الاختيارات في الشعر السوداني بندوة عبد الله الطيب .. الدكتور أحمد البدوي : السودان مَثَّلَ نقطة تحول وإزدهار كبيرة في الثقافة العربية

الزمن يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في إكساب الشعر قيمته الأدبية والفنية

الخرطوم : حسن موسى
استضافت ندوة العلامة عبد الله الطيب بقاعة الشارقة بالخرطوم وبرعاية « زين « الدكتور أحمد محمد البدوي في ندوة جاءت بعنوان « الإختيارات في الشعر السوداني « ، وذلك وسط جمعٌ كثيف من الأدباء السودانيين ، فيما أدار الجلسة الأستاذ محجوب دياب .
إن الشعر في السودان ممتد ولا يستطيع أحد أن يحصره لأن معظمه غير منشور في الصحف أو المجلات ، وقال لا نجد هذا الشعر إلا في دائرة ضيقة جداً على الرغم من إننا نجد في كل مكانٍ شاعرٍ .
وأوضح أن مركز الثقافة العربية يتنقل من مكان إلى آخر منذ عهد الإسلام وقبله إذ كان مركزها مدينة نجد متمثلاً ذلك في الشعر الجاهلي ، أما بعد الإسلام فكان مركز الثقافة العربية في مدينة الكوفة والبصرة في العراق ، لافتاً إلى أن مركز الثقافة العربية تحول إلى أعلى طور لها في مدينة الأندلس ، بينما في فترة ما بعد الإستعمار كان مركز الثقافة العربية في مصر حيث ظهرت الصحيفة والإذاعة والتلفزيون .
وذهب إلى أنه في مرحلة من النضال كان مركز الثقافة العربية هنا في السودان الذي مَثَّلَ نقطة تحول وإزدهار كبيرة في الثقافة العربية ، وذكر أن أكبر باحث في التراث العربي هو الجبرتي الكبير شيخ الأزهر من دولة أريتريا ثم الزبيدي شارح القاموس اللغوي والذي عمل « تاج العرس « وأخيراً محمد ابن محمد الفولاني .
ومن جانبه أكد أن هنالك تميزاً كبيراً جداً في الغناء السوداني الذي ظل يُسْمَع في مناطق بعيدة من السودان في الحبشة ومالي والسنغال وغيرها ، إضافة إلى أن جميع أقسام اللغة العربية في الجامعات الأفريقية وبعض الجامعات العربية أسسها العلماء السودانيون ، وألمح أن هذا النجاح في المجال الثقافي في السودان صاحبه فشل واضح في الرياضة والسياسة والإقتصاد ، وقال ان الشعر هو عاطفة تلونٌ وتسربلٌ بالخيال ، وأضاف أن هذا الشعر يعبر عن العاطفة ومن هنا تأتي قيمة الشعر ، وأكد أن المبدأ في الإختيار هو الأصل في الشعر وليس الشاعر بمعنى بالضرورة أن ننظر إلى القصيدة بمعزل عن شاعرها.
ووزع الدكتور أحمد البدوي القصائد إلى قصائد طويلة وقصائد قصيرة ومقاطع ، وزعم أن هنالك مستويين في الشعر السوداني إختيار ما تم في الماضي وإختيار أريد له أن يكون في المستقبل ، وذكر في مسألة الإختيار أن الناقدة السورية سلمى الجيوشي إختارت أشعارا لمحمد المهدي المجذوب وعبد الله الطيب ونشرتها في كتاب ، وكذلك إشتغل محمد عبد الرحيم على أشعار سودانية ، إضافة إلى أن سعد ميخائيل إختار هو الآخر أشعارا سودانية حديثة لشعراء معروفين منهم من عاش في المهدية ، وذكر من بين هذه الأشعار التي إختارها ميخائيل قصيدة للشيخ فرح ود تكتوك وأخرى للشاعر إدريس البنا ، ولفت إلى أن هنالك شعرا تم إختياره من قِبَلْ وزارة التربية والتعليم لا نجد فيه قيمة أدبية كبيرة مثل فصيدة :
دجاجي يلقط الحب ويجري وهو فرحان .
