جدل البحث عن المنطقة الوسطى.صندوق النقد وتعويم «الجنيه».. الاصطدام بأمواج الخبراء

الخرطوم : رجاء كامل

فى تطور لافت ، أوصى صندوق النقد الدولي السودان بضرورة تعويم الجنيه السوداني لخلق الظروف اللازمة لاجتذاب المستثمرين وتعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد.
توصية صندوق النقد الدولي التى خطها تقريره السنوي عن الاقتصاد السوداني أتت بعد إلغاء العقوبات الأميركية عن السودان وفتح الباب أمام « زيادة العائد من الإصلاحات الطموحة».
الدعوة لتعويم الجنيه
وقدم التقرير الذى صدر «الاربعاء» بعد زيارة وفد من صندوق النقد الدولي إلى الخرطوم ، خارطة طريق للانتعاش الاقتصادي بعد انفصال جنوب السودان في يوليو 2011،وقال : «اتفق المديرون على أن توحيد سعر الصرف أمر بالغ الأهمية للقضاء على التشوهات التي تعرقل الاستثمار والنمو.. العديد من المديرين رأوا ضرورة توحيد أسعار الصرف للقضاء على ممارسات العملة المتعددة وتعزيز مصداقية أجندة الاصلاحات التي تقوم بها السلطات».
وكان وزير المالية السوداني محمد عثمان الركابي نفى نية حكومته تعويم الجنيه، مشيرا إلى أن وزارته ستتخذ عددا من الإجراءات لتعزيز سعر الجنيه، مؤكدا أن قيمته ستستقر في المستقبل القريب.
رفض موجهات صندوق النقد
دعوة صندوق النقد الدولى ، تعددت آراء الخبراء حولها ، وتمسك بعضهم بعدم تنفيذ سياسة تحرير سعر الصرف ، ومضى آخرون الى ان توحيد سعر الصرف سيسمح بجذب رؤوس الاموال الاجنبية الى البلاد وتحسين القدرة التنافسية الخارجية للسودان ودعم الصادرات واجتذاب الاستثمارات الاجنبية.
موقف خبراء الاقتصاد يبدو انه لم يكن مقنعا لخبراء صندوق النقد الدولي الذين شددوا على أن النجاح في توحيد أسعار الصرف يتطلب توفر سياسات اقتصادية كلية وهيكلة داعمة ملائمة ، وعطفا على تلك الرؤية تضمن التقرير مقترحات لإصلاح السياسات كخطوة تسبق «تحرير أسعار الصرف بالكامل في مطلع عام 2018».
مقترحات الصندوق البديلة
ومضى صندوق النقد الدولى فى مقترحاته البديلة لتعويم الجنيه بضرورة ، إلغاء دعم الكهرباء والقمح بين عامي 2019 و2021، واشار الى انه ومع ذلك ينبغي أن تصاحب هذه التدابير الصعبة زيادة في الإنفاق الاجتماعي من عام 2018 فصاعدا لتخفيف آلام التكيف من الإصلاحات.
الجنيه مقابل الدولار
وظل الجنيه السوداني يسجل تراجعا أمام الدولار منذ رفع العقوبات الاقتصادية في أكتوبر الماضي . وزاد هذا الاجراء من الطلب على الدولار في السوق الموازى .
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي في تقريره إلى أن الدين الخارجي للسودان وصل إلى 52.4 مليار دولار أو 111% من إجمالي الناتج المحلي في نهاية عام 2016، وبسبب الانخفاض الكبير في أسعار الصرف، ارتفع بنسبة 29.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016.
وطالب صندوق النقد الدولي مرارا بضرورة إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب للاستفادة من تخفيف الديون.
الانتاج هو الحل
الخبير الاقتصادى بروفسور علي عبدالله علي اوضح أن تعويم الجنيه جاء بسبب عدم وجود انتاجية حقيقية، وقال «لا يمكن ان يكون هناك اقتصاد دون إنتاج» واضاف أن الحل يكون في تغيير السياسات الحكومية فى ادارة الاقتصاد، لافتا ان تدهور قيمة الجنيه سيؤدى حتما الى زيادة أسعار جميع السلع ، خصوصاً المستوردة ، وبالاخص الدقيق والمواد البترولية والادوية ، ما يعنى ضغطا على مستوى معيشة المواطنين.
استمرار المخاوف
الى ذلك ، توقع البعض ارتفاع معدل التضخم إلى مستويات عالية قالوا انها قد تؤدي إلى الإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين، وبالتالي التأثير على الاحتياجات الأساسية للعيش .
وأكد المسؤول أن حجم الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي سببه وقف التسهيلات المصرفية الحكومية والبالغة نحو 2.5 ملياري دولار لأسباب عديدة، ذكروا منها العقوبات الاقتصادية على السودان وتراجع تحويلات العاملين في الخارج وانخفاض أسعار الصادرات السودانية في الأسواق العالمية، ومضى الى أن تحرير العملة من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات والنشاطات الاقتصادية المختلفة في الاقتصاد، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار ومعدل التضخم العام والقيمة الشرائية للعملة، ونبهوا الى ان ذلك سيكون له تبعات سلبية على فئات المجتمع المختلفة في البلاد وخصوصًا ذوي الدخول الدنيا ما سيزيد فقرهم أكثر.
