سعيدون بمساواة البوّاب مع الباب العالي

أحمد عبد الوهاب

هما يومان فقط.. يومان تركيان في السودان.. يشغلان الخرطوم.. ويشعلان القاهرة.. غيرة وحسداً.. والحسد كالنار بالضبط.. تأكل بعضها ان لم تجد ما تأكله.. وخطأ الخرطوم انها تتقدم.. وتبادر فتشعل القاهرة في صدرها نيران الحسد كيف يأخذ الجار الجنوبي زمام المبادرة ويترك لشماله رد الفعل.. ونباح الفضائيات ونعيق السفهاء.
٭ تاريخياً كنا نحن ومصر.. مستعمرتين تتبعان للباب العالي مدّ سلاطين تركيا نفوذهم على مصر أولاً.. ثم عبرها بسطوا نفوذهم على السودان.. إذن فكلانا في الهم التركي سواء.. كلانا مستعمرات سابقة.. ومناطق نفوذ مزقت أوراقها سايكس بيكو.
٭ ولا أرى سبباً للعويل المصري عندما يزور رئيس تركي دولة مستقلة ذات سيادة وريادة وقيادة كزيارة اردوغان للسودان ما الذي يغيظ القاهرة من هذه الزيارة الطبيعية جداً.. لبلدين لهما بعض تاريخ مشترك.. ولهما دين واحد وهم واحد.. وقضية مركزية..
وقد كنت أعتقد جهلاً أن رذيلة الحسد وقف على الأفراد وبعض الجماعات.. حتى رأيت دولاً تكاد تصاب كلها بالوباء فلا تجد له علاجاً..
ان البروفيسور عبد الله الطيب كان يقول ان هنالك دولة اشتهرت بالحسد.. لأنها نتاج هجرات لقبائل عربية مشهورة بالحسد.. خمس قبائل منها هاجرت إلى هناك.
٭ أطلق بعض المصريين كذبة بلهاء ادعوا فيها أنهم كانوا سادة على السودان.. بينما كان الشعب المصري كله يرزح تحت نير الاقطاع وحكم الباشوات الأتراك.. هذه الأكذوبة وجدت في مصر من يصدقها للأسف.. وراح يسوقها.
٭ قالوا اننا فتحنا السودان مرتين – وقد كذبوا – والصحيح ان محمد علي تركي من أصول البانية وكان والياً لمصر من قبل الباب العالي في الاستانة وقد غزا السودان عام 1281م.. ثم جاء الانجليز بفلول جيش عرابي وفتحوا السودان والصواب (احتلوه) عام 9981م.
٭ ونحن بامكاننا أن نصدق الكذبة المصرية تماماً مثلما صدقها المصريون منذ العام 6591م.. ولكن عندما يثبت الاخوة في شمال الوادي أن الخديوي محمد علي باشا من مواليد طنطا.. وأن الجنرال كتشنر من أبناء الجيزة.. وان اللورد كرومر هو الأخ غير الشقيق لبطرس بطرس باشا.
٭ إن مقابر حكام السودان من الأتراك بشارع البلدية بالخرطوم تقف شاهدة على كل من حكموا الخرطوم من العام 1281م وحتى تحريرها عام 5881م ليس من بينهم مصري واحد من أيام المأسوف على شبابه الخديوي اسماعيل وإلى زمان الجنرال شارلس غوردون.. وربما يقنعنا الخواجة توفيق عكاشة بأن غوردون باشا صعيدي من كوم أمبو.
٭ كما أن قائمة الحكام الذين تعاقبوا على منصب الحاكم العام في السودان من أيام كتشنر وونجت مروراً بالسير لي استاك وصولاً إلى روبرت هاو لم يتشرف مصري واحد للأسف بتقلد المنصب الرفيع.. والذي كانت لندن تنتخب له أفضل وأكفأ كوادرها سواء من الجيش أو من السلك الإداري.
٭ وبمجرد اغتيال السير لي استاك حاكم السودان في مصر عام 4291م.. التي كان الحاكم الفعلي فيها هو اللورد كرومر تم طرد الجيش المصري من السودان.. ولم يعد حتى للخديوي الملك فؤاد أو فاروق حظ في حكم السودان ما عدا علم دولتي الحكم الثنائي..
٭ كنا – السودان ومصر – مجرد مستعمرتين انجليزيتين.. وليس لمستعمرة سابقة أن تزهو على أختها إذ كلاهما في الهوا سوا.. كما يقولون.
٭ وأخذ السودان استقلاله من بريطانيا.. وكما يقول الإمام عبد الرحمن المهدي للأستاذ هيكل.. إن الانجليز جاءوا للسودان على ظهر المصريين فهل تريدني أن أترك الفارس وأتحدث إلى الحصان.. وبالطبع هذا لا يكون.. إلا من مجنون.
٭ يومان تركيان في السودان أشعلا الخرطوم وأشعلا القاهرة.. والخرطوم معذورة فلها ألف حق أن تملأ الدنيا باردوغان وتشغل به الناس.. فمالها مصر.. ان المثل السوداني الذي يقول (البحر رايق.. والقعونج ضايق) ينطبق على مسلك القاهرة ممثلاً في بعض صعاليك إعلامها.. فمن يحق لنا أن نصف الخرطوم بالصعلكة والانجراف ان هي اصغت لهؤلاء السفلة من شذاذ السلوك والآفاق.
٭ نريد أن نرفع انتاجية بلادنا من زيارة الرئيس التركي الكبير.. فلنا أوجاع اقتصادية مؤلمة بحاجة إلى أدوية تركية.. ولنا آلام وجروح نازفة في أكثر من منطقة أولها حلايب نريد من أنقرة أن تطيب الجرح الجديد القديم.
٭ وما باله الوزير (الغندور) كما ينطقها إعلام مصر يتبرأ من انضمام السودان لأي حلف من الأحلاف.. إن بقاء السودان بعيداً عن الأحلاف يدرجه في حلف عدم الانحياز.. ولا بأس أن يخرجنا من جامعة أحمد أبو الغيط.. وإنه من نكد الدنيا على العرب أن يكون أبو الغيط أميناً للجامعة العربية.. وهو الذي رهن الدبلوماسية المصرية في عهد مبارك لتل أبيب.. وأبكي يا وطني الحبيب.
٭ دعوا سفهاء الإعلام المصري يتطاولون علينا.. وليقولوا كل ما عندهم.. فكل ينفق مما عنده.. وانصرفوا رحمكم الله إلى أعمالكم.. فعندنا من الهموم ما يشغلنا عن بعض حديث العقلاء ناهيك عن نعيق السفهاء.
٭ هؤلاء شتموا تركيا.. السلطان والصولجان والباب العالي.. فكيف لا يشتمونا نحن الحائط القصير.. والجار الفقير.. والشعب الطيب.. شتموا الباب العالي.. فكيف بالبوابين.. ويا فرحة بلادي بالمساواة في أدب صعاليك السد العالي بين البوابين والباب العالي.
وكما في أدب شمال الوادي فإن «السفيه أساء للباشا»..
وعذراً تركيا وهي تروم المجد وتحطم رفرق الجوزاء ان هي أساء إليها بعض السفهاء.