واقع التشرد: شئ من حتى أنجز فهل من مزيد؟

طرحتها: حنان كشة

بدأت قضية التشرد بالظهور للعيان في العام 1984م اذ كان الحديث عنها يتم باستحياء بعيدا عن الأرقام التي وفرتها دراسة علمية أجرتها وزارة الرعاية الاجتماعية في ذات العام لتبدأ الجهود في محاولة ايجاد حلول جذرية ، ومهما اختلف الناس حول نتائج تلك المجهودات الا أنها تبقى واقعا أنجز شئ من حتى ومازالت الساحة بحاجة للمزيد… لتبرز الورش والسمنارات أن أعدادهم قد تزايدت ما يستدعي اقامة مدن لرعاية تلك الفئة، ويظل الناس يتحدثون بضرورة تكاتف كل الايادي لاجتثاث القضية التي يصفها البعض بالظاهرة من جذورها غير ان الارقام تأبى أن تخبو…
وقفة محورية…
الأرقام لا تكذب وتكشف الواقع بحياد وجلاء ووفقا للمدير التنفيذي لجمعية صباح لرعاية الأطفال المتشردين خلف الله اسماعيل محمد فان القضية متشعبة فيها تقاطعات كثيرة ما بين جهات حكومية ومنظمات مجتمع مدني وطنية وغير وطنية، ومضى ليسرد بداية القضية بقوله انه وبحسب دراسات علمية قامت بها وزارة الرعاية في العام 1984م فان عدد الأطفال المتشردين في ولاية الخرطوم بلغ «16.000» طفل بلغت نسبة الإناث بينهن «0.42%» طفلة ، وبدأت الوزارة على ضوء ذلك بمساعدة عدد من المنظمات بالسعي لايجاد حلول لها بما يتماشى مع الامكانات المتاحة، وفي العام 1990م قامت الوزارة نفسها باجراء دراسة فيما عرف بالمسح الاجتماعي الصحي شمل الأقاليم الشمالية وقتها بهدف احتواء المشكلة، وزاد عدد الأطفال المتشردين وفقا لنتائج الدراسة عن «14.000» طفل متشرد بولاية الخرطوم نسبة الطفلات بينهن «0.25%».
من الواقع..
المجلس القومي لرعاية الطفولة وفقا لمطبوع صادر عنه حوى مخرجات الورشة القومية للتداول حول تدخلات معالجة تشرد الأطفال التي أقيمت يومي الحادي والثلاثين من يناير والأول من فبراير من عام 2015م تصدى لمشكلة الأطفال المتشردين بناء على توصية اجتماع المجلس في دورة انعقاده الرابعة التي أقيمت في التاسع والعشرين من مايو من العام 2011م ، وهدف المشروع الى توفير الحماية والرعاية والتأهيل الاجتماعي والنفسي والمهني للأطفال المتشردين بما يضمن اعادتهم الى أسرهم وارجاعهم الى المجتمع، واستند المشروع كذلك على الاستراتيجية القومية لمعالجة مشكلة تشرد الأطفال التي تم اصدارها في العام 2003م والسياسة القومية لمعالجة مشكلة تشرد الأطفال التي صدرت في العام 2009م، كما تبنى المجلس رؤية استراتيجية واضحة المعالم لحل مشكلة تشرد الأطفال وعمالتهم على المستوى القومي بالتنسيق مع المستوى الولائي بجانب ادراج المشكلة في الخطة الخمسية الأولى لرعاية الأطفال التي تم تنفيذها خلال الفترة من 2007م حتى العام 2011م وادراجها كذلك في الخطة الخمسية الثانية الممتدة بين عامي 20012 حتى العام 2016م وتم ادراج المشكلة في خطة عمل سودان جدير بالأطفال 2009م وضمنت في السياسة الوطنية لمناهضة العنف ضد الأطفال وتنفيذ التقصي الأسري ولم الشمل للأطفال المنفصلين في العام 2011م.
