سباحــــــــة حـــــــرة في نهـــر عطبـــرة «12»

صرفتنى صوارف الحياة عن مباشرة رغبتى القديمة المتجددة فى الوقوف المتأنى على المصادر العلمية التى تتناول بالتعليل والتحليل منشأ اهتمامات الافراد لدى بزوغ المؤشرات الاولى لقدراتهم المعرفية فى مراحل حيواتهم الباكرة. ولذا فإننى لا اعرف على وجه التحقيق أسبابا بعينها  تفسر طبيعة اهتماماتى عند بدايات تنامى الوعى لدىَّ فى المرحلة الدراسية المتوسطة، وهى فى جملتها مما يخالف اهتمامات الصبيان فى ذلك المدى العمرى.
اهتم اقرانى – مثلا – بالرياضة والفرق الرياضية، فهم بين مشجع للهلال ومشجع للمريخ، يستظهرون عن ظهر قلب اسماء اللاعبين ومراكزهم داخل الملاعب، ويلهجون فى فورات حماس منقطع النظير عن المباريات ومجرياتها ونتائجها. وكنت أنا، بطبيعة الحال، اعرف أسماء الأعلام من اللاعبين الذين قد يرقى الجهل بهم مرقى الجهالة المطلقة ونقصان العقل، تماما مثل الجهل بسورة الفاتحة. فقد قرر بعض الفقهاء أن (الفاتحة ميزان العقل)، يريدون ان قياس العقل يبدأ بسورة الفاتحة من القرآن الكريم، فمن عجز عن حفظ سورة الفاتحة وتلاوتها – ولم يكن صاحب إعاقة – قامت الشبهة على نقصان عقله.ولكن عقلى الرياضى كان على شئ من العافية فقد كنت أعرف أسماءَ مثل جكسا، واعرف انه نجم الهلال، وماجد واعرف انه نجم المريخ، ولكن لا شئ بعد ذلك.
فى مقابل ولع الآخرين بالرياضة كان لى – وانا اغادر مروج الطفولة الى مرابع الصبا الباكر- ولع عجيب بالسيارات. فكنت احفظ عن ظهر قلب جميع أنواع السيارات وطرازاتها وماركاتها وخصائصها وطبيعة محركاتها والبلدان التى تصنع فيها على مستوى العالم. كما كنت احتفظ بكثير من المجلات والمطبوعات التى توفر ذلك الصنف من المواد. ويخيل الى – والله تعالى اعلم – ان ما كنت اجمعه واحتفظ به ضمن اوراقى من معلومات كان يفوق ما يعرفه كثير من الكبار ممن امتلكوا تلك السيارات فعلا وتهادوا بها فى طرقات عطبرة.
وقد لا يصدقنى أحد اذا زعمت بأننى على اكمل استعداد فى يومى هذا، وبعد كل هذه العقود والحقب المتتالية، لأن ابسط امامك – اعزك الله – وبدقة لا تشوبها شائبة بيانات دقيقة ومحددة عن نوع ولون ومنشأ السيارات الخاصة التى كان يقودها اى واحد من كبار موظفى السكة الحديد او الاطباء او التجار فى المدينة عهد ذاك، فضلا عن تلك المركبات الحكومية التى كان يستخدمها كبار المسؤولين. اسألنى عن عاشور، تاجر الجلود الأشهر فى سوق عطبرة فاقول لك ان سيارته الفخيمة اللامعة التى تسلب الالباب كانت المانية الصنع وماركتها ( تاونس) ولونها اصفر. وغالبية السيارات الالمانية فى عطبرة كانت اما (تاونس) او (اوبل) او (فلوكسواغن)، والاخيرة كان منها نوعان، الاولى وهى صغيرة الحجم وتسمى محليا باسم ( القعونجة)، او (بيتل) ومعناها باللغة الانجليزية: خنفساء (سيرد ذكر هذه القعونجة او الخنفساء فى حلقة قادمة عندما اتطرق الى لقائى بالخرطوم فى تلك السن الباكرة، بصحبة خالى الصحافى المرحوم فؤاد عباس، بالزعيم الشيوعى عبد الخالق محجوب، فقد رأيت الرمز الشيوعى الاسطورى بعد اللقاء يتجه الى سيارة فلوكسواغن قعونجة ويقودها، وقد ظللت بعدها ولوقت طويل اتعجب لذلك الامر اذ بدا لى ان من هم فى شهرة الرجل ونفوذه السياسى اولى بقيادة سيارات ذات مستوى افضل، فعبدالخالق لا يقل بأى حال عن تاجر الجلود عاشور صاحب التاونس الفخيمة). ومهما يكن فإن هذا النوع من سيارات البيتل ما زال يملأ مدن العالم محتفظا بمعالمه الاساسية دون تغيير يذكر، اما الثانية فهى كبيرة الحجم وتستخدم كبصات لنقل الركاب، وكانت تسعة اعشار بصات المدينة من ذلك النوع، وحمولتها عشرة ركاب ثمانية، يجلسون فى صفين متقابلين واثنان الى جوار السائق.
