القوة الحقيقية

 * قد يتسلح المرء بمختلف أنواع الأسلحة الفتاكة ، كما يصدق ذلك بالنسبة للمجموعات والدول ، والأحلاف ، فلا تفيد هذه الأسلحة في رد عدوٍ ، أو كسب معركةٍ ، أو الإنتصار لقضيةٍ من القضايا ذلك لأن السلاح وحده لا يحقق الأهداف ، إن لم يكن الذي يملكه مليئاً بالمبادئ ومؤمناً بالقضية التي ينافح من أجلها ، ويجاهد في سبيلها .
* والقوة الحقيقية التي تقهر الصعاب ، وتتفوق على التحديات متغلبة على كل سلاح ، هى قوة العقيدة التي دفعت من يحملها لبذل روحه ، وتقديم تضحياته بالنفس والمال والحرث والنسل .
* ويحدثنا التاريخ ، بأن الماضي كان مليئاً بتحديات جسام ، والحرية لم ينلها أى شعب لأنه قاتل من أجلها في معركة ، لكنه إستمتع بأريجها ، ومارس الرأى الحر مطالباً بها ، فكانت قوة المطالبة هى التي قادت الإستعمار نحو الرحيل ، وحرارة المبادئ هى التي أخافت أولئك الذين لم يسعفهم سلاحهم الماضي ، ولا آلياتهم العسكرية لإخضاع شعب تجذرت فيه معاني البذل ، وتميز بالقدرة على العطاء ، والسخاء .
* وعندما كفرت الشعوب بالشيوعية إستطاعت أن تستقل بإرادتها فيتحول الإتحاد السوفيتي إلى دول صغيرة ، وتفككت الإمبراطورية الشيوعية بالرغم من إمتلاكها للسلاح النووي ، و المصانع الثقيلة ، والقنابل الحارقة ، وغيرها من الوسائل المادية ، التي يقيس البعض بناء عليها درجة القوة ، وهم بذلك يخطئون التقدير والتقييم .
* فالقوة الحقة ، تكمن في الإرادة الصلبة ، والعقيدة الراسخة ، والمبادئ التي تحيط بالعقول والقلوب ، ولنا في أحداث التاريخ عبرة ومنهاج .
* فالإسلام دعوة ، لم تنتشر بقهر مادي ، ولا بسلطة عسكرية ، ولم تكن الحروب التي خاضها المسلمون لإجبار أحد على إعتناق الإسلام لكنها كانت من منطلق الدفاع ، والذود عن الحياض ، وحماية الدين من التغول والإعتداء .
* وحقائق التاريخ تحدثنا بأن ذلك الإنتشار الواسع لدعاة الإسلام بالرغم مما لاقوه من نصب ،وإفتئات ، وظلم ، يعود لطبيعة دعوتهم القائمة على قوة السماحة ، وجلاء الفكرة ، وصفاء نداء الفطرة .
* فالذين حملوا مشاعل الدعوة الإسلامية في جميع فجاج الأرض ومناكبها ، لم يجبروا أحداً ، أو يكرهوا إمرئاً ، وإنما دخل النَّاس في دين الله أفواجاً بحكم قوة الحجة ، ومنطق القوة ، وجاذبية المنهج الذي تجلله السماحة ، والرفق ، بعيداً عن الفظاظة ، والغلظة التي لا تجدي وإن تسلحت بكل أنواع السلاح الفتاك .
* وفي زماننا هذا ، نرى دولاً إستكبر قادتها ، ونلاحظ بأن سلاحاً فتاكاً قد راجت سوقه ، وكثرت تجارته ، وكل ذلك لا أراه قادراً على إثناء أصحاب مبدءٍ ، أو تولي رجالٍ هرباً من مواجهة ، لكنها كلها علامات تدل على أن الحق أبلجٌ ، وأن الباطل لجلجٌ ، مهما كان له من الهيلِ والهيلمانِ .