متى تنفعل الشعوب مع حكوماتها ؟

422يظل هذا السؤال قائماً ، ولا تتم الإجابة عليه ، إلا عندما تواجه الحكومة أزمة ، أو يعترض سبيل حكمها من لا يود لها النجاح بتنفيذ برامجها ، وإحالة خططها إلى واقع يمشي حياً على الأرض ، فيلمسه النّاس لمساً ، ويحيط بحقيقته القاصي والداني على نحوٍ سواء .
ولدينا تجربة ، ليست أقلًّ من التجربة التي مرَّ بها الرئيس التركي رجب طيب أوردغان ، وذلك عندما هم جزء من الجيش التركي بسلاح طيرانه إسقاط النظام ، فما كان من أوردغان إلا بتوجيه رسالة عبر الإسكايب ، ولم تمر سوى لحظات معدودات ، إلا وكان الإنفعال الجماهيري معه ، وخروج الملايين في الشوارع ، دفاعاً عن نظامٍ لمسوا فيه الصدق والتجرد ، وقطفوا ثماره عياناً بياناً ، فكان الإنفعال والمقاومة في زمنٍ قياسىٍ جعل إرادة الشعب هي القاهرة لأي ظلمٍ ، أو إنقلاب على شرعية تعمقت مفاهيمها في خلد وضمير شعب أبي ومخلصٍ ، لا يرهن إرادته ، أو يبيعها بدراهم معدودات ، أو يخيفه طيرانٌ يقصف بشراسة مهما كان أزيزه ، أو قنابله ، وهنا يظهر الفرق بين الإرادة الغلابة ، والقوة المادية التي لا تفيد إذا إعتصم بها من يريد الإستكبار والطغيان .
أما تجربتنا بالسودان ، فيكفي بشأنها ما حدث في تسعينيات القرن الماضي ، عندما هب الشباب ، والطلاب ، والعلماء ، وأصحاب المهن من مزارعين ، وعمال للدفاع عن الأرض والعرض ، وقدموا أعز ما يملكون من أرواحٍ طاهرة .
وأذكر بأن تلك الأيام شهدت إنفعالاً جماهيرياً يعز عن النظير ، ولم يكن إنفعالا ، مقابل أجر يدفع ، أو مكسب ينال ، ولكن كان التدافع طواعية ، والتبرع الذي شمل حتى أولئك الذين تحسبهم أغنياء من التعفف ، لكنهم لا يسألون النَّاس إلحافا .
وإزاء التجربتين المذكورتين ، وهما تجربتنا الذاتية ، وتجربة الرئيس التركي ، أكاد أجزم بأن الإنفعال الجماهيري لا ياتي بإعلام دعائي ، ولا بحملات كلامية ، ولا بمشاهد مثيرة للإعجاب ، ولكن تسري روح الإنفعال في الأمة ، عندما تكون حكوماتها على درجة من المصداقية عالية ، ويكون قادتها رموزاً للقدوة والتقشف ، ومنهج حكمها قائماً على وضع الموازين القسط ، حيث لا عطية لمن لا يستحق ، ولا منصب إلا لمن يدرك بأنه تكليف ، سيخضع للمحاسبة ، والتقييم ، والتقويم.
ومركبات حدوث الإنفعال الجماهيري مع قيادات الحكم ، عناصرها كثيرة ، قد نجد منها العقدي والفكري ، وقد تتكامل معها جوانب المصداقية والشفافية ، وموجبات الشورى ، والإستماع إلى الآخر ، وإنزال النَّاس منازلهم فيلتقى عند مزج جميع هذه العناصر  وغيرها من عناصر الحاكم مع المحكوم، فلا يختل ميزان القيادة ، ولا تنكفئ الجماهير على نفسها ، ولكن يُدعم قرار الحاكم بطاعة الجماهير ، ويتحول الأمر الصادر من نصوصٍ إلى خضوع وإستجابة ، وهذا هو الحكم الراشد الذي يوسع من دائرة الإنفعال الشعبي ، ويقود نحو وحدة الصف الوطني ، ويقوي الجبهة الداخلية .
وعلينا بموجب ذلك أن نبحث جدياً كيف يتسنى لنا أن نجعل هذا الشعب يتفاعل مع حكومته .