واسألنى – أعزك الله – عن اول سيارة مرسيدس دخلت عطبرة فأقول لك على الفور انها سيارة المرسيدس الزرقاء التى احضرها فى بداية السبعينات كبير المهندسين الميكانيكيين بمصلحة السكة الحديد عبد العزيز قاسم راسخ. وقد دأبت على التوقف بدراجتى، غدوا ورواحا، امام المرآب الخاص بمصلحة الهندسة الميكانيكية لأتأمل وأمتع ناظرى بمرأى تلك المحبوبة الاولى (نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى/ ما الحب الا للحبيب الاول). وعندما ظهر فيلم ايف مونتان الشهير ( زد )، الذى احتفى به اليسار فى العالم كله، وتم عرضه بدار سينما عطبرة الوطنية لمدة اربعة ايام متتالية (بناء على رغبة الجماهير)، لاحظت فى اول ليالى العرض ان احد شخصيات الفيلم يقود سيارة مرسيدس من موديل متقدم لم يكن قد ظهر فى السودان بعد، وقد حرصت على الدخول لمشاهدة نفس الفيلم فى الايام الثلاثة اللاحقة لتكرار مشاهدة تلك السيارة وانعام النظر فيها.
اسألنى فأقول لك الاسماء واحدا واحدا، وسيارات المدينة وماركاتها واحدة واحدة: (كونسول) و(كورتينا) و(زيفير فور) و(هلمان ستين) و(فوكسهول) و(همبر) و(هنتر) البريطانية، و(ميركرى) و(فورد ثندربيرد) الامريكيتين، و(بيجو) الفرنسية، و(فيات) الايطالية. واكاد – لو شئت – اذكر لك بالتحديد التاريخ الذى بدأت فيه السيارت روسية الصنع تدخل الى عطبرة للمرة الاولى، وكانت تلك سيارات جميلة ورائعة، قبل ان تتدهور صناعة السيارات الروسية وتتقهقر وتنتهى الى ما انتهت اليه من سيارات (لادا) سيئة السمعة، التى استوردتها فى زمن مضى بكميات كبيرة نقابة الاطباء وفرقتها على بعض اعضائها، ولكن اغانى البنات حكمت على تلك السيارة الروسية بأنها سيارة الاطباء الفاشلين ( عربية اللادا / دكتور لا عيادة لا شهادة ). جاءت الى عطبرة السيارة الروسية الصغيرة واسمها (موسكوفيتش)، ثم الكبيرة ويطلق عليها (فولقا). سيارتا فولقا فقط وجدتا طريقهما الى المدينة، واحدة يملكها محمد الحسن عثمان عبيد الله، الموظف القيادى بمصلحة الحسابات والذى تولى لاحقا منصب مدير عام السكة الحديد، وقد اقتناها من «الشركة» بالخرطوم جديدة «لنج». والثانية كانت سيارة تاكسى اظن انه جئ بها مستعملة من مدينة اخرى. وكنت بالطبع، وكما أسلفت، احتفظ بصحف ومجلات ومطبوعات لا حصر لها تحمل معلومات دعائية واسعة عن السيارات وانواعها وطبيعة محركاتها ومزاياها ووكلاء بيعها، ليس فى السودان وحسب، بل وعلى نطاق الدول العربية ايضا. فإذا اردت انت تعرف من هو وكيل سيارات فورد فى الكويت مثلاً، فالاجابة عندى حاضرة: انه يعقوب صالح البهبهانى، والمصدر هو مجلة (العربى) الشهرية.
اكثر ما نغص على حياتى اننى لم اجد صديقا او زميلا واحدا فى مرحلتى الدراسية تلك يشاركنى ذلك النوع العجيب من الاهتمام، بل ان كل من عرف ذلك عنى من لداتى كان يصفنى بأوصاف تسخر مني ومن هوايتي العجيبة تلك. كما ابدى والدى انزعاجا شديدا من تعلقى الغريب بالسيارات وبذل جهده لتسخيف هذا الهيام وتوجيهى للاهتمام بمواد الدراسة. وكاد هذا الأمر ان يسبب لى عقدة نفسية مستحكمة، اذ شُبه لى ان حالتى تشكل ظاهرة مرضية. لولا اننى عرفت فى مرحلة لاحقة من عمرى ان عالم السيارت عالم مفتوح مثله مثل العوالم الاخرى وان هناك كثيرين فى نطاق الكون العريض يجدون فى متابعته هواية ممتعة ومنتجة، وأن المقتدرين – عالميا- من اصحاب هذا النوع من الاهتمام يبتنون جراجات واسعة للاحتفاظ بالسيارات التى يقتنونها، مثل الامير الوليد بن طلال الذى يمتلك اجمل اسطول للسيارات الخاصة، كما يحتكم على افضل اسطبل للخيول الاصيلة فى العالم.
والغريب ان واحدا من عشاق السيارات هؤلاء كان ليونيد بريجينيف رئيس مجلس السوفيت الاعلى (بالاتحاد السوفيتى السابق). وبرغم تعاطفى معه، كوننا تشاركنا ذات الاهتمام والهواية، فإننى لم افهم قط كيف ان شيوعيا فى موقع قيادى مثله يمكن ان يبذل امواله لاقتناء السيارات والاستمتاع بها، خاصة اذا علمنا ان اغلب السيارات التى امتلأ بها مرآبه الخاص كانت مصنوعة فى غرب اوربا والولايات المتحدة وفقا للصور والمعلومات التى بين يدى. وكنت قد قرأت فى صحيفة ( السودان الجديد)، التى ترأس تحريرها فضل بشير، مادة جاء فيها ان السيد الصادق المهدى مغرم بالسيارات، وانه يقود سياراته بنفسه فى شارع النيل ليلا بغرض التأمل والمتعة. وقد قمت من فورى بقطع تلك المادة واضفتها الى اوراقى.