حكاية «لقمان أحمد» وعودة الروح.من «الملم» إلى «تربا»… قصة ملحمة سودانية لم تدون

نيالا – الملم – تربا : محمد حامد جمعة
امس الاول «الثلاثاء» كانت «الصحافة» في جنوب دارفور ؛ هي في الواقع كانت ـ اي الصحيفة ـ في اقصى الجزء الشمالي من جنوب دارفور ، حسنا ؛ بوصف قد يبدو مدهشا يمكنني الزعم ، انى كنت في شمال دارفور «الولاية» كما كنت في الوقت عينه في «جنوب دارفور» ، اذ كنت في محلية الوحدة ، منطقة الملم ، بل ذهبت الي منطقة تسمى «تربا» ربما لطبيعة الارض الرملية ، حيث يفصل هناك واد عريض بين ولايتي شمال وجنوب دارفور ، ذاك ما كان من امرنا المكان واما الحدث فهو قصة طويلة تستحق ان تقرأ على مكث ، كنت ضمن وفد رافق نائب رئيس الجمهورية الى منطقة «الملم» ؛ الوفد الذي ضم وزراء ورموز مجتمع وضباطا عسكريين كبارا هبط مطار نيالا في وقت مبكر قبل ان ينتقل بعدها الوفد بطيران مروحي طار لنحو خمس وعشرين دقيقة قبل ان نهبط حيث هذه الحكاية.

وانا اتجول في المكان ، دعوني اصف لكم جوانب من جغرافية وطبيعة ارض منطقة «تربا» ؛ الارض رملية ؛ رمل غير صحراوي ؛ اشجار قصيرة ، تتكامل كلما صعدنا شرقا ؛ لتشكل ما يشبه من تشابك الاغصان غابة ، كنت ابحث عن ضالتي ، رجل اسمه لقمان احمد محمد ، هو وابيه واجداده كان بعضا من ذرات الرمل والحصى في هذا المكان ، الملم وقراها المجاورة
عدت الان من «لقمان» ؛ لا اقول اني عدت من جنوب دارفور ، وتغبرت بالرمل وآثار الدروب بين «الملم» و«تربا» ، تنطق بضم التاء ولست معنيا بالف او تاء ، خاتمة الحرف في اخرها ؛ عدت من «لقمان» ؛ حينما استقبلت بعض وهج الشمس اختلطت علي الوجوه في المكان ؛ كان بقايا يأس قديم تبدى في بعض أطلال أعجب ما فيها أن الاهالى لزومها ؛ رأيت بعضهم يزيل بقايا الحجارة ، وربما الفجيعة ويشد ازارا يجعله سقفا ، علمت حينها دلالة ارتباط الانسان بالارض ، وشيجة الروح والثرى ، احدهم كان كمن يتمرغ في دارس بيته القديم ، الناس في «تربا» وهي صقع يقوم مثل «الشامة» على حرف واد يفصل شمال دارفور عن جنوبها ، فيما تقوم سلسلة جبل مرة في الافق مثل ناظر يضع يده فوق حاجبيه فيصنع ظلا وظلة ، اولئك القوم اعادهم «الحنين» الذي دلقه المذيع النجم ، بتلفزيون BBC ؛ حينما تألفت عيناي وجهر الشمس ، غرست نظر العزم لاستل لقمان ،إنه انسان عجيب ، وجدته في زاوية مكان ، بتلك وذات السمرة المحيطة به حين يقرأ رسائله ، كان يرفل في اناقة من تواضع النبلاء ، بنطال جينز ازرق وقميص شد اكمامه ، يجلس في وسط اهله ، تكاد تحس برموشهم مثل قصاصات ازاهير الحب ، صحت فيه هب نحوى كأخ يلقى اخاه عند جرف الشوق ، التقطه اشده حتي خيل لي مدهش الحيرة كيف لهذا الجسد الناحل ، الخفيف الوزن وذوائب الشعر التي اختلطت ببعض الشيب وملامح الغبار ، ان يصنع كل هذه الحياة ، افلته وانا اشاور نفسي ان اقضمه بقبلة ، وجدت انسانا دلق البر معاني واقام الخير مقاما يلزمه ان يضعه في قياس قديس… يا الهي يا لقمان ، لقد ظننت ان اهل الجنة بين سطور كتب التاريخ والسيرة حتى رأيتك ، فايقنت ان الجنة ، هناك فوق تراب «تربا» …
