مراجعــات ومتابعــات

423(1)
في زمن قديم سعيت إلى تسجيل صور وذكريات من مدينة عطبرة عايشتها شخصيا معايشة حقيقية خلال فترة زمينة محدودة لا تتجاوز اثني عشر عاما، وهي الفترة التي امتدت من سن السابعة تقريبا، حيث تنامى عندي بعض الوعي بالحياة العامة من حولي، وصولا إلى سن التاسعة عشر تقريباً حين غادرت المدينة. ولم يكن من اغراضي، ولم أزعم قط، أنني أقوم اجمالاً أو تخصيصاً بتوثيق مراحل الحياة الاجتماعية والثقافية لعاصمة الحديد والنار. ربما يكون مثل هذا التوضيح لازماً في مواجهة عدد مهول من الرسائل الالكترونية أغرق بريدي بعدها!
يذكر بعض القراء الاكارم من أبناء عطبرة العزيزة، أنني تجاوزت عن رموز كبيرة كان لها السهم الاوفى في تنمية المجتمع العطبراوي ودفعه ثقافيا وفنيا. ثم يذكر بعضهم الآخر، ويا للعجب، أنه قد اختلط علىّ أمر الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم، رئيس التحرير السابق لصحيفة «السوداني»، والأمين العام الأسبق للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، والذي اشتهر في سنوات دراسته الثانوية والجامعية باسم «أب زرد»، والذي كنت قد تطرقت إلى دوره في تنمية الحركة المسرحية بعطبرة، إذ لا يمكن بزعمهم قط للاستاذ عبد الرحمن إبراهيم، أن يكون رائداً من رواد الحركة المسرحية في عطبرة او في غيرها، بأية حال من الاحوال، كما ذكرت أنا ضمن مقالي.
(2)
ومنطق هؤلاء يقوم على رواية وجدتها متطابقة في أغلب الرسائل فحواها أن الاستاذ عبد الرحمن ابراهيم «أب زرد» كان عند انتقاله للدراسة في جامعة الخرطوم من أعدى أعداء المسرح والفنون بصفة عامة. يقول المتشككون في الجانب الذي اوردته ضمن مقالي عن الرجل إن النشاطات الفنية والمسرحية في جامعة الخرطوم تم ايقافها في نهاية حقبة الستينات خوفاً من إرهاب «اب زرد» وممارساته القمعية، وبسبب العنف الذي شنه هو وجماعته من الاخوان المسلمين المتشددين على عدد من الاعمال الفنية التي شهدها مسرح الجامعة، وقد كان من مؤدى ذلك العنف مقتل أحد طلاب الجامعة وإصابة أعداد أخرى. ويذكر هؤلاء أن مسرح جامعة الخرطوم شهد في العام 1969 عرضاً للفنون الشعبية السودانية شارك في أداء فقراته الطلاب والطالبات، وأثناء ذلك العرض وعند قيام إحدى الطالبات بأداء رقصة سودانية هتف «اب زرد» بصوت جهوري موجها حديثه إلى الفتاة « يا فاجرة «، ثم حمل كرسياً وقذف به إلى قلب المسرح فأصاب عددا من المؤدين، ثم تبعه بعض رفقته من الاخوان المسلمين فقذفوا وضربوا واصابوا وقتلوا في مشهد هستيري لا مثيل له، ما زال طلاب ذلك الزمان يذكرونه.
ثم تضيف الرسائل أن رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في ذلك الوقت، (الدكتور) خالد المبارك اتخذ قراراً عبر لجنته التنفيذيه يقضي بايقاف جميع العروض المسرحية والفنية على مسرح الجامعة تلافياً للاتجاهات العنفية العدائية التي كان «أب زرد» فارسها ورأس الرمح فيها. ثم كتب أحد القراء ذكر أنه من خريجي جامعة الخرطوم في العام 1971 معقباً:( بئس عطبرة إذن، وبئس نهضتها المسرحية، إن كان روادها هم عبد الرحمن «أب زرد» وامثاله»، من الذين ارتبط تاريخهم في جامعة الخرطوم بالسيخ والحديد، والعبارة المأثورة: «أدخل بيك الجنة»).
