الإرهاب … معضلات التعريف والمواجهة (6)

461ارتبط الغلو العنيف برؤية سلفية جهادية لها منظورها المخالف لرؤية الجماعات السلفية المعلومة فى المنطقة ، وإن إشتركت معها في بعض المفاهيم . كما أرتبط برؤية جهادية ثورية تشابه رؤى الجماعات الجهادية الإخوانية والمجموعات الثورية ذات التوجه الشمولي في دعوتها للتغيير الإجتماعي والسياسي. ورؤية مجموعات الغلو العنيف للسلفية رؤية ماضوية ترى أن صحة مرئيات السلف تنبع من زمانها لا من حجتها ولا مناسبتها لمعالجة النوازل والمشكلات المعاصرة . وهي ترى أن مذهب السلف مذهب لا تأريخي ، بمعنى أنه صالح لكل زمان مهما اختلفت الأوضاع أو تغيرت الأحوال، وإلى جانب هذا التقديس غير النقدي هنالك نظرة استخفافية بكل فقه جديد أو رؤى معاصرة لكيفية معالجة معضلات الحياة المعاصرة استهداء بالأصول والمناهج والمباديء الإسلامية. فالمعاصرة التي يسمونها «بالعصرانية» سُبة من وجهة نظرهم و»العقلانية» التي هي التبصر في واقع الحال وملاءمته مع التوجيهات الإسلامية هي أيضاً سُبة وكلاهما العصرانية والعقلانية دلالة لديهم على عدم صدق تدين القائل بهما إن لم يكن نفاقه وموالاته لأهل الكفر والضلال.

التوحيد والجهاد
وقطبا الدعوة السلفية الجهادية هما التوحيد والجهاد . ولأهل الغلو من هذه الجماعات تفسيرها الخاص للتوحيد وللجهاد. فالتوحيد يُنظر إليه من باب المخالفات لا من باب التمثلات . فالأولى والأرجح لديهم هو مخالفة طرائق أهل الجحيم من الكفار وتجنب كل ما يشبه تلكم الطرائق لا موافقة أهل النعيم والتشبه بفلاحهم. فالأنتهاء عن شبهات الشرك من مثل تعظيم لما سوى الله سبحان وتعالى والتوسل إليه بغيره هو أولى الأولويات. وذلك فقد أحيت الجماعات الجديدة الرؤية المتشددة للأخوان من اتباع محمد بن عبدالوهاب بإزاء المخالفات الشركية من تعظيم للقبور والقباب أو التوسل بالصالحين والأولياء أو التقرب أو التزلف لغير أهل الإيمان. ولاشك أن الكفر بمظاهر الطاغوت هو الخطوة الأولى من خطى الايمان ، ولكن كونها الخطوة الأولى لا يعني أنها الخطوة الأهم . فالأصل هو التحقق بالايمان لأن نفي الكفر بغير تحقق الايمان هو باب من أبواب الكفر. ونفي الشرك دون التمثل والتحقق بمرئيات الايمان هو أيضاً باب من أبواب الشرك. فالايمان هو الأصل، لأن مراد الله سبحانه وتعالى من الخلق وهو الارتقاء بهم إلى الاخلاق الربانية . ولن يتحقق ذلك لهم إلا بالتعرف والتحقق بأخلاق الايمان . ولن يكفي مطلقاً التبرؤ من اخلاق الكفر والجحود فحسب . فالرؤية التوحيدية لجماعات الغلو رؤية سلبية منشغلة بالآخر ، تتحدد مواقفها بمواقفه ، وترهن خطاها بخطواته . ولذلك لا عجب أن تحتل ثقافة التكفير هذا الموقع المهم في تفكير هذه الجماعات . فالكفر الذي هو كفر الآخرين هو الشاغل الأكبر ، وليس الايمان الذي هو إيمانها . وعندما يأتي الأمر للايمان فالجانب السلبي الذي هو الكفر بالطاغوت هو الأهم لديهم، وليس الايمان العملي بالله رب العالمين بالاهتداء بهديه والتمثل بمطلوباته ومراداته. ومما يؤسف له أن هذه الجماعات هي الأكثر اهتماماً بالكتابة في باب التوحيد ، مما يجعل رؤيتها هي الرائجة ، بينما يسكت جمهور العلماء من أهل الاعتدال الفكري عن شرح وتوضيح فكرة التوحيد التي هي جوهر العقيدة الإسلامية .
