الفيتوري ثائر العروبة والأفريقانية

دكتور الصديق عمر الصديق: الفيتوري كان واعياً بقضايا الزنوجة بدون الاطلاع على كتابات سنغور

الدكتور عايدي محمد جمعة: شعر الفيتوري يتخذ من حركات المتصوفة ورقصاتهم وسيلة للاستبصار الروحي

* ضمن إحتفالاته بإعلان جائزة أفرابيا للثقافة والفنون نظم مجلس الشباب العربي والأفريقي بالتعاون مع بيت الشعر بالخرطوم ندوة كبري بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم علي شرف إختيار شخصية الشاعر الراحل محمد مفتاح الفيتوري شخصية مكرمة لهذه الدورة الثالثة من الجائزة.
تحدث في الندوة الناقد المصري الدكتورعايدي علي جمعة، أستاذ الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والدكتور الصديق عمر الصديق مدير بيت الشعر،كما حضر الندوة اسرة الشاعر الراحل محمد مفتاح الفيتوري ممثلة في ابنه تاج الدين الفيتوري وابنته سولارا الفيتوري،والتي قدمت كلمة قصيرة إنابة عن الأسرة كما قرأت إحدي قصائد والدها،ايضا شهدت الامسية قراءات شعرية من قبل الشعراء أحمد تحسين من الأردن الحائز علي الجائزة الأولي في الشعر، ومحمد عبده السودي من اليمن الحائز علي الجائزة الثانية، ومعتصم الأهمش من السودان الحائز علي الجائزة الثالثة.
* يذكر أن الفيتوري ولد في بلدة «الجنينة» عاصمة جنوب دارفور غرب السودان عام 1930 لأب من رجال التصوف، ثم هاجرت اسرته إلى الإسكندرية حيث نشأ وترعرع.
وأصدر الفيتوري ديوانه الأول «أغاني إفريقيا» عام 1955 وكان ما يزال طالباً بكلية دار العلوم بالقاهرة، لكنه لم يصبرعلى الدراسة فتركها وعمل بالصحافة في جريدة الجمهورية، ثم عاد إلى السودان واشتغل بالعمل الصحفي، لينتقل إلى لبنان ويعمل بالصحافة مجدداً، وسافرلاحقاً إلى ليبيا وحصل على جنسيتها وتولى عدة مناصب دبلوماسية هناك إلى ان رحل قبل عامين بالمملكة المغربية:

