(سلفاكير) والترحيب بتهويد القدس … البحث عن ملاذ آمن ..

الخرطوم: اسمهان فاروق

على نحو مفاجئ اعلنت حكومة جنوب السودان امس (الاول ) ترحيبها بقرار رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب لاعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووصفت القرار بالـ (صائب).
موقف حكومة جنوب السودان جاء مخالفا للإجماع الدولي الرافض للقرار ،وبدا مستغربا ان تسارع الدولة الوليدة بإرسال رسائل تهنئة الى كل من الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي عبرت فيها عن اشادتها بالخطوة .
تساؤلات عدة طارت تبحث عن اجابات مقنعة عن موقف (جوبا) السابح عكس الاجماع الدولى والذى وان تباينت مفرداته الا انه بدا غير قابل للقرار الامريكى .
الموقف الجنوب سوداني تزامن مع اجتماع مرتقب لدول الايقاد والترويكا (امريكا-بريطانيا- النرويج) الاحد المقبل بالعاصمة الاثيوبية (اديس ابابا) لحسم ملف جنوب السودان سواء عبر الوصول لتوافق فصائل دولة الجنوب على وقف الحرب أم اعمال سيف العقوبات والمحاسبة الدولية وهو الخيار الاكثر تعقيدا بالنسبة للاطراف المتصارعة ،وخاصة رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت الذى يطارده شبح العقوبات ، وهو ما يقود الى توقعات بأن خطوة الرجل ربما تأتى فى سياق البحث عن حليف استراتيجي يعينه على نائبات الموازنات العالمية .