ومضت مجهودات المجلس القومي باتجاه توفير الحماية للأطفال المتشردين باصداره قانون الطفل لسنة 2010م الذي استهدف توفيق التشريع الوطني مع أحكام ومبادئ اتفاقية حقوق الطفل ، ونص القانون على أن تكون حماية الطفل ومصالحه الفضلى في جميع القرارات والاجراءات المتعلقة بالطفولة وبالطبع بينهم فئة الأطفال المتشردين، ووفقا لخبراء في مجال الطفولة مثل قانون 2010م خطوة كبيرة للأمام للمتشردين فيما يتعلق بحماية حقوق الأطفال المتشردين ، واستشهد أولئك بنص المادة «23» منه على : «لا يعتبر تشرد الأطفال جريمة يعاقب عليها القانون » وبذلك سجل ايجابية بتغيير النظرة الدونية للأطفال المتشردين والمتمخضة عن أنهم مخالفون للقانون وأنهم يشكلون تهديدا للنظام الاجتماعي.
نظرة تفصيلية…
ولاية جنوب كردفان نفذت مشروعا تحت مسمى معالجة ظاهرة تشرد الأطفال وكان العدد المستهدف «411» طفلا بسوق كادوقلي وكانت الآليات المستخدمة التتبع الأسري في فترة ثلاثة أشهر كتجربة أولى وهدف المشروع الى دمج الأطفال المتشردين في أسرهم، التعرف على الأسباب والعوامل المؤدية لتشرد الأطفال، التقليل من ظاهرة تشرد الأطفال والعمل على تجفيف منابع التشرد وكانت الانطلاقة في العام 2007م والذي اعتبر عام اساس وبدأ فيه تدريب الباحثين الاجتماعيين والنفسيين الذين سيعملون بالمشروع وكانت النتائج التي تم تحقيقها وفقا للأمين العام لمجلس رعاية الطفولة بولاية جنوب كردفان أن تم دمج «315» طفلا من الأطفال المتشردين بأسرهم وتقديم خدمات للمجتمعات التي يقيم فيها أولئك الأطفال واستقرار السكان بالمناطق التي أعيد اليها الأطفال المتشردون ومعرفة الحجم الحقيقي للظاهرة بالولاية مع احكام التنسيق بين الجهات ذات الصلة وكانت التوصيات التي دونها المجلس تتمثل في ضرورة الاهتمام بالأطفال المتشردين في الأعمار دون العاشرة وأن تكون الأولوية في الدعم الاجتماعي للأسر التي تعولها نساء لاسناد الأطفال المنفصلين والمتشردين والذين هم في عرضة للتشرد وقاية لهم.
تشخيص أسباب..
الأمين العام لمجلس رعاية الطفولة بولاية جنوب دارفور نجاة محمد آدم قالت ان الأسباب الرئيسية وراء انتشار ظاهرة تشرد الأطفال بولايتها تكمن في الحروب والنزاعات المسلحة التي شهدتها الولاية بجانب طبيعتها ومضت لتشير للمجهودات التي تم بذلت من الجهات المسئولة للتقليل من الظاهرة بالتنسيق الجيد مع الجهات ذات الصلة، وبينها الجمعية الأفريقية لرعاية الأمومة والطفولة والرعاية الاجتماعية ومنظمة تنمية الاطفال اليافعين. وذكرت أن آخر مسح أجري بالولاية صنف الأطفال المتشردين من حيث النوع الى نسبة 88% ذكور و12% إناث وعلّقت بأن 8% من جملتهم متسولين، واضافت أنه تم تدريب مائة منهم في اطار برنامج اعادة تأهيل الأطفال المتشردين بالتدريب المهني بواسطة جامعة نيالا بدعم من منظمة اليونيسيف بتكلفة بلغت 350 ألف دولار.
الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة بولاية النيل الأزرق كشفت أنه وفقا للمسح الذي أجري بالولاية بداية العام 2011م فان عدد الأطفال المتشردين يصل الى «479»طفلا في وضع الشارع، وزادت أن المجلس قام بالتنسيق مع وزارة الرعاية الاجتماعية ووزارة الصحة ووحدة حماية الأسرة والطفل بالتقصي عن أحوال الأطفال المتشردين باستهداف «160» طفلا متشردا بالتعرف على أحوالهم الصحية والممارسات الخطرة وسطهم ، وقالت ان مجهودات الولاية في التصدي لمشكلة الأطفال المتشردين تتلخص في مرحلتين شملت الأولى منها اجراء المسح الأولي الذي حدد مناطق تواجد الأطفال المتشردين وتمركز وجودهم في السوق الشعبي، الملجة، نادي الربيع، الاستاد، موقف الروصيرص، في مدينة الدمازين وتم خلال المرحلة حصر «114» طفلا متشردا.
