خيانة العهود والمواثيق

* تبقى العهود ميثاقاً غليظاً واجب الإلتزام عندما يمهرها الأوفياء الذين لا يزوغون عن عقودهم ، ولا يراوغون أمام نصوص قاطعة ، وعبارات واضحة وهم الذين وافقوا عليها ووقعوها بعد أن تلوها ، وإستوعبوا مضامينها ، وتحملوا مترتباتها ، وعواقبها .
* والذين يقولون بأن الغاية تبرر الوسيلة هم الذين لا يترددون في النكوص عن إلتزام ، أو إقرار أقروا به ، وبالتالي تكون الخيانة ، ويبدو عدم الوفاء هو الذي يميز طبيعة هؤلاء ، ولكنَّ كيد الخائنين كان ضعيفاً .
* فالذي يعقد الخناصر ، ويردد القسم بالإنضمام لجماعة تعمل من أجل ترسيخ المبادئ ، ورعاية القيم  ، وإشاعة الخير بين الناس ، ثم خان هذا العهد لقاء مالٍ قدم له ، أو إغراء سال له لعابه ، فإن أمثال هؤلاء لا يضعون للعقائد قيمة ، ولا للمبادئ قدسية ، ولا للكلمة التي نطقوا بها إحتراماً ، ويالكثرة الذين نكثوا بعهودهم في هذا الزمان ، فتحولت صداقتهم إلى عداوة ، ووجهوا سهامهم نحو إخوة لهم كانوا لعهد قريب يمثلون لهم القلب النابض ، فنحروه دون خجل منهم أو إستحياء .
* ولقد حدثنا التاريخ المعاصر بأن هناك من الثورات التي أكلت بنيها ، وتصادم قادتها ، وسالت الدماء بين أدعيائها ، ذلك لأن الذي جمعهم لم يكن قائماً على عقدة فكرية ، أو أخوة إيمانية ، وإنما هي المصالح فإذا تضاربت إنفصم العقد ، ونقض الغزل ، ولم يبق الطعام أو الشراب الذي كانوا شركاء فيه شفيعاً لهم ، أو عنصراً للذكرى يدعوهم للتصالح ، وحقن الدماء .
* والخيانات في هذا الزمان أصبحت تطال الجماعات ، والدول ، والتنظيمات فكم من جماعة تقطعت أوصالها ، وتشتت شملها بسبب خيانة ، وتمزيق للعهود والمواثيق ، وكم من دول سقطت أعلامها ، وتفرقت قياداتها ، لأن الذين كانوا في مقدمة ركبها لم يكونوا على قلب رجل واحد ، بالرغم من أنك تحسبهم جميعاً ولكن قلوبهم شتى .
* أما التنظيمات السياسية والحركات الإجتماعية ، والمؤسسات والشركات فهي كذلك لم تسلم ، فالتنظيم الذي كان يشار إلى قوته بالبنان فتكت به الخيانات فأصبح ضعيفاً بعد أن عصفت بوحدته المؤامرات ، والحركات الإجتماعية لا يضرها إلا الذين يغمسون أصابعهم بالقطيعة فتسري الفتنة بين القواعد والقيادات فتتفرق الجماعة ، وتصبح شذراً ومذراً .
* أما الشركات والمؤسسات فلا يقودها نحو الإنهيار ، والإفلاس إلا عندما يضربها الفساد ، وتسود في أرجائها الخيانات ، والسرقات ، ولا خير عندئذٍ في عقدٍ للشراكة ، أو نظام أساسي لمؤسسة مادامت الخيانة قد سكنت المقار وسممت الأفكار .