أغنية لتأصيل البورة! (أب شرا إن شاء الله راجل مرا).. (70) عاماً من (الأمل)

تقرير – النذير إبراهيم
إشتهر أولاد (برّي)، المنحدرون من صلب الشيخين الحاج إبراهيم وعلي ود بري (توريق الحديد)، بالتقوى والصلاح وتدريس القرآن الكريم وعلومه. فضلاً عن سعيهم بالخير والإصلاح بين الناس، سيما تسهيل قضايا الزواج وصولاً لغاية المجتمع السوي والإعتصام بالعفة وصون الأعراض والشرف.
برع الشيخ محمود أبوشرا حفيد الشيخ علي ودبري في هذا الجانب، وبفضله تم تزويج الآلاف من الرجال والنساء في أربعينيات القرن الماضي ووقتها برزت في ساحة الغناء السوداني أغنية (أب شرا)، وتقول في بعض كلماتها:
(جاياك يا أبشرا/ جايا أفتو معاك يا أبشرا/ وجواج من قعاد الصاج/ لي متين وبايرة لي سنتين يا أبشرا/ بالضرا يا أبشرا/ بالضرا وإن شا الله راجل مرا يا أب شرا)..
فرضت هذه الإغنية نفسها بقوة على الساحة وظلت متداولة في بيوت الأعراس منذ ذلك الزمان الغابر وحتى الآن، وساعد على إنتشارها ومحافظتها على مكانتها ضمن أغنيات الأعراس المحببة حتى اليوم، بساطة كلماتها وتعبيرها عن واقع الحال المعاش بمفردات غاية البساطة والطرافة، تحكي حال فتيات اليوم والأمس والغد. وبدأ ظهور الأغنية منتصف العام (1947م) وذاعت، ولا يخلو بيت عرس أياً كان من ترديدها، ناعين فيها احجام الشباب عن الزواج و(زوغانهم) منه بأسباب شتّى.
يقول البروفيسور علي عبد الرحمن برّي، اختصاصي جراحة المخ والأعصاب، وحفيد الخليفة محمود محمد عبد الرحمن بري، خليفة الشيخ الشهير بـ(ود أب شرا) بضاحية حجر الطير جنوب المتمة، يقول إنّ جده الخليفة إنتوى يوماً سنة (1947م) زيارة صديقه العزيز (الخليفة أحمد ود البهمو) في الخرطوم، وأثناء مروره بمعية حاشية قوامها حواريوه وحيرانه في مشهد مهيب، وهو يتوسطهم ممتطياً صهوة جواد عربي أصيل، وتحيطه الهيبة بضاحية الحلة الجديدة بالخرطوم جنوب، خرجت إحدى الفتيات وتساءلت عن من هذا الرجل المهيب؟ وكانت سمعته قد سبقته على طول البلاد بأنه يهتم بتزويج الشباب بمنطقته الممتدة من (حجر الطير) ومجمل ريفي (ود حامد).
حال معرفة الفتاة بهوية الرجل المهيب هذا، إلا وإتجهت ناحيته وطلبت منه بكل جرأة تزويجها بأسهل السبل. ولم يبارح مكانه ذلك إلا وقد ظهرت الأغنية بلحنها في التو واللحظة، وبلحنها الذي عرفت به منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
بعد أن طرحت الفتاة قضية (البورة)، انتشرت قصتها على نطاق واسع في الخرطوم، وبعد مناقشة (ود أب شرا) للقضية مع صديقه (ود البهمو) وشيخ الحلة الجديدة وقتها، عاد غافلاً بحاشيته لسرايا السيد علي الميرغني بالخرطوم بحري، وطرح عليه فكرته التي إستوحاها من مناشدة الفتاة الجريئة تلك، والتي أكدت له غلاء المهور بالخرطوم، الأمر الذي قاد الشباب للإحجام عن الزواج وأفضى بالتالي لمضاعفة أعداد الفتيات اللائي ينتظرن قطار الزواج، واقترح أن يكون مهر الفتاة(5) جنيهات والمطلقة (3) جنيهات. وما كان من السيد علي الميرغني – ومازال الحديث لعلي بري – إلا أن أثني على الفكرة وباركها وأعطى الضوء الأخضر لتنفيذها.
وكان العرس وقتها بالإضافة للمهر المذكور أعلاه بتقديم (الماء والتمر) فقط للمعازيم، ويلتزم العريس بإحضار ما يكفي من الأكل لخمسة ضيوف ولمدة (15) يوماً، وكل تلك الإجراءات لاتتم إلا بحضور ومراقبة لجنة من أهل المنطقة المعنية.
وأشار علي عبد الرحمن برّي إلى أن الخليفة محمود كان قد طبق ذلك على نفسه في زيجته الثانية، وكذلك إحدى بناته. فضلاً عن تعميم فكرته وتمديدها في معظم مناطق السودان المختلفة. ويحكي بري إحدى الطرائف التي صاحبت تطبيق الفكرة، بأن إحدى النساء رفضت تزويج إبنتها بهذه الطريقة التي إعتبرتها لا تليق بمكانة إبنتها وجمالها الباهر، وبلّغ الأمر للخليفة (محمود أب شرا)، فما كان منه إلا أن أمر زوجها بإعطاء المرأة الرافضة (تمرة واحدة)، وقبلتها بعد جهد جهيد، وما إن أكلتها حتى قالت: (إنتو ود أب شرا دا طبّق الحاجه دي على بناتو؟)، وأعلنت موافقتها الفورية على تزويج إبنتها دون نقاش!
يذكر أن غالب مواليد الفترة من العام (1947 وحتى 1960م) بريفي ود حامد وضاحية البرياب جنوب ودمدني، هم نتاج زيجات (كورة ود أبشرا) الشهيرة، والتي أفضت لميلاد الأغنية الأكثر شعبية في الحفلات ومناسبات الزواج.