سد النهضة وجه القاهرة الحقيقي.من جديد.. مصر تشعل حرب المياه وتحصد رمادها

الخرطوم: هويدا المكي

لم يكن طلب مصر الذي رفضته اثيوبيا استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة مفأجاة للسودان الذي اعتاد كل ماهو غير ممكن من القاهرة.. فبينما اعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري صراحة بطرف ثالث هو صندوق النقد الدولي، هاهي التسريبات تظهر الى العلن حيث دفع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برسالة الي حكومة اثيوبيا دعا فيها بأن يكون التفاوض حول سد النهضة بين القاهرة واديس ابابا، وهو مقترح ليس مستبعدا عن مصر فقد ظلت منذ فترة غير قليلة تطلب من السودان بأن يكون في صفها ناسية ان السودان هو طرف اصيل في تلك المفاوضات.. وللحقيقة ان السودان ظل يدعم مصر في ملف المياه حيث رفض التوقيع على اتفاقية عنتبي تضامنا مع مصر كما انه سمح منذ 1959م بان تستخدم مصر جزءا من حصته في مياه النيل فضلا عن تهجيره مدينة كاملة وعددا من القرى لاجل بناء مصر السد العالي وكل هذه التنازلات والمواقف لم تشفع للسودان.
طلب مرفوض
في خطوة غير متوقعة استهجنتها الاوساط السياسية الاثيوبية قامت بها الحكومة المصرية الاسبوع الماضي سلمت فيها رئيس الوزراء الاثيوبي هيلي ماريام ديسلن رسالة من الرئيس المصري السيسي طلب من اثيوبيا ان يشرعا في اتفاق ثنائي بخصوص سد النهضة يستبعد فيه السودان، وقال في رسالته اخرجوا السودان من موضوع المفاوضات، ونحن وانتم سوف نتفق. وطالبت الرسالة ان تشرك بعض المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي كضامن بدلا من السودان.. اثيوبيا رفضت الطلب وقالت للوزير المصري السودان نعتبره طرفا اصيلا في الاتفاق.. هذه الحادثة استهجنتها الاوساط السياسية الاثيوبية التي تحدثت عن زيارة وزير الخارجية المصري ورسالة السيسي بسخرية واستهجان.. كيف تعمل القيادة المصرية على الغدر بالسودان شريك العروبة والاسلام..؟ كما تناولت زيارة وزير الخارجية المصري لاديس ابابا وطلبه اخراج السودان من اتفاقيات سد النهضة.. كل الصحف الاثيوبية بكل اللغات متحدثة عن غرابة الطلب بشيء من السخرية.
«تاباهو مملح تكوسو قروض»
وكشف مصدرمطلع بملف مفاوضات سد النهضة الاثيوبي «للصحافة» ان اثيوبيا ابلغت السودان بأن مصر لم تعترض على بناء السد وانما الاعتراض على استهلاك حصة السودان في مياه النيل، وقال ان مصر استهلاكها فاق 76 مليار متر مكعب والاتفاقية تعطيها 55,5 ملبار متر مكعب، وتريد ان تبقي السودان في استهلاكه الحالي 13مليار متر مكعب بدلا من 18,500 مليار متر مكعب.
ووصف المصدر الذي فضل حجب اسمه طلب مصر من اثيوبيا باستبعاد السودان بالمضحك ويدل على ارتباك السياسة المصرية المتخبطة وقال ان مصر سوف تأتي راكعة لمواصلة الحوار وتوقع على ما كانت ترفضه سابقا وعندما يكتمل بناء السد وقتها لكل حديث مقال وكما قال المثل «تاباهو مملح تكوسو قروض». واستغرب لتصرف مصر وقال في آخر اجتماع بين الدول الثلاث طلبت عرض المقترح السوداني على القيادة المصرية وكنا في انتظار الرد الا اننا تفأجانا بطلب استبعاد السودان وزاد «النقاش الآن حول طريقة بدء الدراسات فقط، وتساءل ماذا اذا بدأت الدراسات؟» وقال ان مصر تعتبر نهر النيل ملكا لها و لم تتوقع منافسة دولة لها.
