محاربة «الاستفراق»

تلعب سياسة «إثارة النَّعرة القبليَّة» في الشمال التي وضعتها بريطانيا ، نفس الدور الإنفصالي الذي تلعبه سياسة «محاربة الإستعراب». حيث تعرقل «النَّعرة القبليَّة» في الشمال التقارب الشمالي – الجنوبي . تعرقل «الإستفراق» ، نسبة إلى أفريقيا. حيث صنعت سياسة «النَّعرة القبلية » البريطانية «مناطق مقفولة» داخل الوجدان السوداني . أصبحت عبارة عن «جدار عازل» غير مرئي يعرقل توحيد السودانيين. تفكيك سياسة «المناطق المقفولة» في «الجغرافيا» و «الوجدان» ، هي الحل لبناء الوحدة الوطنية الراسخة الحقيقية. تفكيك «المناطق المقفولة وجدانيَّاً وجغرافياً» شرط لبناء «الأمة السودانية» و «الشعب الواحد» و «الوطن الواحد». وقد لعبت «الجغرافيا» المدرسية التي وضعها البريطانيون دوراً في تلك الإعاقة . حيث لاتوجد في تلك «الجغرافيا» زيارة إلى «صديقنا» في «النيل الأزرق» أو «دارفور» أو «جبال النوبة» .أيضاً تكشف إفادات الحركة الوطنية السودانية أن مساومة تاريخية قد تمَّت بين بريطانيا ومصر . حيث ساومت بريطانيا مصر على أن تتخلَّى بريطانيا عن شمال السودان «منح الإستقلال»، في مقابل ضمّ الجنوب إلى الأملاك البريطانية الأفريقية. تلك «مساومة تاريخية» كبرى، لم تخرج أسرار تفاصيلها إلى العلن بعد.هل يمكن في ذلك السياق وضع احتلال حلايب وشلاتين والتحرشات العسكرية المصرية اليوم في سواحل البحر الأحمر السودانيَّة. ولتعزيز الفصل بين الجنوب والشمال أرسلت «حكومة السودان الإنجليزية» الإرساليات التبشيرية وأغدقت عليها الأموال، وأوكلت إليها أمر التعليم .قال مدير المعارف«وزير التربية والتعليم» مستر «روزفير»: «من العبث الفصل بين التعليم والدين . ولما كانت المسيحية أصلح لأهالي الجنوب من الإسلام فإنه ينبغي أن تكون اللغة الإنجليزية هي لغة التعليم في الجنوب . كما يتحتم إرسال الطلاب الأذكياء من الجنوبيين إلى مدارس وكليات يوغندا حيث ترسخ عقيدتهم المسيحية». لكن برغم كلّ مافعلته بريطانيا في جنوب السودان فقد أظهرت إحصائيات «إيكونومست إنتلجنس يونِت» عن الأديان في جنوب السودان أن الأغلبية العددية من الجنوبيين وثنيُّون يليهم المسلمون ثم يليهم المسيحيون. المسلمون أكثر من المسيحيين في الجنوب. لكن اتفاقية أديس أبابا 1972م همشتهم كما همشتهم اتفاقية نيفاشا. فصارت كل مناهج التعليم بالإنجليزية. حيث اعتبرت وحدها اللغة الرسمية في الجنوب. حتى «التلغرافات» كانت لا تقبل في الجنوب إلا إذا كانت باللغة الإنجليزية. وألغيت المحاكم الشرعية التي كانت في الجنوب عام 1924م وكان عددها عشراً. فاصبح على المسلم الذي يريد الزواج أو الطلاق أن يذهب أمام «المفتش الإنجليزي» تتمّ له المراسيم والإجراءات . تلك السياسة للفصل بين الجنوب والشمال كبداية لتقسيم السودان إلى دويلات انفصالية ،هي سياسة بريطانية تستند إلى خطة مرسومة بعناية وإصرار على تنفيذها ، لتقود السودان تدريجياً إلى «حقبة الدويلات السودانية الإنفصالية»، تسندها في ذلك اللوائح والأوامر الصادرة تحت قانون الجوازات والرخص لعام 1922م تحت عنوان «أمر المناطق المقفولة» الذي لم يقتصر على الجنوب وحده ، كما هو متداول ، بل شمل جهات سودانية كثيرة أخرى، حيثما يعيش سودانيون على الفطرة أو قريباً منذ ذلك . وبمقتضى قانون «المناطق المقفولة» يُحرَّم على كلّ السودانيين الإتجار في «المناطق المقفولة» إلا بإذن خاص. كما تضمن «قانون المناطق المقفولة» ما هو أسوأ.حيث أجاز للسُّلطة الإدارية إخراج أى سوداني من «تلك المناطق» دون أن تثبت عليه جريمة ضد القانون، وبدون أن يعرض على محكمة رسمية. «قانون المناطق المقفولة» يكشف كم كانت سياسة بريطانيا في السودان فاسدة في أصولها . هدَّامة في مقاصدها. وإنَّ آثارها إلى اليوم تتفاقم و تترى. لكن ما هو الحجم الحقيقي لـ«المناطق المقفولة».وكيف أصبح السودان «جمهورية المناطق المقفولة»؟.
*نواصل