إيجار من الباطن

يشترك السودان وارتريا في حدود يبلغ طولها وفق تقديرات المساحات نحو 605 كلم ، تتوزع جغرافيا في ارتريا بين الغرب والجنوب فيما تمثل للسودان فضاء الشرق بمحاذاة ولايتي كسلا والبحر الاحمر وربما جيب في مثلث تجاه ولاية القضارف ، هذا التداخل يعني ببساطة ان كلا البلدين يواجه الاخر بخاصرته فيما يمكن إعتبار السودان فم المعدة لجارته الشرقية الصغرى ، وتبعا لهذا التداخل الجغرافي يمكن الحديث قطعا عن تفاصيل عريضة للتمازج السكاني والقبائل المشتركة والمصالح الموحدة غض النظر عن وضعيات عمق العلاقات الرسمية او توترها فذاك وضع لم تتأثر به في السابقات او اللاحقات الوشائج الممتدة بين طرفي الحدود
ووفقا لما قدمت وبمحاولة تفسير ، دفتي الحدود التي تغلق وتفتح اجد نفسي اقرب ميلا لاخذ هذا الحدث بهدوء اكبر من أعراض التشنج والرجم بالغيب التي ركن اليها الرواة في تفسير ما يجري ، صحيح ان الامر قد يستبطن اشارات ووقائع ما يصنف في خانة (سري ومحظور) ولكن الي أن تستبين حقيقة ذلك بقول صحيح ومصدر معلوم فيمكنني القول ان واحدة من اسباب الاجراءات الحاسمة من جانب السودان بضبط كامل الحدود والتشدد في منافذ العبور وفق المطلوبات الهجرية قد يكون مرده ان تلك المواجهة ظلت احد منافذ تسلل السلاح وعمليات تهريب البشر وكل الانشطة التي تتجه الخرطوم لوضع حد لمهدداتها ، خاصة بعد النجاحات العظيمة للحملة القومية لجمع السلاح التي جففت اسواق ادوات الشر هذه في دارفور مما قد يغري شبكات البيع والشراء والسوق المظلمة لاختيار فضاء اخر لا انسب له من ذاك الشريط الحدودي
امر اخر يتعلق بمافيا تهريب السلع والبضائع التجارية التي تخرج من مخازن القوت والاحتياج القومي السوداني عبر تلك الحدود وتنتشر ربما في كل الاقليم من ارتريا شمالا الي الصومال ، واضح ان تلك الكميات وبشكل ما شكلت فاقدا عظيما. هذه السلع قد تشمل حتى الذهب السوداني الخام ، هذا في تقديري سبب قوي يعزز فرضيات وجود دوافع ملحة لدعم اوامر الطوارئ في ولاية كسلا على النحو الذي اظهر كثافة للقوات المسلحة والدعم السريع في مسرح مكشوف حتى للمدنيين وامر تهريب البضائع وفاقده معلوم بتقارير كثيرة ومثبتة
لا استبعد كذلك مع هذا وجود اسباب اخرى ، استدعت اخذ التحوطات لكن وفي ظل عدم وجود إعلان صريح فهذا يؤكد ان الحكومة السودانية ، تقدم حلول حسن الظن في جارها الشرقي ؛ او تعول على تفاهمات قد يفسدها الاشتطاط في التصريح او رفع اصبع التحذير ، وهو موقف ينم عن وعي ، ومعالجة حكيمة وشخصيا مهما حدث فإني وتحليلا للوضع السياسي والامني وتوزع قواتها على جبهة عراك مع (جيبوتي) الحدود الجنوبية الشرقية في جبل وجزيرة دميرة وهو نزاع حدودي ساخن فضلا عن طول حدود مع اثيوبيا الجار الجنوبي يبلغ نحو 900 كلم او اطول في ظل ثأرات وجراحات لم تندمل لذا يكون من الجنون التورط في الهاب المواجهة مع السودان في مسار كما قدمت يمتد الى 605 كلم ؟!
يبدو مستحيلا ان يفكر بلد في هذا الوضع بلف حبل جيرانه على عنقه ! واما إن كان الامر (إيجارا من الباطن) فذاك مبحث اخر .