وتمثلت المرحلة الثانية في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي وتقديم البرامج والأنشطة الرياضية والنفسية والتوعية بالايدز والأمراض الفتاكة، وتم تقسيم الأطفال المتشردين الى مجموعتين اولى للبنات شملت «35» تراوحت أعمارهن ما بين العاشرة والسادسة عشرة، فيما شملت المجموعة الثانية البنين الذين بلغ عددهم «79»طفلا متشردا وتمكن المشروع حسب الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة من تدريب عدد من الباحثين الاجتماعيين على كيفية تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال في وضع الشارع بالاضافة لتدريب عدد من الاعلاميين في كيفية تصميم رسائل تصب في خانة التوعية بكيفية التعامل الامثل مع الفئة لكن عدم توفر الاعتمادات المالية لم يمكن من مواصلة التدريب.
مقارنة دراستين..
الخبير الوطني في قضية التشرد الممبي محمد صالح أجرى مقارنة لآخر دراستين تم اجراؤهما بولاية الخرطوم تناولت القضية، واشار الى اختلاف في الأرقام التي وردت فيهما حيث أكدت الأخيرة انخفاض أعداد الأطفال المتشردين مما يتنافى مع ما أوردته الأولى وعزا ذلك الى أسباب عديدة أبرزها تضارب واختلاف مفاهيم وتعريف الأطفال المتشردين وتعريف التشرد نفسه حسبما جاء في القوانين، استعانة عدد من الحركات المسلحة بعدد من الأطفال المتشردين في النزاعات المسلحة مما أدى الى تقليل عددهم وان كانت لا توجد احصائيات دقيقة حسب قول الخبير الوطني، وأضاف أن الارهاب النفسي شكّل أحد الأسباب التي أدت الى قلة أعداد الأطفال المتشردين وعدّ الممبي محمد صالح أن انفصال جنوب السودان هو السبب الأبرز في تقليل عدد الأطفال المتشردين وقال انهم كانوا يمثلون نسبة 27% من العدد الكلي، وزاد أن التعدين الأهلي أحد أسباب قلة الأطفال المتشردين لكنه يرى بالرغم من ذلك أن قضية الأطفال المتشردين تبقى مشكلة ماثلة في وجه الواقع لابد أن تجد الحل ، ولفت الى وجود أعداد منهم مصابة بمرض الأيدز وهناك عدد آخر مصاب بأمراض ومشاكل نفسية وقال ان الدور الأكبر في معالجة المرضى من الأطفال المتشردين يقع على عاتق وزارة الصحة فيما يقع  تقليل ظاهرة التشرد وليس القضاء عليها نهائيا على عاتق الأخصائيين الاجتماعيين لأنها من الظواهر الاجتماعية التي لا يمكن القضاء عليها حسب تقديره.
مدير عام وزارة التنمية الاجتماعية محمد محمد صالح مدني قال ان وزارته تقوم بانجاز مجموعة من المهام التي تصب في خانة تحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها ، وبين ذلك درء المشكلات الاجتماعية عن مجتمع ولاية الخرطوم ، ووضع الحلول الناجعة لمعالجتها أو الحد منها على أقل تقدير والوقاية منها باتجاه آخر ، لكن لفت الى أن وزارة التنمية الاجتماعية تواجه صعوبات وصفها بالجمة في اطار تنفيذ عملها وتنزيله للواقع مما يحتم عليها ضرورة التنسيق مع الجهات الأخرى ذات الصلة، وبذلك تدور في فلك كبير من المعاناة لكونها وزارة ولائية الموارد تقوم بمهام اتحادية، ووفقا لقوله فان مشكلة التشرد هي المشكلة الاجتماعية الأولى بالولاية، وقال انه سبق وتمت معالجات سابقة للتشرد بالولاية للمتشردين بواسطة النظام العام واللجنة العليا بترحيل الأطفال