الحريات الدينية .. حقوق (إنسانية) أم ضغوط (سياسية)؟

الخرطوم: اسمهان فاروق

عصام احمد البشير

السودان ظل وسيظل يقدم النموذج في تأصيل قيم التسامح الديني وترسيخ قيم التكافل بين كافة المجتمعات السودانية ويمثل ارض هجرة لكل العالم من اجل التعايش السلمي . (التعايش الديني السائد في السودان مخالف كثيراً للنظرة السائدة في الدول الغربية)، هذا ما قاله واكده كبير اساقفة كانتربري جاستين الذي زار السودان أخيراً لافتتاح مجمع الكنيسة الاسقفية في السودان، وأضاف قائلاً: (العديد من القصص في الغرب مشوشة).. لعل ملف التسامح الديني في السودان تعرض لافتراءات يدحضها الواقع المعاش، فالسودان ينعم بتجربة نادرة ولا مثيل لها في العالم.
الخارجية تعرب عن أسفها
وزارة الخارجية الأميركية أعادت إدراج عشر دول على قائمة بلدان تشكل «قلقا خاصا» يوم الخميس الماضي بموجب قانون الحرية الدينية الدولي لانخراطها أو تساهلها مع ما وصفتها بانتهاكات صارخة للحريات الدينية من بين هذه الدول (السودان)، الا ان وزارة الخارجية السودانية اعربت عن أسفها «البالغ» لإدراج واشنطن (السودان) على قائمة البلدان التي تشكل قلقاً خاصاً بشأن الحريات الدينية. وقال بيان للمتحدث الرسمي باسم الخارجية في الخرطوم قريب الله خضر أمس الاول (الأحد)، إن هذا الإعلان يتناقض مع الإشادات التي حظي بها السودان من العديد من رموز وقادة المؤسسات الدينية العالمية أبرزهم كبير أساقفة كانتربري إضافة لمفوض الحريات الدينية بالاتحاد الأوروبي ووفد للكونجرس الأميركي. ونوه المتحدث لزيارة مفوض شؤون الأديان بالخارجية الأميركية ورئيس الكنيسة الإثيوبية الذي زار كنيسة الجالية بالسودان وامتدح مستوى الأمن والحريّة واحترام حقوق المسيحيين في السودان.
تسامح وتعايش ديني
العديد من الوفود الدينية زارت السودان اخيرا، لاسيما خلال الاحتفالات الكنسية التي شهدها العام الحالي، واكد المتحدث باسم وزارة الخارجية قريب الله ان انفتاح السودان واستقباله لعدد من الوفود يؤكد ثقة السودان واستناده لتأريخ ممتد من التعايش والتسامح بين الأديان والأعراق وحضارة عريقة عمرها آلاف السنين. وقال إن السودان يوفر لمواطنيه والمقيمين فيه واللاجئين حريات واسعة لممارسة حقوقهم وشعائرهم الدينية من خلال (844) كنيسة تتبع لها (319) مؤسسة تعليمية إضافة إلى (173) مركزاً ثقافياً وصحياً. ودعا قريب الله في بيانه وزارة الخارجية الأميركية إلى مراجعة « إعلانها السالب وإنصاف هذا البلد الذي يستضيف ملايين اللاجئين دون أن يسأل أحداً منهم عن ديانته ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية».
وأكد البيان استعداد الخارجية السودانية لـ «مواصلة الحوار حول هذا الموضوع لبيان حقائق الواقع والتجربة السودانية المميزة إقليمياً ودولياً والتي تستند لدستور للبلاد يكفل ويصون الحريات الدينية».
القرار الأميركي
القرار الامريكي الذي وصف عددا من دول العالم بانتهاكات صارخة للحريات الدينية شمل كلا من دولة ميانمار والصين وإريتريا وإيران وكوريا الشمالية والسودان والسعودية وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان باعتبارها دولا ذات أهمية خاصة. وقالت وزارة الخارجية الأميركية إنها أعادت إدراج عشر دول على قائمة بلدان تشكل «قلقا خاصا» بموجب قانون الحرية الدينية الدولي لانخراطها أو تساهلها مع ما وصفتها بانتهاكات صارخة للحريات الدينية. كما ان بيان الخارجية الامريكية قال إن باكستان وضعت على «قائمة مراقبة خاصة» بسبب ما سمته انتهاكات خطيرة للحرية الدينية. وأوضحت الوزارة أنه جرى إعادة تحديد الدول في 22 ديسمبر الماضي.
وقال مراسل الجزيرة في واشنطن فادي منصور إن إدراج باكستان مجددا ضمن القائمة يأتي في ظل توتر شديد في العلاقات بين البلدين عقب اتهام الرئيس الأميركي دونالد ترمب إسلام آباد بالتقاعس في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب والتطرف. وأضاف أن ما ورد في لتقرير يبدو خطوة إضافية من جانب إدارة ترمب للضغط على باكستان.
تدخلات أميركية
الزيارة التي قام بها نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سيلفيان في نوفمبر الماضي للخرطوم طرح خلالها عدة مطالب في باطنها بدأت انها اشتراطات لازالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقدم سيلفيان لرجال الدين (مسلمين ومسيحيين), خطة عمل وزارته للحريات الدينية في السودان، تتضمن تعديل القوانين, وحددت موادا بعينها في قانوني الجنايات والأحوال الشخصية لسنة (1991م).