توقيع ثلاثي
في العام 2015م وقعت مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة الخرطوم التي جاءت ثمرة جلسات استمرت على مدى ثلاثة أيام من الجلسات المغلقة، حددت آليات العمل خلال المرحلة المقبلة لحل الخلافات حول سد النهضة الإثيوبي واشتملت الوثيقة التي وقع عليها وزراء خارجية دول السودان ومصر وإثيوبيا، على الالتزام الكامل بوثيقة إعلان المبادئ التي وقع عليها رؤساء الدول الثلاث بالخرطوم، وتحديد مدة زمنية لتنفيذ دراسات سد النهضة في مدة تتراوح ما بين 5 أشهر إلى عام، واختيار شركة «ارتيليا» الفرنسية لمشاركة مكتب «بي أر ال» الفرنسي للقيام بهذه الدراسات وبعد الاجتماع بفترة تحدثت وسائل اعلام مصرية، وقالت ان مصر رفضت التوقيع على الدراسة وهو ما اثار عدة اسئلة حول عن ماذا وقعت مصر في اجتماع الخرطوم؟ ولماذا تردد تلك الوسائل الاعلامية بأن مصر ترفض هذه الدراسة التي وقعت عليها منذ اجتماع الخرطوم في حين انها منذ ذلك الاجتماع وحتى الآن لم تتقدم بأي ورقة اعتراض على اي بند يتعلق باتفاقية سد النهضة.
وقتها استهجنت مصادر موثوقة ما تردد عن رفض مصر التوقيع على الدراسة التي اعدتها الشركة الفرنسية «بي آر ال» بشأن الآثار المترتبة على إنشاء سد النهضة في إثيوبيا، وأكدت المعلومات التي حصلت عليها «الصحافة» ان أمر الدراسة تم تجاوزه منذ العشرين من سبتمبر 2016م وان الدول الثلاث كلفت الشركة الفرنسية الاستشارية باعداد الدراسات الخاصة بآثار سد النهضة حيث دفعت بدراسة اعترضت عليها مصر في اجتماع الخرطوم في العام 2016 بخصوص الخرط وتم الاتفاق بين السودان ومصر ان تحذف الحدود من الخرط الواردة في المقترح الفني لابعاد المواضيع السياسية من النواحي الفنية وقد قبلت الشركة التوجيه بهذا الخصوص واكدت «المصادر» ان الشركة الفرنسية ارسلت المقترح المعدل بدون التعرض للحدود السياسية بين السودان ومصر وتم توقيع العقد الخاص في العشرين من سبتمبر العام 2016 ولم يؤثر موضوع الخرط الذي تم حسمه سابقا على توقيع العقد وفي يونيو الماضي عقدت الدول الثلاث السودان ومصر واثيوبيا اجتماعا في القاهرة لتقييم الدراسة التي قدمتها الشركة الفرنسية حول الآثار المترتبة على إنشاء سد النهضة.
اتفاقية تقاسم مياه النيل 1959
اما أمر قسمة المياه، وبناءً على اتفاقية 1959م، فهو بين بلدين مصر والسودان وقدمنا مصر لأنها الأكثر استفادة من الاتفاقية، وهي اتفاقية ظلت محل نظر من كل الحكومات الوطنية السودانية، وتعارضها كل الدول الافريقية، وخاصة اثيوبيا، والاتفاقية نفسها تحدد مياه النيل كافة وسد النهضة على النيل الأزرق والاتفاقية وقعت بالقاهرة في نوفمبر 1959 بين مصر والسودان، وجاءت مكملة لاتفاقية عام 1929 وليست لاغية لها، حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان في ظل المتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة آنذاك وهو الرغبة في إنشاء السد العالى ومشروعات أعالى النيل لزيادة إيراد النهر وإقامة عدد من الخزانات في أسوان وتضم اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل عددا من البنود من أهمها احتفاظ مصر بحقها المكتسب من مياه النيل وقدره 48 مليار متر مكعب سنوياً وكذلك حق السودان المقدر بأربعة مليار متر مكعب سنوياً وموافقة الدولتين على قيام مصر بإنشاء السد العالى وقيام السودان بإنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق وما يستتبعه من أعمال تلزم السودان لإستغلال حصته كما نص هذا البند على أن توزيع الفائدة المائية من السد العالى والبالغة 22 مليار متر مكعب سنوياً توزع على الدولتين بحيث يحصل السودان على 14.5 مليار متر مكعب وتحصل مصر على 7.5 مليار متر مكعب ليصل إجمالي حصة كل دولة سنوياً إلى 55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان وكان السودان قد أوضح في عام 1958 أن هذه الاتفاقية غير ملزمةٍ للسودان لأنها وُقِّعت خلال الفترة الاستعمارية ولم يكن السودان طرفاً فيها، ولم يقبلها السودان حين نال استقلاله. وقد رفضت مصر ذلك الموقف من السودان وأصرّت على إلزامية الاتفاقية تحت نظرية توارث الاتفاقيات. ووقفت هذه المسألة حجر عثرة في طريق العلاقات والمفاوضات، وأرسلت كلٌ من مصر والسودان مذكراتٍ إلى بعضهما البعض وإلى دولٍ أخرى يوضحان موقفيهما المتناقضين حول هذه المسألة.