(3)
وقد أدهشتني هذه الروايات عن الاستاذ عبد الرحمن ابراهيم «أب زرد» أيما دهشة، لا سيما وانها جاءتني متواترة، وشبه متطابقة، من لدن العديد من القراء، كما سبقت الاشارة.  ولكن ما ذنبي أنا، وما ذنب عطبرة في كل هذا اللغط؟! فمهما يكن من شئ فإن ما عرضت له في كتاباتي لا يتطرق اليه شك. وإنما عمدت إلى تسجيل وقائع ثابتة لا جدال حولها، ما يزال صداها يرن في اذني. والذي نفسي بيده لقد شهدت «أب زرد» هذا يحرض الطلاب ويدفعهم باتجاه الابداع المسرحي، ويأخذ بأياديهم فيدربهم ويشرف على المسرحيات ويخرجها، وقد عاصرت عطبرة وهي تقوم وتقعد مع مسرحياته، التي كانت عروضها تقام على خشبات مسارح المدارس. ثم ماذا اقول بعد هذا؟!
ربما كان الاستاذ عبد الرحمن «اب زرد» يؤمن برسالة المسرح وبدور الفنون في اثراء الحياة العامة عندما كان يأتينا في عطبرة، ولكنه كان كلما أولى مدينتنا ظهره متجهاً الى الخرطوم وجامعتها ركبه عفريت فاستحال شخصاً آخر. والاقرب الى تصوري انه ربما كان مؤمناً برسالةٍ للمسرح مقصورة على الذكور، وقد كان البنين يقومون بأداء الادوار النسائية في جميع المسرحيات التي أشرف عليها (اب زرد) في عطبرة، وأظن أن ذلك كان هو الحال في جميع أنحاء السودان، فلما ذهب صاحبنا إلى جامعة الخرطوم ورأى الطالبات يصعدن إلى المسارح  ويرقصن التبست عليه الامور وتبدلت عقيدته. العلم عند الله وعند استاذنا عبد الرحمن ابراهيم!
(4)
هذا وقد ذكر العديد من القراء العطبراويين المخضرمين الذين بعثوا الىّ برسائلهم اسم الاستاذ ابراهيم ملاسي، مدير المدرسة الثانوية الحكومية، باعتبار انه الرمز الذي شهدت المدينة نهضتها المسرحية الحقيقية على يديه. كما ورد في بعض الرسائل ذكر الاستاذ محمد عبد المجيد طلسم، الذي جعل المسرح واحداً من اهتماماته الاساسية وأحال المدرسة الثانوية إلى مؤسسة اجتماعية وثقافية فاعلة في المجتمع، وكذلك خلفه الأستاذ عبد الرحمن عبدالله، الذي تم في عهده بناء مسرح المدرسة. وعلى حساب التكرار اقول انني لم اغفل سيرة أي من هؤلاء الرجال، ولا غيرهم، انكارا لفضلهم السابغ او جحودا لأدوارهم المتميزة، بل لسبب هين ويسير، وهو ان الوعى بالناس والاشياء تشكل عندى، كما سبق واشرت، في مرحلة لاحقة للمرحلة الزمنية التي برزت خلالها هذه الشخصيات الفذة ذات العطاء المقدر، التي جرى التنويه بأسمائها وأفضالها.
الصادق المهدي وأبناء عمه
في الجزء الثالث من استعراضي وتعقيبي على كتاب الاستاذ شوقي ملاسى (أوراق سودانية) الذي نشرته على صفحات هذه الصحيفة قبل فترة قصيرة وردت الاشارة الى شخصية المغفور له السيد/ بشرى حامد عضو الجمعية التأسيسية خلال حقبة الديمقراطية الثانية، وذكرت أنه هو النائب الذى تنازل عن مقعده للسيد الصادق المهدى عند بلوغ الاخير السن القانونية فى العام 1966. والمعلومة صحيحة بلا شك. ولكن هالني العدد الكبير من الرسائل التي تلقيتها من قراءٍ أفاضل يزعمون أن معلوماتي  «مضروبة»، وأن النائب الذي تنازل عن مقعده للسيد الصادق المهدي هو خاله السيد/عبدالله عثمان جاد الله  وليس السيد/ بشرى حامد.
