مستقبل العمل السياسي وآفاق تطوره  (1)

 * إن الناظر لطبيعة العمل السياسي وفعاليته في قيادة الدولة لمصلحة المجتمع يلحظ بأن هناك ربكة طالت التنظيمات السياسية من حيث قواعدها ، وقياداتها ، وكذلك مناهجها التي تقوم عليها مما أحدث إضطراباً و قصوراً إنعكس على النشاطات السياسية ، وعلى الرأي العام بشكل خاص ، بفقدان الثقة وعدم التعويل على أحزابٍ سياسية أصبحت في مهب الريح ، ومنها الذي فقد البوصلة ، والجزء الآخر توزع بين مصلحة شخصية ، وطموحٍ ذاتي ، بعيداً عن الهم الشعبي ، والجماهيري .
* ومستقبل العمل السياسي بالبلاد لا يمكن ضمان إستقامته ، وخلوه من الأوضار ، والأوشاب ، ونزعات الذات ، إلا إذا نشأت أحزاب سياسية محكومة بقانون ينص على هياكلٍ ، ويلزم الذين يؤسسون الحزب بمطلوبات تتصل بالتنظيم ، والوزن الجماهيري ، والنظام الأساس ، والتمويل ، والكوادر ، والفكر الذي تدور حوله أجندة الحزب وقواعده ، بالإضافة إلى اللوائح المحكمة ، وتلك التي توضح المواصفات اللازمة ، والمناهج الواجبة لإختيار القيادات العليا ، والوسيطة ، و الدنيا ، وشروط التدرج في السلم الحزبي ، وكل ذلك لابدَّ أن تضطلع بالإشراف عليه مفوضية يعمل بها خبراء في العمل السياسي ، ويُشهد لهم بالإستقلالية ، والنزاهة ، والقدرة على تطبيق القانون ، دون تحيُّز ، أو محاباة .
* وآفاق تطور العملية السياسية لا يُرجى لها أن تتمدد بناء على أحزاب تنادت بعض الشخصيات لتشكيلها ، ويدفعهم لذلك توجهٌ عنصريٌ بغيضٌ ، أو إتجاهٌ نحو جهةٍ موغلةٍ في الجهوية ، وعدم مبارحة المكان الذي تقطن فيه القبيلة  ، والعشيرة ، وهذه كلها من محبطات العمل السياسي ، والتي تفرمل تطوره ، وتردَّه هكذا إلى الخلف بعجلة متسارعة مما يفسد البيئة السياسية ، ويعرقل لحركة السياسة إنطلاقها ، نحو حكم مستقر ، دعك عن كونه يتطلع نحو الذي نرنو إليه من حكم رشيد .
* ومن المشكلات التي تقف اليوم حائلة ، دون تنقية البيئة السياسية عندما يكون هناك من يشجع نشوء الأحزاب على أسسٍ تجعلها قادرة على الحصول على نسبة في السلطة أو الثروة بموجب لافتات كتبت عليها أسماء أحزاب بمثل ذلك الإستهلاك لمفردات تعج بها ساحتنا السياسية لكثير من الأحزاب التي تفتَّت عن أصل لها ، فأصبح المنقسم عن الأصل يتخذ تسمية جديدة فإذا كان الحزب الأصلي يصف نفسه بالديموقراطية ، إنشق عنه آخر ليصف نفسه بحزب الأحرار ، أو الإصلاح ، أو التجديد ، أو الفدرالي ، أو غير ذلك من الأسماء التي لا تكلف صاحبها ثمناً سوى القدرة على الإبتكار ، وتوليف العبارات التي تعج بها قواميس اللغة ، وغيرها من مؤلفات تخصصت في مثل هاتيك الفنون .
* ولا يفيد على ضوء الراهن السياسي ، وأحزاب الكانتونات ، والطموح الشخصي ، والتركيب الجهوي ، والقبلي ، أن تحدث تحالفات ، أو تُجرى إنتخابات ، أو تتشكل حكومة ، ذلك لأن مثل هذا الصنيع سيكون مضحكةً ، ومسخرةً أمام رأي عام ظل يتفرج كثيراً على هذا النسق الممل ، وغير المقنع ، من السيناريوهات ، والمسرحيات .