فقدان السيطرة
و قال مركز «ستراتفور» الأمريكي، للتحليلات الاستراتيجية، إن مصر ستضطر للعودة إلى طاولة المفاوضات مع إثيوبيا، لأنه بمجرد بناء سد النهضة، يجب تنسيق عمليات ملء خزان السد مع إثيوبيا. وأوضح المركز في تقرير عن مستقبل نهر النيل في ضوء بناء سد النهضة الإثيوبي، بعنوان مصر تستعد لفقدان السيطرة على نهر النيل وأشار التقرير الى أنه خلال العقد الماضي، تحول ميزان القوى في سياسة نهر النيل لصالح دول المنبع، والتي بدأت في تحدي نفوذ مصر على موارد النهر وأشار إلى أن مصر ستواصل الحفاظ على اللهجة العدوانية ضد إثيوبيا في محاولة لإجبارها على الاستسلام لمطالب القاهرة، ولكن في النهاية سيتم إتمام بناء السد وأكد التقرير أن بناء السد أصبح أمرا واقعا، فيما تفقد القاهرة ميزة التفاوض، وقال إن قدرة إثيوبيا على تقديم تنازلات لمصر أصبحت محدودة ، ولفت إلى أن القاهرة تقدمت بشكوى إلى شركائها في الجامعة العربية وإلى البنك الدولي، ولكن دون جدوى، بسبب اتساق إثيوبيا في رسالتها بأن الري ليس جزءا رئيسا من خطة السد وقال التقرير إنه من المرجح أن تجبر مصر على العودة إلى طاولة المفاوضات عاجلا وليس آجلا ، وأضاف أن انحسار الخيارات أمام القاهرة، وتراجع قدرتها على التوحد مع السودان ضد دول المنبع، واستمرار بناء السد يظهر عدم جدوى تكتيكات القاهرة القديمة، وأن دول المنبع تكتسب النفوذ في سياسات مياه حوض النيل وأكد التقرير أنه مع تزايد عدد سكان مصر، فإن تحديات إدارة إمدادات المياه لن تكون أسهل في العقود القادمة، مشيرا إلى أن مستوى العجز المائي في مصر، أقل من العديد من الدول في الشرق الأوسط، ولكن أي انخفاض في معدلات وصول مياه النهر، حتى ولو لفترة قصيرة، من شأنه أن يزيد من التوتر بسرعة نهر النيل الازرق كله بالسودان فكيف تتفق علي مياه نهر لايمر عبرها الابعد ان يغير اسمه فهل الاتفاق علي نهر النيل الذي يتكون من الازرق والابيض، وهذا ما تفصله اتفاقية عنتبي التي تعارضها مصر والاتفاق لايتم مع اثيوبيا وانما مع دول حوض النيل ومن العجب ان السودان عضو فيها فكيف يتم تخطيه ام الاتفاق علي نهر النيل الازرق والذي يمثله دول حوض النيل الشرقي ومصر مجمدة لانشطة الحوض وللعجب ايضا السودان عضو في النيل الشرقي ورئيس دورته الحالية.
دين على مصر
وفي حديث سابق لقناة «روسيا اليوم» قال وزير الخارجية ابراهيم غندور ان سد النهضة الاثيوبي سيمكن السودان من استخدام كامل حصته من مياه نهر النيل التي كانت تمضي لمصر على سبيل «الدين» منذ العام 1959 وعزا غندور تخوفات مصر من السد، إلى خسارتها نصيب السودان الذي كان يذهب إليها خارج اتفاقية مياه النيل كسلفة.
ليس من المصلحة
وقال مختصون في مجال المياه: ليس من مصلحة مصر استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة ومهما كان موقف السودان حاليا من سد النهضة فإنه ليس من مصلحة مصر استبعاده من المفاوضات لأن استراتيجية السودان الكلية المستقبلية في مجال مياه النيل سواء عمل من اجلها حاليا او لم يعمل تقوم على المحافظة على حصته الحالية من مياه النيل والسعي لزيادتها باستمرار بالتعاون والتفاهم مع اثيوبيا ودول الهضبة الاستوائية حتى يصبح سلة غذاء لغيره من الدول وهو هدف معلن ومشروع لإن حصته الحالية من مياه النيل لن تمكنه من ذلك.
ولا يتصور أن تتم زيادة حصة السودان المائية من دون أن يصيب مصر من ذلك الخير جانب ولذلك نرى انه ليس من مصلحة مصر العمل على استبعاد السودان من أي مفاوضات حول مياه النيل مع اثيوبيا أو غيرها بل التعاون اللصيق معه و استبعاد المكايدات السياسية الآنية من العمل الاستراتيجي مثل مياه النيل.