خلي عندك دم

479  إذا إنتعشت حركة الاتجار بالبشر ، فلأن هناك تزايداً في أعداد البشر الذين هم أكثر من الهم على القلب.. ولأن بلادهم لم تعد تأويهم لأنها مشغولة بحروب طاحنة وأولئك البشر هم وقودها والحل الوحيد أمامهم أن يفروا إلى حيث ما يعتقدون إنها ملاذات آمنة. وهنا يدخل المهربون ويقدمون خدمات غير مأمونة العواقب ولكن هناك تجارة من نوع آخر كانت مستمرة لزمن بعيد ووجدت لها مجالاً فسيحاً هذه الأيام. فقد جاء في الأخبار أن عدداً من الأطفال تعرضوا لجماعة مجهولة سحبت منهم دماءهم. والخبر بصياغته تلك لا يوفر معلومات كثيرة يمكن أن نستدل منها على الفاعل وما مقاصده ولكن الذي أعلمه أن هناك تجارة رائجة لبيع الدم في أوربا. إن عملية بيع الدم للمراكز التي تقوم بجمعه في أوروبا إجراء قانوني ومسموح به في أسبانيا وألمانيا ويوافق عليه في جميع دول المجموعة الأوربية . ويتكسب من هذه العملية عدد من الناس هم في حاجة إلى تلك النقود التي يتحصلون عليها بمثل هذه الطريقة لقضاء حوائجهم . فليس عيباً أن يعيش الشخص من دمه بدلاً من عرقه .
هذا الدم الذي يبيعه هؤلاء لتلك المراكز يتم تحليله واستخراج مشتقاته وبيعها لعدد كبير من الأوربيين الذين يعانون من مرض الهيموفيليا وهو مرض وراثي يجعل الدم لا يتجلط في حالة الجروح والخدوش . هذا إذا علمت أن حجم مبيعات بلازما الدم ومشتقاته تصل الى بليون ونصف بليون دولار .
ولكن المجموعة الأوربية كانت قد أصدرت توجيهاً للدول الأعضاء عام 1989، تحثهم فيه على عدم شراء الدم من الأشخاص والاعتماد على المتبرعين فقط وذلك لأن المجموعة قد اكتشفت أن مراكز شراء الدم تقوم باستغلال أولئك الفقراء الذين يأتي معظمهم من تركيا ودول شرق أفريقيا وأمريكا الجنوبية . ولكن هذا لا يمثل السبب الرئيس بالنسبة للمجموعة الأوربية فالسبب الرئيسي يكمن في حقيقية إحصائية أخرى توصلت إليها المجموعة عن طريق ملاحظات باحثيها والذين اكتشفوا أنه في خلال الثلاثين سنة الماضية وفي حالات الأوبئة التي تصيب الدم أو تنقل بواسطته مثل مرض الإيدز « نقص المناعة المكتسبة « ومرض التهاب الكبد الفيروسي فإن نسبة الإصابة عند الفقراء الذين يبيعون دمهم تفوق بكثير الإصابة عند غيرهم .
ولكن الجمعية العامة لمرضي الهيموفيليا والشركات التي تنتج لهم ما يحتاجونه من بلازما تقول إن الضحية الحقيقية لقرار المجموعة الأوربية ليسوا هم الفقراء الذين يبيعون دماءهم ولكنهم الآلاف من المرضي والذين يحتاجون بصورة دائمة للبلازما … وقد جاء في نشرة المعمل المركزي للصليب الأحمر الهولندي إن أوروبا تحتاج الى 3 واربعة أعشار مليون لتر من البلازما سنوياً لتفي بحاجة الذين يحتاجون لها لإنقاذ حياتهم . بينما تحصلت أوروبا على 2 ونصف مليون لتر من البلازما عام 1989 وهذا تم الحصول عليه عن طريق الشراء والتبرع . فالإقصار على التبرع إذن لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يوفر تلك المادة الضرورية لمن يحتاجها .
وينادي أصحاب هذا الرأي بتحريم شراء الدم بأن الهندسة الوراثية يمكن أن تنتج الوحدة الأساسية التي يحتاجه مرضي الهيموفيليا والتي يشيرون لها بالعامل 8 . وبالرغم من تكاليف إنتاجها والتي تعتبر باهظة نوعاً ما فإن مخاطر شراء الدم كبيرة وعلى الفقراء والمساكين أن يحتفظوا بما عندهم من دم داخل أوردتهم وشرايينهم . وإذا كان الأمر كذلك فهل ما نشهده اليوم هو نوع من نشاط قراصنة الدم؟
إن المعامل الحديثة يمكنها ببساطة التعرف على الدم الملوث بل إن بعض الأصوات إرتفعت في الآونة الأخيرة تطالب بالسماح للهجرة لمئات الآلاف من اللاجئين لأنهم يكونون العنصر الأساسي للحصول على ما يحتاجونه من دم. ومصائب قوم عند قوم فوائد…