كيجـــــــالي … دعوا الشيطان ينام!

20-07-2016-05-4

m-hamidكانت القمة الـــ«27» للاتحاد الافريقي بالعاصمة الرواندية كيجالي حدثا سياسيا وجمعاً لاطياف من الوقائع والتفاصيل وحراك الكواليس كما كانت سانحة لاختبار تجربة اسمها النهوض من الارض لمعانقة السلام والتنمية لبلد تستحق حكايته ان تروى، لم تكن محض رحلة عمل للتغطية، كانت رحلة بحث بين مقامات التاريخ والسير وعظات الاعتبار واشراقات التبصر، و«الصحافة» اذ توثق لا تقدم رصدا وانما تقدم خيوطا من الحراك ونسيجا من الارتباطات لكامل مشهد يتداخل فيه السياسي مع الاجتماعي التاريخي بالراهن الماثل ، كانت ايام كيجالي ساحة للسبق والعرض الصحفي ، ومناسبة للشهود والمعاصرة وعراكاً بين الممكن والمستحيل وسرداً بعيدا» من الارشادات والتوجيه وقريبا من البيان والتفسير ، كونوا معنا مع حلقات بألسن الرواة والوثائق وصور الحروف الناطقة.

«1»
20-07-2016-05-6والطائرة تلامس اطاراتها ارض المدرج الصغير في العاصمة الرواندية كيجالي ، وجريا على العادة تشبثت بمقعدى ، جرت مقامات وعيي ببعض الادعية ، همهمت بها اذ كل حين هبوط احس ان القدر يهم ، دفنت رأسي في اغماضة هلعة والجزع يردني ليقين المؤمنين ، جاري الرواندي الذي من سمت زيه وتقاطيع وجهه رمقني بشيء من التعجب قبل ان يخاطبنى بلغة محلية لم افهمها ، اكتفيت منها بابتسامة شاحبة مفادها انى بخير هو بعض قلق يلازمنى في مثل هذه اللحظات ، ليوقن معها انى لست روانديا قياسا على ظلال العجمة التى استطالت فوقنا ! حينما استقرت الطائرة وتنفست الصعداء مد يده يصافحنى ومددت يدى لاقول حمدا لله على السلامة ، قال لى من اين انت قلت السودان ، صمت لبرهة كأنما ينبش اضابير ادراج ذاكرته ليقول لي بعد صمت راعني «سلفاكير» ولا اخفي انى جفلت وتملكنى غضب صارم ندت اثاره على وجهي لاقول NO واضيف مكملا النفي باجابة تأكيد مغايرة ..البشير ليصيح WOW معقبا ..الشمال ، قلت نعم ، سرح قليلا ليستفسر انت مسلم ، سكت لحين تخف صدمة ارتطام احد المتعجلين بالنزول بي فقلت نعم مد يده مرة مصافحا ليقول لي قومك في محنة رواندا كانوا مسلمين حقا استجار بهم الكلمى والفارون من دموية الفاجعة ، كانوا لنا الامن والامان ، عرفت انه يشير باقتضاب لما جري بتلك البلاد في العام 1994 من مقاتل ودماء سالت ، تصافحنا خارجين ، هبطنا علي ارضية المطار ، مطار صغير بالكاد يتسع للطائرات الكبيرة ، حيز المساحة البسيط وربما هو التقليد الاول من نوعه يجعل الركاب يسيرون راجلين الي منافذ الخروج وواجهات الاجراءات الهجرية ، تلفت التقط بعينى صقر ملامح واجهة المدينة كان هناك جبل يربض كثيف الادغال ، بدا مثل لحية شيخ من السيخ ، اخضر الشعر ، كان الجبل يمتد في شكل حدوة حصان ، لاحقا شعرت انه مثل القرص يدور حول المدينة فحيثما وجهت نظرك كان هو هناك يرمقك في سكون ، مضيت لداخل الصالة ، بعد ان اهدرت دقائق في تأمل اشكال الطائرات الرابضة علي المدرج كانت هناك بعض طائرات الخطوط الجوية الرواندية ، علاها لون ازرق سماوي انتظم وقاره بعد وهج اشعاع شمس وضع في زاوية الاجنحة ، ووشي بعبارة «حلم افريقيا» ، وضح لي ان لهم اسطولا قليل الحشد لكنه نشط ، شكل الطائرات الصغيرة ذات المراوح. دلنى هذا الي ان خطوط طيرانهم محصورة في نطاق جوارهم من مدائن الاقليم ، نيروبي وكمبالا واديس ابابا ، حينما دلفنا للداخل تعاظمت دهشتي كان المطار ومقاره صغير بشكل لافت لكن غاية النظام والترتيب ، الحضور الامني المكثف لا ينكر وهو مفهوم قياسا على ترتيبات القمة السابعة والعشروين التى كانت تنتظرها المدينة ، ورغما عن هذا كان الوجود الامنى ناعم الحضور ، كان جليا ان هناك نظاما لكل شيء، لا يرتفع صوت محاججة او اعتراض كانت الانجليزية عندهم عسيرة ، وكما لحظت لاحقا فانها تنطق مغلفة بغطاء فرنسي ولفرنسا قصة سنعرض لها بألسن الروانديين انفسهم ، فرنسا صارت بلداً مكروهاً في «كيجالي» وربما من المفارقات ان خسارتها لبطولة الامم الاوربية لصالح البرتغال كانت موسما للفرح عند الروانديين رغم انهم كما قال لي بعضهم لا يحبون كرة القدم!
«2»
20-07-2016-05-7مدينة التلال ….
حينما استقبلنا طرقات المدينة غشيتنا الدهشة والصدمة في آن مشترك ، وعلى غير ما توقعت ان يجد المرء انقاض حروب وثارات كانت المدينة كأنها ساحة لتصوير مشهد جميل في مدينة حالمة ، كل متر في الانحاء نحت على مصفوفة من الجمال وحتى تضاريس المكان المكونة من تلال تربة حمراء وجروف ووديان رسم مساراتها الصخر كان كل المكان عبارة عن مشهد لفنون النحت والجداريات ، امتدت الطرق المرصوفة بعناية وكفاءة غير منكورة تمشي وتتعرج ولا تتشقق ، مقامات الصخر شقت لتكون عليها منافذ لاصص الزهور ، وهذا ترافق مع نظافة لافتة ، نظافة يبدو انها صارت مسلكا متفقا عليه حتى انك لا تجد صناديق حفظ القمامة لانه لا توجد اوساخ اصلا ! الطقس الاستوائي الذى يجعل الامطار فى رواندا لعشرة اشهر، وفترة الجفاف والصيف شهران فقط هى اغسطس وسبتمبر وللمفارقة والحكمة الالهية فانها فترة ذروة الامطار فى مهابط النيل الاخرى بينما تكون احد منابعه فترة جفاف ، كثافة الامطار وقياسا على شكل البناء والتشييد الهندسى للمدينة ومساكن المواطنين كان يفترض انها تجعل منها زبونا دائما ومقيما مع كوارث السيول والفيضانات ولكن هذا لا يحدث لان خارطة التصريف تكاملت مع نظام دقيق وبسيط للمصارف التى لا تتجاوز مسارات مرصوفة ومنحوتة على الصخر والطرقات بشكل لا يبدو حتى مكلفا مقارنة بحجم المصارف الموجودة عندنا وضخامة امتداداتها وكونها مفتوحة مائدة لكل حزين ! كان طريقنا من المطار الى حي «كييفو» وهو الحى الذي يقطنه الرئيس هناك مليئا بالمشاهد والتى اهمها ظاهرة ان وسيلة النقل المحلية هي الدراجات و«المواتر» وذلك حسب ما فهمت لاسباب تتعلق بيسر اسعارها وكونها عملية وفاعلة في مدينة اغلب سكانها يحرصون على هذا النوع من وسائل التنقل ، غالب السائقين شباب دون الثلاثين تلزمهم السلطات بارتداء الخوذات ـ والراكب كذلك ـ وغير مسموح باكثر من راكب.
الحديث عن القبائل ممنوع!