وقد حيرتني هذه المزاعم التي تواترت على ألسنة وأقلام عدد مقدر من القراء وهم يوردونها ويجبهونني بها بثقة متناهية. وهي ثقة بددتها جهيزة التي قطعت قول كل خطيب، فقد تفضل الصديق المهندس حامد بشرى حامد، المقيم بكندا، هو نجل البرلماني الراحل السيد بشرى حامد بالقاء بعض الضوء على ملابسات تنازل والده عن الدائرة والمقعد البرلماني للسيد الصادق المهدي، وذلك من خلال رسالة مطولة انقل منها هذه الفقرة:
( بخصوص الجانب من مقالك الذي تطرقت فيه لقصة تنازل الوالد السيد بشرى حامد عن مقعده للسيد الصادق المهدي، وعلى الرغم من أن الحدث مضى عليه أكثر من أربعة عقود، إلا أنه ما زالت تصاحبه بعض الأخطاء في كل مرة فيها يتم التعرض اليه عند طرح تاريخ زعامة السيد الصادق المهدي على بساط البحث. والدي بشرى السيد حامد السيد حامد بن السيد عبدالله كان مرشحاً لحزب الامة في الانتخابات النيابية عام 1965 في الدائرة 62 كوستي الجنوبية، وقد فاز بتلك الدائرة  بعد حصوله على 10203 صوتاً من مجموع المسجلين البالغ عددهم 12702، وفق ما جاء في كتاب «الانتخابات البرلمانية في السودان» للدكتور أحمد إبراهيم ابوشوك والدكتور الفاتح عبد السلام. وقد كان ترتيبه الثالث على مستوى القطر من حيث عدد الأصوات التى نالها. وجده لأبيه، السيد حامد، هو شقيق الامام محمد أحمد المهدي وقد استشهد في واقعة قدير الثانية عام 1882، كما استشهد اخويه محمد وعبدالله  في حصار الابيض عام 1883.
أما فيما يتعلق بالتنازل عن المقعد البرلماني للسيد الصادق، فقد كنت شاهد عيان على الاتفاق الذي جرى بين الوالد وممثلي السيد الصادق، وهما العم العزيز محمد الحلو موسى، الذي كان يشغل وقتها منصب وزير شئون الرئاسة، والعم العزيز عبد الرحمن النور، الذي كان يشغل موقعاً قيادياً في حزب الامة، طيب الله ثراهما. وقد كان العم عبد الرحمن النور وقتها من أكثر المساندين والداعمين لتولي السيد الصادق لرئاسة حزب الامة ورئاسة الوزراء. غير انني لا أرى لنفسي حقاً أدبياً في الخوض في تفصيلات الاتفاق وصيغة التنازل التي ارتضاها الوالد وتخلى بمقتضاها عن مقعده لابن اخيه. كما انني لست المتحدث باسم أشقائي أبناء السيد بشرى ومنهم من يكبرني سناً. ولا اعتقد أنه من حُسن الأدب أن أسرد ما لم يتم الاتفاق على سرده بين أفراد الأسرة، لا سيما وأن التفصيل في هذه القضية يمس سيرة الامام الصادق المهدي. غير انه بامكاني أن اقول لك أن اتفاقية التنازل هذه ستجد طريقها إلى النشر إن شاء الله في المستقبل).
وكنت قد ذكرت في مقالي على سبيل المفاكهة انني استغرب اختيار الصديق المهندس حامد بشرى، ذو النسب المهدوي العريق، عضوية الحزب الشيوعي بدلاً عن حزب الامة وكيان الانصار الذي ينحدر من ارومته. وقد عقب المهندس حامد بالآتى:(أنا لم أهجر تراث الانصارية فهي في الاصل دعوة اصلاحية وثورة اجتماعية تدعو الى المساواة والعدل والاشتراكية. هي ثورة ضد الظلم والاستعمار والاستغلال، وهي في هذا تسير جنباً الى جنب مع برنامج الحزب الشيوعي السوداني حول العدالة الاجتماعية والسعي لتطبيق الفكر الماركسي على واقع المجتمع السوداني. وقد قرأت مؤخرا، وإن لم اتحقق بعد، أن هناك بعض الرسائل التي شرع انجلز في كتابتها الى الامام المهدي عندما سمع بثورته. وإن صح هذا فانما يدل على سمة التشابه في الافكار بين ما طرحه انجلز والامام المهدي. ثم أنك اليوم تجد اطروحات الثورة المهدية وبرامجها في كثير من اطروحات وبرامج الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية. فلا غرابة إذن أن تجد أحفاد وحفيدات الامام المهدي وقد انخرطوا في تلك الكيانات).