المكان المسمى محلية الوحدة ، هكذا سمي وفق مقامات تدرجات الاسماء الرسمية في مدارج الحكم القاعدي ، كان المعتمد وهو شاب وشت علامات الجهد على عينيه والغبار الذي غير لون ملابسه يتحرك بحيوية اهم ملامحها عدم تقيده بالبروتكول ، كنت اظنه من اللجنة المنظمة ، يجلس في اي مكان وقد نسج حالة من التواصل الحار بينه والمواطنين ، نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن ، طاف على الحاضرين من النازحين ، اول وصوله ، ثم هبط من السيارة المكشوفة وتجول بينهم ، دخل «خشة» سيدة عجوز ، رفقة مضيفه «لقمان» تلمست حينها في «حسبو» روح تلك البساطة التي هي سمت غالب كبارنا ، سألها ما تحتاج ؟ ردت السيدة بعد صمت موجز ، اريد لولدي حينما يكبر ان يجد الامن حوله وان «يتعلم» سألوها هل تريد غير هذا اشاحت بيدها كأنها تقول حسبي هذا يا «حسبو» والذي خرج ، في اجواء فرح عفوي من النازحين الذين جلبوا دفا حملوه فوق رؤوسهم كأنهم يزفون عريسا ؛ شق الموكب الذي اختلطت فيه «الرتب» بالمقامات وضجيج البسطاء ؛ تساوى الكل قامات واكتافا ، لا عال فوقهم الا الغبار ! حتى وصلوا الى سيدة اخرى كانت تقيم «برمة» لصناعة العصيدة ؛ غالب النازحات كن وفي كرم سوداني اصيل ؛ ومن قليل الزاد قد نشطن في إعداد وجبة للضيوف ، فوجئت السيدة بالحشد ، نائب الرئيس و«لقمان» انكبا يمسكان بعود ضرب عجين العصيدة ، وحديث هامس يدور بين الثلاثة ؛ السيدة تتبسم في اشراق بدد حتى لون سمرتها ولم اسمع ما قالوا !
لقمان الحكيم …
المذيع لقمان ، دارس وخريج كلية الإعلام بجامعة امدرمان الاسلامية ، والذي التحق بالعمل في تلفزيون السودان قبل ان يهاجر ضاربا في الارض بحثا عن وسع الرزق والمعارف ، غاب عن دياره في «الملم» لسنوات ، كان حينها قد علا سهمه في الاعلام ، وعبرت خلال تلك الفترة ديار اهله في «الملم» بمحنة الحرب التي اشتعلت بدارفور ، حينما عاد زائرا لاهله في العام 2011 يصيح لقمان صياح مفجوع – وهو يتحدث – انه لم يعرف المكان ، كانت شياطين الخراب قد سوت المكان بالمآسي ، يكاد الرجل ان تهزمه دموعه ، تحس به يتشظى لكنه سريعا ما يرتد الي قوة الابانة فيقول بعد ان عدت بغياب لنحو 18 عاما وجدت ان تربا وكملا وام داشو منطقة غير التي تركت ، هنا يجدر بنا الايضاح ان سكان القرى هناك كانوا قد نزحوا الى معسكرات للنزوح في شنقلي طوباي ومرشينج ، لم يعد بالديار سوى الاطلال ؛ ومن تلك النقطة تحرك الرجل ، ليكتب ملحمة لصالح وطنه الصغير ووطنه الكبير في آن واحد ؛ بعد سنوات من الجهد القائم على اخلاص الرجلين لقمان احمد والطيب محمد عبد الله مكاوي يقول لقمان فيما يسميه عودة الروح بعد الأول من يناير 2018 يوما مهماً فى برنامج عودة الروح. فقد إكتملت فيه الجولة المكوكية بين قرانا لرسم خارطة المشاريع التى تزمع منظمة الملم دارفور للسلام والتنمية تنفيذها فى قرى المحليات الشمالية لولاية جنوب دارفور ومدينة نيالا. فى الوقت نفسه عانقت أهلى فى القريتين التوأم «تربا» يقول لقمان مائة صورة وسبعة آلاف ميل تصنع مشهد عودة القريتين التوأم «تربا» توجهت من واشنطن قاصدا قرية «تربا» غير أن أهلى الذين أخرجوا منها قبل أربعة عشر عاما سبقونى وعادوا إليها فى العشرين من ديسمبر.
