بعد أن كان يفوق الدولار «هيبة وقيمة»..  جنيه الاستقلال السوداني.. دوام الحال من المحال!

تقرير – الصحافة
ولأن الاحتفالات بذكرى الاستقلال اتخذت أشكالا وأنماطا تقليدية من خطابات واحتفالات رسمية تمجد بطولات وتضحيات الآباء الأوائل، دون اتخاذها عبرة وسُنّة تُقتديان، أضحت الاحتفالات بائسة، وصارت ذكرى أهم حدث في تاريخ السودان الحديث تمر دون أن يشعر بها أحد، وربما وصل الأمر الى حد أن السودانيين صاروا يولون ذكرى ميلاد أبنائهم ويحتفلون بها أكثر من يوم حريتهم وانعتاقهم من المستعمر.
لعل هنالك أسباب كثيرة، لا مجال لرصدها وتتبعها واحداً واحداً، رمت بأهمية الاحتفال بالاستقلال أسفل درك الأولويات، أهمها، أن لا منجزات حقيقية تحققت في الواقع السنوات الـ «62» التي تلت رحيل الإنجليز وتولي السودانيين مقاليد إدارة الدولة.
وصل الأمر ببعض من استطلعتهم «الصحافة»، حد وصفهم لها بأنها مملة، اماماً كما الزملاء «الصحفيين» الذين يجدون أنفسهم في مأزق حقيقي حال شروعهم عن كتابة «تقرير» أو إجراء «تحقيق» أو تسطير «عمود» يستهدفون إحياء ذكرى الاستقلال، حيث يجدون أقلامهم تجترح ذات المفردات والعبارات وتعبر عن ذات الأفكار التي سبق ان كتبوا عنها في ذات المناسبة في أعوام سابقة.

«1»
لكل ذلك، وحتى نبعث ونبث في ذكرى الاستقلال شجونا في «كبارنا» ونجعل لـ«صغارنا» بصيرة تتدبر وبصرا يتأمل، رأينا أن نحتفل بالاستقلال بطريقة مختلفة، نمسك بأشياء تبدو صغيرة لكنها في حقيقة الأمر تفعل ما لا تقدر عليه الخطب النارية ولا الحفلات الملحمية.
«شيء» مثل العملة السودانية «الجنيه»، أليس جديراً بأن يتصدر فعاليات الاحتفال بعيد الاستقلال؟
الجنيه «السوداني» أحد رموز السيادة والاستقلال، بل الرمز الأهم والأكثر تعبيراً عن الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي أيضاً. تعبر الصور المطروحة بين يديه وخلف ظهره عن التباين الثقافي، والبيئي وتعدد المناخات والثروات القومية من غابات، حيوانات، طيور، محاصيل زراعية، ثروة حيوانية، أزياء، فلكور، آلات موسيقية وغيرها. لكن إلى جانب ذلك، يحيل الاحتفاء بالعملة في ذكرى الاستقلال كثيرين إلى أزمان يظنونها كانت أحلى وأجمل.
«2»
يقول العم «شنان» ـ 85 عاماً وكان منسوباً بوزارة المالية: «خلي القرش والريال والطرادة، التعريفة والمليم كانوا بيعملوا عمايل عجيبة، أنا ما عايز أتفلسف وأتكلم ليك عن كيف كان الأجر النقدي يفي ويزيد عما يقابله من سلع وخدمات، ودا «مجموع السلع والخدمات»، نحن العندنا علاقة بالاقتصاد بنسميهو الدخل الحقيقي، والراتب اسمو الأجر النقدي، هسي شوف الفرق بين الأجرين، زمان النقدي كان أعلى، الآن لا يفي بـ«5%» من السلع والخدمات. ويستطرد العم «شنان»: دا موضوع طويل ومعقد، خلينا نرجع ونحتفل بالعملة، الورق المصقول، الألوان، الرسوم المعبرة، المتانة، النواحي الفنية الدقيقة، الآن العملة بقت زي حلاوة قطن تذوب وتبلى بسرعة، وبقت ما عندها قيمة، لا مادية ولا جمالية.
«3»
«الكتيبة السودانية التي حاربت في المكسيك، الزول الشايل جرّتين صغيرات، قالوا دا الملك تهراقا كان يقدمهما لأحد الآلهة، صورة وحيد القرن، الجمل، الغزلان، الطيور».
هكذا ابتدر «عثمان متولي» ـ77 عاماً حديثه وأضاف: حتى مسميات العملة كانت ذات وقع خاص، مليم، تعريفة، قرش، فريني «أب قرشين»، شلن «خمسة قروش»، ريال «عشرة قروش»، طرادة «خمسة وعشرون قرشا»، خمسين «خمسون قرشا»، جنيه «مئة قرش». واستطرد: أنا متذكر كنا صغار ونغني «أبو الضليل، ضلل لي، الساعة اتنين بديك قرشين»، وعائشة الفلاتية قالت في أغنية «سمسم القضارف»: العُقَّر ما بلدنو/ ألفين جنيه من أمو ما بجيبنو.
«دي أغنية من الخمسينيات، هسي ألفين جنيه ما تجيب ليك سندوتش خلي عروس ناصعة زي سمسم القضارف».
«4»
كثيرون تحدثوا إلينا، احتفلنا معهم بعيد الاستقلال على خلفية «رمزية» العملة الوطنية، شباب من الجيل الحالي كانوا حضورا يستمعون ويعلقون على إفادات أجدادهم وآبائهم وهم ينظرون مندهشين إلى جمال وروعة «عملتنا» بتاعت زمان.
أحدهم «لؤي عاطف» – طالب جامعي- قال: حتى الجنيه أبو عمة بتاع «نميري»، إذا ما نظرنا إليه من ناحية أنه يعبر عن الزي القومي «جلابية بيضاء مكوية، وعمة لولوبية».. لكن معظم الحضور من «جيل زمان» اتفقوا على أن تدهور العملة بدأ في عهد النميري، وبلغ مداه في عهد «الدينار»، وشددوا على أن الدولار «أبو صلعة» كان يبدو كحافي حالق، هزيلا أمام الجنيه حتى بدايات مايو، ومن ثم «دقت عملتنا الدلجة». ودعا جميع من بالحلقة «حلقة الإحتفال بالعملة»، السودانيين إلى الإحسان إلى عملتهم وإنقاذها من التداول غير الرشيد، وزجر كل من يعرضها لـ«المرمطة»، وأكدوا أن من لا يحترم عملته ويحافظ عليها فهو لا يحترم وطنه.