الإيمان هو الأصل :
التوحيد هو أن نؤمن بالله وحده ولا أحد سواه وأنه هو الحق وأنه مصدر ومرجع للخير والجمال والجلال. ولذلك فإن جوهر الحياة هو رحلة عرفان وطلب لله سبحانه وتعالى «يأيها الانسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه» وهي لقيا عرفان بالتعرف على الله سبحانه وتعالى بما عرف به نفسه ،والتقرب إليه بتحقيق مراده منا ،لأن مراده منا هو لأجلنا لا من أجله سبحانه ، فهو الغني عن كل ما سواه ولو اجتمع الخلق جميعهم على مخالفة إمره والكفر به ما نقص ذلك من ملكه من شيء . والكفر هو مخالفة سبيل الحق الذي هو صراط الله المستقيم . ومخالفة مرادات الله من خلقه التي بها سعادتهم في الدارين . ولذلك فإن الأصل هو الايمان وإما الكفر فهو الضلال عن طريق الايمان . وهذه الرؤية الايمانية للتوحيد هي التي ستجعل الكفر أمراً ثانوياً جانبياً ، ويصبح التكفير قضية ثانوية أيضاَ . فالتحقق بالايمان إنما هو في جوهره ارتقاء بالإنسان ليكون ربانياً في أخلاقه رحيماً كريماً عادلاً رؤوفاً حليماً ، لأن الديانة ما جاءت إلا رحمةً للعالمين ، رحمة للإنسان ، ورحمة الإنسان لبني جنسه وسائر المخلوقات الأخرى . وعندما يصبح الايمان هو مركز الوجود وتصبح الرحمة هي جوهر الايمان فحينئذ يتبدد التشدد والغلو . وتحل الرحمة والرأفة محلهما ،رحمة عامة بالعالمين لا رحمة بالمسلمين وحدهم . ولذلك لا يصبح الكفر حاجزاً بين المسلم والكافر بل الدعوة بالتي هي أحسن هي الصلة وهى خطاب المؤمن للكافر وهي ليست دعوة باللسان فحسب بل باللسان وبالأسوة الحسنة والسلوك الكريم. أما الكافر المحارب فيُحارب لأنه محارب لا لأنه كافر . والكافر المعتدي نعتدي عليه كما أعتدى علينا والله لا يحب المعتدين . وأما أولئك المسالمون من غير أهل الإيمان فأصل العلاقة معهم هي البر والقسط «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» . فالله يحب المقسطين ولا يحب المعتدين ، ولئن كان الكفر يمثل إعتداء في حد ذاته فهو اعتداء في حق الله سبحانه وتعالى . وقد شاءت مشيئته سبحانه في حق الكافرين الارجاء والامهال لعلهم يرجعون . فلا يحق لأحد أن يعتدي على كافر لمجرد الكفر وقد أمهله الله سبحانه وتعالى ، بل وأمرنا بإمهاله « وإن إحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه» يقول الطبري إنما ُشرع أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتُنشر دعوة الله في عباده. وكيف يُرجى لدعوة الإسلام ان تنتشر ان كان حكم الكافر ان يقتل لكفره لا لعدوانه وحرابته . وتستشهد جماعات الغلو بآيات مقيدة بأحداث معينة وأهل شرك معلومون هم مشركو العرب الذين تربطهم أواصر النسب بكثير من المسلمين حتى يكاد البعض يواليهم على حساب ولاء الاسلام ، وعندما يستشهد أهل الغلو العنيف بأية سورة براءة «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واحصروهم وأقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم» . أو آية «يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة» فكأنهم لم يقرأوا «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» . يقول صاحب التفسير : وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال، لأنه أباح الكف عمن كف فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافرين عن قتال المسلمين ومن كفار أهل الكتاب.
وقد صارت عقيدة البراءة من الكفر التي بلورها الإمام ابن تيمية فيما أسماه الولاء والبراء أصبحت عقيدة لبعض أهل الغلو والتشدد . فكأنها أصل من أصول الايمان وعلا مقدارها عندهم أكثر من مقدار وجوبية الدعوة لله التي هي ثلث الايمان. فكيف تجانب الكافر المُسالم وتحاربه ثم تزعم أنك تستجيب لنداء الله « ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن» . وهل ينفتح أصلاً باب للجدل إذا سبقه في الانفتاح باب الكراهية والاقتتال . ان سكوت جمهور العلماء عند مجادلة أهل الغلو في ما يسمونه عقيدة الولاء والبراء هو واحد من اسباب تعاظم ارتباك الشباب وبخاصة وهم يرون في كل يوم الظلم والتحامل الذي يقع على المسلمين. وقد اتسعت نزعة المجابنة والمحاربة لغير المؤمنين لتشمل بعضاً من أهل الايمان الذين توسع أهل الغلو والتشدد في تكفيرهم بسبب الآراء الاجتهادية . فبعد أن أحال هؤلاء كل رأي اجتهادي للسلف إلى أمر قطعى وجعلوا كل من ناقش ذلك الرأي أو ناقضه فاسقاً أو منافقاً أو كافراً ، جاءوا من بعد ذلك بفتوى عجيبة يوسعون بها القتل لأهل الايمان وهي أن وصموا من خالف رأيا من آراء السلف بالردة والكفر وزعموا أنه أولى أن يحارب قبل الكافر الأصيل. وهكذا ينقص الايمان بإيقاف الدعوة واعلاء القتال كما ينقص بتكفير المؤمنين بأوهى سبب وأدنى تعلة فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
نواصل،،،