خروقات وتجاوزات.القاهرة.. صناعة الأزمة و»قتامة» الرؤية نحو الخرطوم

تقرير: نفيسة محمد الحسن

انحدر الاعلام المصري الى منحى يثير الانتباه تجاه السودان… ففي احد البرامج الحوارية للاعلامي أحمد موسى استضاف «عرافة» لتفتي له عن السودان .. هذه الاستضافة وغيرها تكشف بجلاء ماهية الحملة الاعلامية المصرية المنظمة تجاه السودان .. وتحول العديد من البرامج الى مايسميه المصريون بالردحي» بعيدا عن الموضوعية واسباب الخلاف ان كان هناك خلاف في الاصل….فمصر دون مقدمات سنت سهامها تجاه الخرطوم في قضايا واضحة وهي سد النهضة الذي تشيده اثيوبيا في اراضيها وتولي تركيا ترميم احد اثارها المنتشرة في العالم ومنها السودان في منطقة سواكن.. وهي خطوة ظلت تركيا توليها اهتماما كبيرا في العالم حيث تقوم الان بترميم الاثار العثمانية في بلغاريا وفرنسا…فلماذا هاجت مصر عندما قررت تركيا ترميم اثارها بسواكن؟….

وبالرغم من توقعات المراقبين باستمرار الواقعية السياسية بين الخرطوم والقاهرة بعد تبادل الزيارات بين رؤساء البلدين إلا ان حدة التوتر بلغت مؤخراً درجة انطلاق مطالبات شعبية وتنظيمية بالغاء اتفاقية الحريات الاربع بين البلدين…حيث جاءت تلك الدعوات والغضب الشعبي بعد الممارسات والتصرفات من الجارة بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان… للسودان التي اعتبرها مصريون زيارة للتخطيط ضد الدولة المصرية …وقضية سد النهضة… بالاضافة الى بعض التسربيات الدولية بموافقة مصر على ان تكون القدس عاصمة لاسرائيل تماشياً مع القرار الامريكي…وموقف الشعب السوداني من القضية الفلسطينية ثابت ويضع القدس قمة اولوياته…حيث تداولت وسائل اعلام دولية عن موافقة مصر على ان تكون القدس عاصمة لاسرائيل وان تكون رام الله عاصمة لفلسطين .. وحسب التسريبات التي نُسبت الى ضابط مصري يدعى اشرف الخولي…تكشف عن اصدار تعليمات لمقدمي برامج مصريين تحثهم على اقناع الرأي العام المصري بقرار ترامب.. واضاف خولي ان الصراع مع اسرائيل لم يكن في مصلحة مصر الوطنية … تتعالى الاصوات هنا وهناك عقب كل أزمة بين البلدين ومطالب بتحركات محددة… كانت رسمية في اغلبها.. الا ان الموقف الحالي اتخذته جهات شعبية وتحركات لمواطنين وقادة الرأي السوداني …وبالرغم من رؤية مراقبين لاهمية استقرار العلاقة بين البلدين الا ان واقع الحال تتجاذبه الاستفهامات والمواقف…من هو صانع سياسة مصر الدولية…هل الرئيس.. ام المخابرات؟!.. وكيف تُدار؟…
تواصل شعبي.. لكن!
اعتبر العديد من المراقبين ان مواقف مصر تجاه السودان والاصرار على محاولة محاصرة السودان والتدخل في شؤونه الداخلية عبر استضافته لبعض من المعارضة السودانية بالاضافة الى ادعاء احقيته في حلايب.. ان الاشارة الى الهجوم المتكرر من الاعلام المصري.. وبينما يرى مراقبون ان استمرار العلاقات بين الشعبين امر مهم لاعتبارات ازلية لاينبغي اقحام المواطنين فيها الا ان البعض يرى ان اتفاقية الحريات الاربع لم يستفد منها المواطن السوداني عكس مايتمتع بمميزاتها المواطن المصري في السودان…حيث قال الخبير الاستراتيجي د/ يوسف بخيت ان الحريات الاربع عندما تم تنفيذها كان الهدف منها التواصل بين الشعوب من خلال حرية التملك والتنقل والاستثمار وشراء العقار.. لازالة العقبات بين الشعبين لكن ليس بها كفاءة… وقال: كان يجب ان تقوم مصر بارسال الكوادر الفنية العالية كالمهندسين والاطباء لكنهم الان يرسلون الكوادر الوسيطة كالعمال وبهذا لا نتمتع بعدالة في الاتفاقية .. متوقعا عدم استمرار الاتفاقية بعد الغضب الشعبي السوداني باعتبار ان المصريين يريدون للسودانيين ان يكونوا اتباعاً ولايستفيد السودان من الاتفاقية حتى لاتكتمل التنمية في السودان… مضيفاً ان العلاقات تمر الان بمرحلة حرجة وستسوء اكثر اذا لم تعالج بحكمة..
مخططات توسعية…