هذا إلى جانب أن هنالك قصائد شعرية لها قيمة شعرية وأدبية عالية جداً مثل قصيدة « صه ياكنار « والتي لحنها الموسيقار إسماعيل عبد المعين وقصيدة « منقو زنبيري « ، ويرى إنها تدخل ضمن القصائد التي كانت تعبر عن رجاء وأمل ومستقبل زاخر للسودان هذا على مستوى المدارس الإبتدائية ، أما على مستوى المرحلة المتوسطة نجد على سبيل المثال إختيار شعر لعبد الله الطيب وكرف أما في المرحلة الثانوية نجد مجموعة من الأشعار مثل قصيدة « تبلدية « للشاعر جعفر محمد عثمان ، وحسب الدكتور أحمد البدوي هي قصيدة لم تنشر في جريدة ولا في مجلة ولكنها وجدت إعجابا كثيرا من المؤسسين للأدب بل هذا الإعجاب حاز على كل الدائرة خارج المدارس .
وفي محور آخر من محاور الإختيار في الشعر السوداني يرى الدكتور أحمد البدوي أن الأغنيات السودانية هي أيضاً تعد واحدة من المصادر المؤثرة في الثقافة السودانية ، مشيراً إلى شعر إدريس جماع في أغنية « إنشاد « التي تغنى بها عبد الكريم الكابلي وسيد خليفة في « على الجمال تغار منا « وكذلك « أنشودة الجن « إضافة إلى قصائد حسن أبو العلا والتجاني يوسف بشير ، وأكد أن الفنان عبد الكريم الكابلي هو أفضل من يجيد الغناء بهذا الشعر ، لافتاً إلى أنه ساهم بصورة كبيرة في النشر والترويج لشعر الإختيار ، مشيراً إلى قصيدة الحَسين الحسن كنموذج ، إضافة إلى عثمان حسين في « محراب النيل « للتجاني يوسف بشير و « مرية « لصلاح أحمد إبراهيم عند الفنان حمد الريح وغيرها من الأشعار التي لا تحصى ، ونفى الدكتور البدوي وجود شعر الرفس في الغناء السوداني .
و تطرق الدكتور البدوي إلى الحديث عن الشعر السياسي ويرى أنه شعر قيل في المكان الخاص وهو شعر لا يدخل ضمن شعر الإختيار ، وعاب عليه أنه شعر ضعيف لأنه تم نظمه في دائرة ضيقة لأغراض سياسية وأيدولوجية الأمر الذي يفقده القيمة الأدبية ، هذا إلى جانب تعرض الدكتور البدوي إلى الشعر المُرْتَجل ، مشيراً إلى أمثال الشعراء الذين كتبوا هذا الشعر مثل الشاعر محمد المهدي المجذوب والشاعر محمد أحمد المحجوب والشاعر كرف في قوله الشعري المُرْتَجَلْ :
وجودك في المعارك ليس يعني خروجك من صفوف الجاهلينَ.
وخلص الدكتور أحمد البدوي إلى القول ان الزمن يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في إكساب الشعر قيمته الأدبية والفنية ، وأكد أن هنالك أشعاراً سودانية ظلت حية منذ القرن العشرين ، وقال ان الزمن أيضاً يتأثر بالظروف الذاتية .
وأضاف أن كثيرا من الأشعار السودانية التي كتبها الشعراء السودانيون هي أما محفوظة في الصدور أو مخطوطة.
وأشار إلى أن ظاهرة الشعر العربي الفصيح بدأت في الرواج عند كل الأدباء السودانيين ، وأعرب أن الغناء السوداني والمنهج الدراسي الذي إتبعته وزارة التربية والتعليم روجا لنماذج شتى من الشعر السوداني ، لافتاً إلى أن المنهج الدراسي في إختياراته كان يتحرى الجودة والقيم والأخلاق الموجودة في هذه الأشعار ، بينما الغناء السوداني كان يبحث عن المشاعر الساخنة والعواطف الجياشة في هذه الأشعار .
وذهب الدكتور أحمد البدوي إلى أن هذا الحديث يقودنا إلى حقيقة مهمة جداً تكمن في أن النص الشعري يرتبط إرتباطاً حتمياً بما يكتب عنه بمعنى إننا لا يمكن عزل النص الشعري عن تاريخه الذي كُتب فيه .