فرويت ، مرافقي وصديقي ومرشدي للمدينة وهو طالب يدرس بكلية الاقتصاد ، يقود في الامسيات سيارة تاكسي يخصصها للزوار الاجانب ، حكى لي انه فقد والديه في احداث المجازر التي شهدتها رواندا ، بدا كمن يستعيد لحظات عصيبة وهو يشير لي بان تلك الايام ولت ، قال انه تعلم خاصية التسامح ، يتعايش الآن مع حاضره وينظر لمستقبله، قال ان بلاده وعقب محنة تلك الاحداث تعلمت درسا كلفته كانت باهظة لكنه درس وعيه الجميع ويقول ـ والحديث لفرويت ـ ان الحديث عن القبائل او الاشارة لها في معرض انس او ثرثرة عابرة وبالقانون فان عقوبته السجن ، الجميع الآن روانديون ، وفرويت جزء من ظاهرة غريبة في رواندا ، ظاهرة انها بلد شاب ، قد لا اكون مبالغا ان قلت انها بلد ربما لا يوجد به شخص عمره ستون عاما ، لاربعة ايام لم اصادف في الطرقات مسنا الا ان كان من ضيوف القمة الافريقية او الاوربيون الذين ينتشرون في المدينة حيث تنقلهم شركات سياحة محلية للغابات لمشاهدة الحياة البرية والتخييم ، الحياة تمضى يقول فرويت ويضيف دع الشيطان ينام ، قائلا ان العبارة مقتبسة من فيلم وثائقى حقق فى محنة بلاد الروانديين
السودانيون… ستة عشر رجلا
20-07-2016-05-8تمتاز كيجالي باستقرار لافت في خدمات الكهرباء وان كانت باهظة الفواتير وكذلك عموم الاسعار ، وحينما استفسرت عن سعر انبوبة الغاز هالنى ما سمعت ، اذ تكاد تبلغ ما يعادل بقيمة الجنيه السودانى الثمانمائة جنيه مما سيجعل اي جهود لمستثمرين سودانيين في هذا المجال مضمونة النجاح وعموما ورغم الطفرة الهائلة العمرانية والتطور المذهل في البنية التحتية والشكل الحداثي للبلد فانه ومثل غالب الدول الافريقية بما في ذلك السودان فان معاناة السكان المحليين ظاهرة اذ يبلغ سعر الصرف 700 فرنك للدولار الواحد وهو امر متوقع قياسا على حالة نهوض بلد من كبوة مثل تلك التى تعرضت لها رواندا ورغما عن هذا فقد دبر الناس احوالهم باعتماد وسلوك اظن انه فيه كثير من الولاء الوطنى تجاه منطلقات الاستهلاك بالاعتماد علي الوجبات والانماط الغذائية المحلية التى قوامها الارز والموز الذي يطبخ باكثر من طريقة الي جانب البافرا والبطاطس ومع هذا فان الشارع العام قمة في الاناقة والوسامة ومحاولة الانسجام مع الواقع الجديد الذي لفت نظرى فيه ان الوجود الاجنبي يخضع لاجراءات صارمة لا تسمح اطلاقا بوجود غير مقنن من اي جنسية ولا تهاون في هذا او مجاملة، كان محزنا لي ومحبطا ان كثيرا من الروانديين معلوماتهم شحيحة عن «السودان» اذ يوجد خلط دائم ومستمر بين السودانيين لصالح السودان الجنوبي وعلمت ان الوجود السوداني لا يتجاوز الستة عشر شخصا اغلبهم موظفون في منظمات برواندا ، وقد كانت القمة الافريقية ـ كما سنفصل لاحقا ـ سانحة لاحداث حراك يتطلب التعضيد وبحث فرص آليات التواصل وتعريف السودان بحليف من الواضح انه يمضي الى الامام وبخطى بلد يرغب في حيازة مقعد كبير وفاعل بين منظومة دول القارة هذا مع الاشارة الى انه وبالمقابل فان للسودان حضورا وجدانيا وكبيرا بين كتلة المسلمين الروانديين من خلال معهد الهداية الذي وحده له قصة تحكى لانها مزيج من الود والايسار والسبق بالخيرات.

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

six + 2 =