مرت العلاقات بين السودان ومصر بتعرجات كثيرة… وكانت لمصر على الدوام أطماعها التوسعية في السودان…. وعلى هذا ظلت تتدخل في الشأن السوداني… بدءاً من انتخابات الحكم الذّاتي عام 1953م إلى ما بعد الاستقلال… وعندما تم لها إعادة استعمار السودان بالاشتراك مع بريطانيا..قامت برسم حدودها بما يسمح لها بابتلاع الإقليم النوبي الذي يحتد بأسوان…وهو ما ظلت عليه الحدود عبر التاريخ….كما ظلت مصر تنظر إلى السودان على أنه ينبغي أن يكون تابعاً لها بنفس عقلية فرنسا الاستعمارية إزاء الجزائر…ويعتبر مثلث حلايب على البحر الأحمر وشلاتين نموذجاً لمخططات مصر التوسعية والاحتلالية إزاء السودان… واكد خبراء القانون الدولي ان ما ينطبق على أحدهما من الناحية القانونية ينطبق على الآخر… وبرزت الخلافات على مثلث حلايب إبان عملية الإحصاء السكاني الذي أجري في عام 2008م.. واعتبره مراقبون موقفا احتلاليا للسيادة السودانية… فقد رفضت مصر أن تسمح للسودان بدخول مثلث حلايب بحجة مصريته وعدم سودانيته ممايعد ذلك الموقف المصري «جرس الانذار» الى الخطة المصرية التي تهدف الى تمصير حلايب عبر سياسة الامر الواقع..
وجددت الخرطوم عدم قبولها بالمواقف المصرية خاصة في قضية حلايب.. وقال الرئيس البشير في عدة مناسبات رسمية ان احتلال مصر لحلايب «مؤشر خطير».. و»طعنة مصرية» تمت مع انشغال الجيش لصد تمرد الجنوب..مؤكداً امتلاك السودان للوثائق التي تثبت سودانية حلايب..مؤكداً رفض الخرطوم الدخول في حرب مع القاهرة…مع تجديد التمسك بالمضي في اتخاذ كافة الاجراءات لاثبات سودانية حلايب بما فيها اللجوء للتحكيم الدولي….
تحكيم بحري…
زاد السودان من تصعيده بعد الهجمة الإعلامية التي ظل يتعرض لها من قبل أجهزة الإعلام المصرية…حيث طلب السودان من مصر اختيار طريق التفاوض أو التحكيم الدولي، الامرالذي رفضته مصر… ما جعل السودان يلجأ إلى التحكيم البحري، وأودع السودان في مارس من العام الماضي خطوط أساس للمناطق البحرية لدى الأمم المتحدة فتسارعت مصر الايام الماضية بإيداع اعتراض لدى الأمم المتحدة على خطوط الأساس للمناطق البحرية التي اودعها السودان…
تناقض الاسس…
لم يقف الوضع على التحركات الشعبية بل اعلنت عدد من القيادات الدستورية والتنظيمية رعايتها للموقف السوداني في الاطماع المصرية وحماية السيادة الوطنية …حيث قال القائد الاعلى لجيش الحركة الشعبية جناح السلام اللواء نجيب ابنعوف ل»الصحافة» ان العلاقة بين البلدين تقوم على اسس متناقضة … مبيناً ان المصريين يعتقدون ان مصالحهم القومية تقتضى ضعف السودان عكس مايرى السودانيون ..حيث انهم يعتقدون ان مصر الحبيب الاول ويتعاملون على ذلك …ووصف ذلك بالمنظور العاطفى «حب من طرف واحد» واشار الى ان اقامة تكامل مع مصر يحتاج الى عدة متطلبات منها ادراك مصر ان الجيل الذى كان يرتبط بها من السودان انتهى ..وان ادواتها على السيطرة على السودان تضاءلت بالاضافة الى العلاقات السودانية تبنى على المصالح وان السودان هو اليد العليا كما على مصر ان تدرك حجم تحسن علاقات السودان عربيا وافريقيا…واكد مساندتهم للموقف الشعبي بالغاء اتفاقية الحريات الاربع لعدم استفادة المواطن السوداني منها…واضاف مازال السوادنيون يعانون من تعقيد الاجراءات للحصول على الاقامة بعد انتهاء مدة الستة اشهر الاولى من الدخول بينما التزم السودان بالاتفاقية نصاً وتطبيقاً.. مشيراً الى افراز الاتفاقية لعدد من السلبيات منها تطبيق الغرامة على السودانيين عند تسوية اقامتهم اسوة بالرعايا الاجانب.. واضاف ابنعوف ان السلطات المصرية تحد من تحرك السودانيين داخل مصر وتفرض عليهم الحصول على التصريح من المخابرات المصرية كالقبض على المنقبين عن الذهب بدعوى دخولهم متسللين ومازال بعضهم بالسجون مع مصادرة ممتلكاتهم واطلاق النار على بعضهم.
حراك شعبي..
ظلت العلاقات السودانية المصرية لاكثر من ثلاثين عاماً ذات طبيعة متوترة مشدودة… تبرز فيها تصعيدات سياسية خطيرة… واستفزازات إعلامية عنيفة… تتخذ فيها أدوات عسكرية في بعض المراحل… وتتخللها حرب أمنية مخابراتية مكتومة تقودها وحدة مختصة استهدفت مؤخراً بعض الاعلامبين السودانيين ومنعهم من دخول مصر… بالرغم من ان الطرف المبادر في التوتر غالباً هو الحكومة المصرية واعلامها.. الذي يعمل وفق رؤية إستراتيجية تقليدية… لم يطرأ عليها تطوير منذ الحكم الثنائي المصري الإنجليزي الذي كان يعد السودان جزءاً من مصر…وامتداداً لسياستها وعمقاً خلفياً لها… مما نتج عنه اعتبار السودان تابعاً سياسياً لمصر وحديقة خلفية لنشاطها…الا ان التحرك الشعبي الاخير الخاص بالغاء اتفاقية الحريات الاربع… واعتراف مصر بالقدس عاصمة لاسرائيل يشير الى توتر تحت الرماد…يترقب الفرصة الملائمة للخروج إلى العلن في العلاقات السودانية المصرية…