لم تكن رحلتهم بين الرحيل القسرى وعودة الروح قصيرة فقد ظلوا يسيرون بأشواقهم وآمالهم أربعة عشر عاما ليقطعوا مسافة لا تقل عن مائة ميل للعودة إلى أرض الجذور بينما قطعت سبعة آلاف ميل من واشنطن كى أكون معهم فى نصف يوم فقط أى إثنتا عشرة ساعة فقط والفارق أننا نعيش فى عالمين مختلفين فى دنيا غريبة. جاءت «تربا» إلى الوجود.. قريتان توأمتان يقسمهما واديها الخالد إلى شطرين، جنوبى يتبع لجنوب دارفور وشمالى يتبع لشمال دارفور ولكنها بقيت على مر التاريخ قريتين توأم تسمى «تربا» تتبع لمحلية الملم فى جنوب دارفور ولا تُبالى إن نسبت لجنوب أو شمال دارفور.
ظللت عبر رحلتى الطويلة من واشنطن إلى جدة أقلب أوراق البناء والتعمير ويغرق خيالى بين الحين الآخر فى جدل حول الوجود والفناء وحركة التاريخ الدائرية بين فناء الوجود وعودة الروح واستئناف عجلة الحياة فى المكان نفسه الذى وئدت فيه الحياة.
واصلت رحلة عودة الروح مع أخى الطيب محمد فى مدينة «جدة» الرجل الذى أسهم فى توفير قسط كبير من معينات العودة ولا يزال ينخرط دون كلل فى فتح آفاق البناء والتعمير وكذلك الأخ مكاوى مكى الذى ظل لصيقا بهذه الرحلة منذ بدأت عام 2011.
شكرا «امريكا»
لقمان احمد تحدث مخاطبا الضيوف ، تحدث عما اسماه اهمية ان يتجاوز مفهوم التنمية وان تتحول هذه القرى الي مشروع مدن وافرة بالخدمات والمؤسسات الخدمية تتكامل فيها الخدمات مع تنمية اقتصادية تطور الإنسان وتحوله إلى منتج وصولا لمرحلة الكفاية مشيرا لنهج تحرير المجتمع من أسر الحرب. لقمان ارسل تحية شكر للمجتمع الامريكي الذي استقطع من مال ضرائبه لدعم العودة بهذه القرى في اطراف دارفور.
حسبو.. شاهد
رافقت نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن عدة مرات في مهام وسفر ، لا املك من حبر الانصاف الا القول انه يعكس اداء وحضورا جانبا يستحق الاحتفاء حول حال ما يجب ان يكون عليه المسؤول، لم تكن زيارة الرجل – الوافر النشاط – للمنطقة اطلاقا نشاطا بروتكوليا او من باب معتاد الواجبات كانت زيارة خاصة بكامل منطوق هذا المعني ، اذ حرص على الوقوف باسئلة متصلة حول كل التفاصيل ، نائب الرئيس انصت لوقت طويل جلوسا ثلاثيا ضمه ومفوض الشؤون الانسانية احمد محمد ادم ، نائب الرئيس استدعى معه وزير الدولة بالرعاية الاجتماعية ومدير ديوان الزكاة ، والكل تبرع بما يعين النازحين وعودتهم الى قراهم ؛ ونائب الرئيس الذي رأيت حتما سيقف على كل التفاصيل ؛ ولن يخلف احد وعده حسب ما قال للجمهور الحضور بالمكان
نائب رئيس الجمهورية اكد لدى مخاطبته اللقاء الجماهيري دعم الدولة لمشروع العودة الطوعية وتوفير متطلبات العودة الطوعية للعائدين  وحيا سيادته ابناء المنطقة بالخارج اصحاب المبادرة لقمان محمد ومحمد عبد الرسول على جهدهم في مشروع العودة داعيا ابناء دارفور في الخارج ان يكونوا ايجابيين ليقدموا مثل هذه المبادرات وحيا حسبو المملكة العربية السعودية على برنامج فاعل خير ودولة قطر على جهود السلام في دارفور وبناء القرى النموذجية بجانب صناديق الدول العربية الكويت، الامارات، الجامعة العربية والاتحاد الافريقي وامريكا.