جدل اقتصادي
ويذهب الخبير بروف عبدالله الى ان سياسة تحرير الأسعار وتعويمها ليست فقط في العملة بل في كل السلع، يدافع عنها بشراسة منظرو المدرسة النقدية في الاقتصاد «مؤسسها ميلتون فريدمان» والتيار الكلاسيكي الجديد في الاقتصاد، وقال: هؤلاء يزعمون أن تحرير أسعار الصرف والسلع والخدمات وأسعار الفائدة والأجور وغيرها، بتركها للسوق يقوم بتحديد سعرها من دون أي تدخل أو توجيه من قبل الدولة يضمن دائمًا الوصول إلى حالة التوازن في الاقتصاد بحيث يتحدد السعر العادل، والوصول لهذا السعر نابع من اعتقادهم بكفاءة الأسواق وعقلانيتها التي ستوصل الجميع لتحديد هذا السعر ـ بحسب تعبيره.
تحذيرات
وحذر الخبير الاقتصادي د. هيثم فتحي من التسرع والمضي في اتجاه سياسة مصرفية مبنية «على التعويم لاعتبارات موضوعية متعلقة بالمخاطر القاتلة ارتباطا مع البنية الازدواجية لاقتصادنا المتكونة من قطاع عام وآخر خاص وقطاع سلع غير قابلة للتداول وآخر قابل للتداول ولضعف تنافسية صادراتنا وكذا لاعتبارات الجدوى الاقتصادية»
وزاد «القرار الاقتصادي الأفضل لنا أن يتجه كما هو الشأن بالنسبة إلى الدول الآسيوية إلى نموذج تنموي يركز على الإنتاج قبل أن يتجه إلى تعويم سعر صرف الجنيه السودانى» مشيرا الى ان صندوق النقد لا يفصل بشكل مرض لماذا يضخ كل تلك الأموال المكلفة في سوق العملات لتثبيت عملات الدول التى تعوم عملتها وليس مستعدا لضخ الحجم نفسه أو أقل منه من الأموال دعما للانتاج ؟
من الانتاج وبالانتاج
وقطع هيثم أنه من الاجدى التركيز على تقوية الاقتصاد عبر الاستثمار في محددات نموذج تنموي مبني على الإنتاج ، و تقوية الاقتصاد عن طريق زيادة الادخار وتحويله إلى استثمار منتج في القطاعين العام والخاص و الاستثمار في الرأسمال البشري وزيادة والتنوع الإنتاجي وتطوير الصناعة في إطار سياسة صناعية ونشر الحوكمة المؤسساتية والشفافية الجيدة، بجانب تقوية القضاء ومكافحة الفساد المالي والإداري وتنويع العرض التصديري المستدام.
ونادى هيثم برفع نسبة النمو الاقتصادي، وتخفيض نسبة عجز الميزانية والتحكم في التضخم باعتماد إجراءات صارمة ومستمرة وثابتة وليست ظرفية، وخفض الانفاق الحكومي وربط الانفاق بالنتائج.
واكد هيثم ان محاربة الفقر والبطالة تتم عبر تبني سياسات اجتماعية تستهدف الفقراء والطبقة الوسطى لتفادي الاحتجاجات في حالة اندلاع الأزمات. واستطرد: ولأن تلك القضايا ليست من اهتمامات صندوق النقد الدولي،ورهن نجاح تجربة تحرير سعر الصرف بالاعتماد على القدرة التنافسية من حيث الإنتاج والتصدير.
تجربة الهند والصين
وضرب هيثم مثلا من استفادة الصين والهند بنسبة كبيرة من نظام الصرف المرن، بفضل الصادرات المرتفعة وتدني أسعار منتجاتها، ما عزز الإقبال عليها خارجيا ومحليا، وجذبت الاستثمارات الأجنبية، نتيجة انخفاض سعر العملة الهندية والصينية.
وأشار الى ان هناك نوعين من المستوردين القطاع الخاص والقطاع العام. بالنسبة للسلع التي يستوردها القطاع الخاص، نظريا، يجب أن تنخفض أسعارها لأن هذا القطاع يمكنه الآن الحصول على العملة الأجنبية من خلال البنوك، بأسعار تقل عن أسعارها التي كانت متداولة في السوق السوداء.
أما بالنسبة للسلع التي يستوردها القطاع العام، فمن المتوقع أن ترتفع أسعارها لأن القطاع العام كان يحصل على الدولار من البنوك الرسمية بسعر لا يمثل قيمته السوقية الحقيقية
ونوه إلى وجود طريقتين لتحرير سعر الصرف: أحدهما التعويم والثاني الخفض التدريجي ،لافتا الى ان نجاح التجربة مرهون بقدرة البنوك على توفير العملة الأجنبية باستمرار وإلا سيلجأ الأفراد والشركات إلى السوق السوداء مرة أخرى، ونبه الى أن الكثير من الدول تلجأ إلى تخفيض قيمة عملتها لأسباب مختلفة.
اذا ، حالة من التضاد بين دعوة صندوق النقد الدولى وخبراء الاقتصاد ، ففيما يقف الاول فى محطة تحرير سعر صرف الجنيه «تعويمه» ،فضّل خبراء الاقتصاد «ركوب موجة الرفض» انحيازا لضرورة تبنى سياسات اقتصادية لتخفيف اعباء المعيشة عن كاهل المواطنين.