(جوبا) المنهكة
وغير بعيد ما وصلت اليه دولة الجنوب من ازمات داخلية لفتت انظار دول العالم بما فيها امريكا راعية انفصال جنوب السودان 2011 ، والتى لوحت بسيف العقوبات فى وجه حليفها (كير) بسبب ما وصلت اليه الامور من تردى الاوضاع الانسانية هناك ، وهو ربما ما جعل رئيس دولة الجنوب يلجأ لخيار مخالفة المجتمع الدولي مجتهدا فى كسب ود اسرائل وامريكا .
مساعد رئاسي رفيع المستوى لموقع سودان تربيون والذي رفض الكشف عن هويته قال إن «الأوقات الصعبة تكشف معدن الأصدقاء الحقيقيين ولذلك فإن حكومة جنوب السودان، نيابة عن الشعب، أرسلت إلى كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسائل تهنئة بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة اسرائيل، مؤكدا تسلم هذه الرسائل بالفعل». وتابع إن «حالة القدس، موطن لمواقع مقدسة للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، واحدة من أشد العقبات التي تعترض سبيل السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني الدائم.
وكان «ترامب» اعلن الأربعاء الماضي رسميا القدس عاصمة لإسرائيل وطلب بالبدء في إجراء نقل السفارة الأميركية الى القدس. وأدان المجتمع الدولي قراره على الفور حيث قال الفلسطينيون إن واشنطن لم تعد قادرة على التوسط بين إسرائيل والفلسطينيين.
(كير) والبحث عن مخرج
عدد من المحللين والسياسيين من دولة الجنوب عدوا موقف حكومة (جوبا) محاولة منها لكسب تعاطف الحكومة الأميركية وحلفائها والرضا عن مواقفها بشأن طريقة إدارتها الحالية للدولة الوليدة تحت قيادة الرئيس سلفا كير.
قيادى جنوب سودانى فضل عدم ذكر اسمه قال لـ(الصحافة) أمس ان ما قام به سلفاكير امر غير (مسؤول) و محاولة (يائسة) ، واضاف بأن هذه المحاولة المنفردة المخالفة لبقية دول العالم يريد بها كير الخروج من مشاكل الجنوب والبحث عن حلول لمشاكله الاقتصادية والازمة والفوضى التي خلقها بالجنوب.
ومضى القيادى الجنوبي الذى كان يتحدث من (جوبا) الى ان « سلفاكير ليس لديه شرعية ولا يمثل دولة الجنوب حتى يطلق مثل هذه التصريحات ، لاسيما وان القضية الفلسطينية كبيرة ومعقدة ويمكن ان تقود العالم لحرب عالمية ثالثة»، رافضا ما اقدمت عليه حكومة الجنوب ، وقال « لا يمكن لسلفاكير الترحيب بهذه المسألة ومعلوم ان اليهود يريدون الاستيلاء على منطقة الشرق الاوسط «.
الجنوب صنيعة أميركية
ثمة اتفاق على ان الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورا بارزا في نشأة دولة جنوب السودان، لتحتل الدولة الوليدة مكانة مهمة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا، وكانت الولايات المتحدة من أوائل الدول التي اعترفت رسميا بدولة جنوب السودان، وتعهدت بشراكة ثابتة وعلاقة تعاونية، وأصبحت من أكبر الدول التي تقدم مساعدات مالية لجوبا، حيث يقدر الدعم المقدم سنويا بحوالي مليار دولار، وذلك لبناء بلد جديد بعد عقود من الحرب الأهلية.
ولكن كل ذلك انهار باندلاع الحرب الاهلية 2013 بين (كير ) وغريمه د. رياك مشار ، وهو ما يهدد المشروع الامريكي أصبحت دولة بجعل دولة جنوب السودان من الدول الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا، فموقعها الجغرافي، والجيوسياسي، ومواردها الاقتصادية وعلى رأسها النفط يدعم تلك المكانة، حيث يعتبر جنوب السودان منطقة مصالح اقتصادية كبرى بالنسبة لكثير من دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
انقلاب الموازين
حينما برزت أزمة جنوب السودان ظهرت هذه الازمة على قمة الأجندة السياسة للخارجية الأمريكية، وبناء على مطالب جماعات الضغط والمصالح فرضت عقوبات على أطراف الصراع في جنوب السودان باعتبار الصراع تهديدًا لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وبالتبعية تهديدا للأمن القومي الأمريكي، وأعلنت الولايات المتحدة إدانتها ورفضها للصراع السياسي الداخلي، وطالبت بتغيير حقيقي يسمح بمشاركة كافة الأطراف في إدارة وبناء دولة جنوب السودان.
ولكن امريكا نفسها انقلبت على دولة الجنوب حينما اشتدت الحرب الأهلية التي شهدت هجمات وحشية على المدنيين، واعلنت عن تراجع الدعم الذي تقدمه لها خلال زيارة رئيس الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مارك غرين لجوبا في سبتمبر الماضي، وقال غرين «إنه دعا سلفاكير لأن يأخذ على محمل الجد جولة محادثات إقليمية جديدة بشأن السلام ودعاه إلى وقف فوري لإطلاق النار.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز»، ونقل له رسالة صريحة من واشنطن وسط مخاوف بشأن وقوع أعمال وحشية وتفاقم الاضطرابات وانعدام القانون ومعاملة وكالات المساعدات.
(جوبا) و (تل أبيب)
العلاقة بين جوبا وتل ابيب بدأت منذ الوهلة الاولى لقيام دولة الجنوب الوليدة، ففي التاسع من يوليو عام 2011، أعلنت جنوب السودان استقلالها، وفي اليوم التالي 10 يوليو، أعلنت إسرائيل اعترافها بدولة جنوب السودان دولة مستقلة وذات سيادة .وفي 15 من الشهر ذاته، أعلنت جنوب السودان أنها تنوي إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، بما في ذلك فتح سفارة لها هناك، وفي الثامن والعشرين من الشهر ذاته، أعلنت إسرائيل أنها ستقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع جنوب السودان، وتم تعيين، حاييم كورن، الذي يشغل منصب السفير الإسرائيلي بالقاهرة اليوم، سفيرا لبلاده في جوبا.
ويعتبر التعاون العسكرى والأمني، من أهم الملفات في العلاقات الإسرائيلية مع جنوب السودان الذى يري أن التعاون العسكري مع إسرائيل من شأنه أن يحول قواتها المسلحة من مجرد ميليشيات إلى جيش نظامي، يضاهي جيش السودان، أو يتفوق عليه، الأمر الذي من شأنه أن يشكل عامل ردع بالنسبة لشمال السودان من مغبة التحرش أو اتخاذ أي خطوات عدائية تهدد دولة الجنوب.
وفي هذا الإطار قامت إسرائيل بتقديم العون والمساعدة العسكرية لدولة جنوب السودان، وتمثلت هذه المساعدات، حسب وسائل إعلام إسرائيلية ودولية، ومنها موقع دبكا، ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في قيام الجانب الإسرائيلي بإنشاء قاعدة جوية بمنطقة «فلج»، لتستخدم في تدريب الطيارين الجنوبيين على قيادة المقاتلات، وأحدث أساليب القتال الجوي.
العلاقات الاقتصادية
سلفاكير بإعلانه الوقوف مع تل ابيب فى معركة القدس بمثابة رد الجميل بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل التي ظلت الداعم له ليس فقط في المجال العسكري حيث اقترحت اسرائيل على جنوب السودان تقديم مساعدات اقتصادية لها عقب انفصال دولة الجنوب عن السودان.
وفي بداية عام 2012 أعلنت إسرائيل بحث إمكانية الاستثمار المشترك بجنوب السودان في مجالات تطوير البنية التحتية في جنوب البلاد ووسطها، بالإضافة إلى تطوير بحيرة فيكتوريا.
وقالت صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية إن أكبر الشركات الإسرائيلية المشاركة في تنفيذ المشروعات الزراعية وتقديم الاستشارات اللازمة هي شركة «الجنوب الأخضر»، التي يتمركز عملها على تطوير الزراعة في جنوب السودان، لتكون بذلك هذه النشاطات هي المشروعات الأولى التي تمولها الحكومة والمنظمات المعاونة في الجنوب.
العلاقة بين دولة الجنوب واسرائيل ليست وليدة قيام دولة الجنوب في عام 2011 وانما علاقات متجذرة منذ الستينات، خلال الحرب الأهلية السودانية الأولى، حيث ساعدت إسرائيل المتمردين في جنوب السودان آنذاك ، وأمدتهم بالسلاح والعتاد العسكري والتدريب.
وبعد انتهاء الحرب، التقى مسؤولون إسرائيليون رسميون مع نظرائهم من جنوب السودان للاتفاق على بلورة مشروع مساعدة شامل في مجال الزراعة وتطوير البنية التحتية، بمشاركة الخارجية الإسرائيلية، بالإضافة إلى بعض المنظمات غير الحكومية وفي عام 2008، زار بعض ممثلي اللجنة اليهودية الأمريكية، جنوب السودان، وأوصوا حكومة إسرائيل بمجموعة من طرق المساعدات التي ترسخ لاستقلالها.
ان الخطوة ربما يكون لها مردود سالب فى علاقة الرجل بدول الجوار الاقليمى وبالتوجه العالمى و الذى يرى فى نقل تل ابيب الى (القدس) جريمة تخالف الشرعية الدولية .