قاعة الشارقة -متابعات الملف الثقافي
استهل الدكتورالصديق عمر الصديق حديثه عن الشاعر محمد مفتاح الفيتوري بقوله إن الفيتوري شأنه شان ابو الطيب المتنبئ شغل الناس بشعره وبحياته.
واضاف أن الفيتوري يعتبر من كبار شعراء العالم العربي في العصر الحديث،وانه كان متأثرا بالغربة الشعرية،غربته الداخلية وغربة الترحال، مدللا علي إن الفيتوري بدا مختلفا حينما تغني لأفريقيا عبر دواوينه الثلاثة الأولي: «أغاني افريقيا وعاشق من أفريقيا وأذكريني أفريقيا» وهي قصائد لها جذور في مسيرة وحياته وتكوينه وشخصيته، وشبه ثورة الفيتوري ضد الظلم والإستبداد،بتشابهها مع ثورات ذوي البشرة السوداء من الشعراء في التراث العربي أمثال سحيم وعنترة بن شداد.
واشار الصديق إلى إن ثورة الفيتوري وإنحيازه للسواد ليس من منطلق عنصري بل من منطلقات اخري عميقة،تتمثل في إيمانه بالإنسان الافريقي والظلم الكبير الذي حاق به من قبل المستعمر،مبينا ان ملاحم الفيتوري ضد الإستعمار كانت تؤرخ للبطولة وللذين ثاروا ضد الظلم مثل السلطان تاج الدين وغيرهم.
وأضاف الصديق ان مصطلح الزنوجة الذي ساد في أفريقيا وإتخذه عدد من الشعراء مثل السينغالي سنغور وغيرهم من الكتاب والمبدعين والمفكرين الأفارقة ونظروا له وإنطلقت خطاباتهم الشعرية منه،كان قد وصل له الفيتوري بدون أن يطلع ويقرأ لهؤلاء الكتاب،مما يؤكد عمق تجربته وتفردها وإنشغاله بقضايا أمته الأفريقية منذ وقت مبكر، وإن الفيتوري تحرر شعره من كل قيد خاصة قيود الأستعمار والعبودية.
ثم عرج الصديق إلى النزعة الصوفية في شعر الفيتوري مبينا أنها ليست فقط نزعة السالكين وإنما هي إيضا كانت عميقة،مشيرا إلى إن الشعراء الذين ولجوا للمعني الصوفي قليلون، فقد تجد شاعرا يستلف من القاموس الشعري ويكتب شعره ولكنه ليس سالكا ولا متصوفا،فتجد المفردة الصوفية تطرز شعره،بينما الفيتوري ولج لعمق المعني الصوفي وإنفعل ايضا بقضايا الثورة ضد الظلم والإستبداد وصاغ شعرا بديعا،تجلي في ديوانه «معزوفة الدرويش».
من جهة اخري تناول الناقد المصري الدكتور عايد علي جمعة تجربة الفيتوري وإشار إلى إنه لفتت تجربة الفيتوري الشعرية إنتابهه منذ ان كان طالبا بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة فجعله موضوعا لإطروحته للدكتوراة،التي أصدرها في كتاب «الرؤية والتشكيل في شعر الفيتوري» عن الهيئة المصرية للكتاب، ويعد محمد الفيتوري من أهم الشعراء العرب في العصر الحديث من نواح عدة منها غزارة الإنتاج وتعدد الرؤى الفنية والتجديد الشكلي والإيقاعي، حيث ارتبط شعره بإفريقيا وقضاياها من أجل الحرية والاستقلال، كما وارتبط بالواقع العربي وهمومه.
وأضاف عايدي بإنه ينظر إلى شعر الفيتوري من محورين، الأول: الرؤية التي تتناول تجربة التصوف في شعر الفيتوري حيث يتخذ من حركات المتصوفين ورقصاتهم وسيلة للاستبصارالروحي الذي تتعانق فيه روحه مع الذات الإلهية، كما جعل الذات الإلهية معشوقة له على الطريقة المتصوفة: ويخضر اسمك في شفتي/ كالنقش الفرعوني/ على قبر منسي. وأخذت ظاهرتا الحزن والاغتراب مساحة كبيرة من شعره ونتج عنهما نزعة التأمل في الكون والحياة: دنيا لا يملكها من يملكها/ أغنى أهليها سادتها الفقراء.
والتزم الشاعر بقضايا إفريقيا لتظهر قضية «الزنوجة» واضحة في شعره منذ البداية: إفريقيا/ إفريقيا استيقظي/ استيقظي من حلمك الأسود/ قد طالما نمت ألم تسأمي؟/ ألم تملي قدم السيد؟
واهتم الفيتوري في مرحلة لاحقة بعد البدايات بقضايا الواقع العربي، حيث انتقد الحكام المستبدين الذين كانوا سبباً في هزيمة يونيو 1967، فكتب قصيدة «سقوط دبشليم» التي عرى من خلالها الفساد والتفسخ لدى الطبقة الحاكمة، لكنه أشاد بالزعماء المخلصين فكتب مخاطباً «بن بيلا» ورفاقه الذين كانوا لهيب الثورة الجزائرية: سبع سنين وأياديكم تطرق باب التاريخ/ تبني هرماً للحرية/ تبنيه بعظام الشهداء/ بإرادة مليون ضحية.
أما المحور الثاني فيسلط الضوء على التشكيل واللغة في شعرالفيتوري، فقد وظف الفيتوري القيم الإيحائية والصوتية ليفرغ المدخر في الألفاظ، ويجعلها تشع بإيحاءات لا حدود لها: أصبح الصبح .. أنا خلفك يا صبح الحصاد/ ألف صبح قد نسجناه بأضواء العيون/ أيها القادم محمولاً على سمر الأيادي.
ويشير عايدي إلى أن علاقة الفيتوري بالتراث قوية، حيث وجد رهن تصرفه تراثاً شديد الغنى متنوع المصادر، فأخذ يمتاح من ينابيعه السخية.
ويكتب الفيتوري الشعر العمودي ويجيد فيه، إضافة إلى استيعابه القضايا العصرية حيث لا يقنع بالدوران في الفلك القديم، وينوع في بحوره، إذ يستخدم البحور ذوات التفعيلة الواحدة والبحور المركبة، ولا يكاد يخطيء فيهما.