » وهو عين ما قاله اهل «سبدو» وام القرى في جنوب دارفور وهو ذات ما يشهره اهل «صراصر» في الجزيرة وحوش بانقا ونهر النيل العريض وهو ذات ظن اهل «ميوم» وبانتيو اذ لا يزال الرجل عندهم مرجواً ، هو رفيق «برناتو» و«سيف النصر» وود الشيخ الذي بعد متحرك القادسية لزم العسيلات بشرق النيل.
رئيس من العامة منهم واليهم ، ومثله مثل كل سوداني حر ، يحبه الناس لشخصه قبل سلطته ، ولاجل ذلك لم يك غريبا ان تتفجر الحارات والاحياء بامدرمان يوم أن اعلن اوكامبو مذكرته الممزقة ، يومها قطع الناس طريق العودة على «البشير» من وادي سيدنا الى الخرطوم ، فبرز اليهم يهز ويبشر ، عرفوا سره وعرف سرهم ، ولزم الجميع راية تماسكوا حولها.