الدبلوماسي الأميركي اقترح عقد مائدة مستديرة لإدارة حوار بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي بالسودان حول الحريات الدينية والتعايش الديني، وسجل زيارة نادرة لمسجد النيلين في مدينة امدرمان وجامعة القرآن الكريم حيث ألقى هناك محاضرة، عبر فيها سوليفان عن انزعاج بلاده من وضع الحريات الدينية في السودان خاصة من هدم الكنائس واعتقال القساوسة». وتعهد نائب وزير الخارجية الأميركي بدعم الولايات المتحدة للتعاون مع السودان من أجل تعزيز التسامح الديني وكفالة حرية الأديان واحترام حقوق الانسان. وقال «هذه القضايا مهمة في الحوار مع الحكومة السودانية خلال الفترة المقبلة لمنع الإرهاب والتطرف».
خطة سيلفيان
الخطة التي قدمها سيلفيان -بحسب أحد الذين شاركوا في اللقاء بمسجد النيلين في نوفمبر الماضي – شددت على ضرورة إطلاق سراح وإسقاط التهم عن المسجونين على أساس الاعتقاد الديني.
وقال سيلفيان إن خطة وزارة الخارجية الأمريكية, حددت المواد (الردة- 126، الكفر 125، الأعمال الفاضحة 152) من القانون الجنائي، ومواد رعاية الطفل والميراث في قانون الأحوال الشخصية.
الا ان السفير خضر هارون سفير السودان الاسبق بواشنطن، قال ان مسألة حقوق الانسان والحريات الدينية قضايا اممية تناقش عبر مجلس حقوق الانسان بحنيف والامم المتحدة ، و فند ما ذهب اليه المسؤول الامريكي، وقال لـ(الصحافة) في تصريح سابق ان السودان حريص على مراعاة الحقوق الدينية لذلك لا اعتقد ان المسألة تحتاج لتوجيهات من الادارة الامريكية وهي قادرة على تجاوز الاخفاقات الداخلية التي قد تحدث في بعض الاحيان، واعاب على المسؤولين ما يحدث من اخطأ ادارية بإزالة بعض الكنائس الطرفية ، ودعا لمراعاة المواطن خلال مسألة تخطيط المدن حتى لا نشوه مسألة التعايش الديني الموجودة في السودان اكثر من أي بلد اخر، واردف قائلا ربما « ربما اثار المسؤول الامريكي مسألة الحريات الدينية لوجود سفير الحريات الدينية وهو منصب بوزارة الخارجية الامريكية هو سنتور سابق كان من الصقور المعادين للسودان (سان بأون براك)، وزاد ان استصحاب هؤلاء الافراد من اجل مناقشة رفع اسم السودان من قائمة الارهاب.
خلاف حول الخطة
لقاء المائد المستديرة الذى عقده نائب وزير الخارجية الامريكي بالخرطوم بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي بالسودان جرى نقاش بين أحد القساوسة ورئيس هيئة علماء السودان د. عصام أحمد البشير حول إجراءات زواج المسيحيين، الذي اعترض على استخراج القسيمة على الطريقة الإسلامية، لكن عصام رد عليه بأن هذا يعمل به في كل العالم. وقال مصدر حضر اللقاء:(رجال الدين الإسلامي والمسيحي لم يعترضوا على خطة وزارة الخارجية الأمريكية)، وطالبت الخطة -حسب المصدر – بمراجعة سياسة الأراضي فيما يخص هدم المؤسسات الدينية، والتحقيق في ادعاءات انتهاك الحرية الدينية من قبل المسؤولين أو النظاميين وتقديم المتورطين منهم للعدالة، ودعت الخطة – حسب المصدر – إلى إنشاء آلية استشارية رسمية بين الحكومة والمجتمع المدني لحماية الحرية الدينية. وشارك في اللقاء هيئة علماء السودان برئاسة عصام أحمد البشير وأساتذة جامعتي القرآن الكريم والعلوم الإسلامية وأم درمان الإسلامية والقساوسة السودانيون بمختلف طوائفهم.
وكانت الإدارة الأميركية قد وضعت منذ يوليو الماضي ملف الحريات الدينية ضمن اشتراطاتها للتطبيع الكامل مع السودان، بعد رفع العقوبات عنه في أكتوبر الماضي.
قلق أميركي
وفي أغسطس الماضي، وأثناء عرض الادارة الامريكية تقريرا عن أوضاع الحريات الدينية لعام 2016، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إن بلاده تشعر بقلق متزايد من وضع الحريات الدينية في بعض الدول العربية.
يذكر أن الخارجية الأميركية تصدر منذ 1999 تقريرا سنويا ترصد فيه أوضاع الحريات الدينية في العالم، وهي تقول إن الهدف من تلك التقارير حمل الدول المتهمة بانتهاك الحريات الدينية على وقف ممارساتها ضد الأقليات الدينية، لكن منتقدي واشنطن يرون في ذلك وسيلة من وسائل الضغط السياسي الذي تستخدمه الولايات المتحدة .