حلايب في المشهد.«الخرطوم» واستدعاء سفيرها في مصر.. مناورة أم مواجهة ؟

الخرطوم: اسمهان فاروق

الخطوة التي اتخذتها الحكومة السودانية بشأن تجديد شكواها إلي مجلس الأمن الدولي الخاصة بمثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر، ليست بجديدة، حيث ظلت الخرطوم تجدد هذه الشكوي منذ عام 1958، ويقابلها الجانب المصري برفض التفاوض أو التحكيم الدولي بشأن المثلث الحدودي، ولكنها هذه المرة تأتي في ظل توتر ملحوظ في العلاقات بين البلدين بلغ حد سحب «الخرطوم» لسفيرها في «القاهرة» دون توضيح الاسباب.
استدعاء سفير السودان
واكتفت وزارة الخارجية السودانية في البيان الذي اصدرته ـ الاسبوع الماضي ـ بانها استدعت سفيرها عبدالمحمود عبدالحليم للتشاور، ولكن وزير الخارجية المصري سامح شكري قال في تصريح لاحدى القنوات الفضائية «الأحد» الماضي إن «الخرطوم» ابلغتهم بان استدعاء سفيرها لدي القاهرة سببه النزاع بين البلدين حول مثلث حلايب الحدودي، فيما كان تعليق وزارة الخارجية حين تداول وسائل الاعلام المختلفة لخبر استدعاء السودان لسفيره بالقاهرة ، بانها بصدد تقييم الموقف لاتخاذ الإجراء المناسب بعد استدعاء السودان سفيره.
ماذا وراء استدعاء «عبدالمحمود»
خطوة «الخرطوم» التي نظر اليها علي انها شكل جديد في احتجاجها علي التصرفات المصرية ، تجر وراءها حزمة من التساؤلات حيث ظلت الحكومة تهدد بالشكوي إلي مجلس الأمن الدولي حول أحقيتها بمثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليها مع مصر دون اتخاذ اجراء فعلي علي نحو ما حدث.
ابرز التساؤلات حول استدعاء سفير «الخرطوم» ، هل تعد قضية حلايب السبب المباشر وراء الاجراء ؟ ام انه بسبب عدد من المواقف السالبة التي قامت بها مصر ضد السودان ؟ وهل يعد سحب السفير مجرد رسالة سرعان ما تعود بعده الاوضاع الي طبيعتها ؟ ام هو خطوة ستتبعها خطوات حال عدم توصلهما الي تفاهمات حول القضايا العالقة بين مصر والسودان والتي يعد مثلث حلايب ابرزها .
مجريات الاحداث تشير الي ان مصر صعدت من لهجتها العدائية تجاه السودان بشكل غير مسبوق عقب زيارة الرئيس التركي للسودان .
وكانت تقارير اخبارية قد اشارت الي طلب وزير الخارجية المصري سامح شكري من اثيوبيا خلال زيارته لها مؤخرا بابعاد السودان من ملف سد النهضة الذي توقفت فيه المفاوضات بين الدول الثلاثة لتباعد موقف مصر التي نفت علي لسان الناطق باسم خارجيتها ما تردد عن طلبها للجانب الاثيوبي بابعاد السودان من ملف التفاوض حول سد النهضة .
تقارير اخبارية كشفت عن تحركات مصرية داخل دولة اريتريا المتاخمة للسودان علي الجهة الشرقية ، ونبهت الي ان التحركات المصرية العسكرية في قاعدة «ساوا» الاريترية مقصود بها دولتي السودا واثيوبيا.
وقبلها كانت القوات الحكومية قد ضبطت مدرعات مصرية شاركت في هجوم المتمردين علي الخرطوم في هجومهم مؤخرا علي ولايات دارفور .
حلايب في المشهد
وتشهد العلاقات السودانية المصرية توترا، ملحوظا علي خلفية عدة قضايا خلافية، أهمها النزاع حول المثلث الحدودي في حلايب وشلاتين المستمر منذ سنوات.
الاعلام المصري ما قبل استدعاء السودان للسفير «عبدالمحمود» ، كان قد شن ما يمكن تسميته بحملة اعلامية منظمة لاستفزاز «الخرطوم» كان مسرحها مثلث حلايب المحتل ،نقلت فيها صلاة الجمعه من هناك علي عدد من القنوات الفضائية المصرية وبرنامج الصباح لاحدي المدارس بجانب إعلان التوجه بشكوي لمجلس الأمن ضد السودان، وبناء مئة منزل بحلايب، وإنشاء سد لتخزين مياه السيول، وميناء للصيد في منطقة شلاتين،للتأكيد علي ان حلايب مصرية وتبع ذلك كيل الشتائم للحكومة السودانية والشعب السوداني علي نحو غير مسبوق، وهو ما يرجح ان ملف حلايب هو احد ابرز القضايا التي قادت الي استدعاء السفير السوداني من مصر وهو ما اشار اليه وزير الخارجية المصري سامح شكري .
وكان رئيس الجهاز المركزي للتعمير المصري اللواء محمد ناصر قد اعلن أنه من المقرر الانتهاء قبل نهاية ديسمبر 2017 من مشروع «430» وحدة توطين في حلايب وشلاتين، بتكلفة «68» مليون جنيه، لتوفير المسكن الملائم طبقا لعادات وتقاليد المنطقة وتنمية روح الولاء للوطن لدي الأهالي.
«الخرطوم» تحتج
وفي المقابل، تقدم السودان خطوات في ملف حلايب بخلاف استدعاء سفيره بالقاهرة ،فقد اعلنت «الخرطوم» عدم الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية الموقعة في 2016، مرجعا ذلك لمساسها بحق السودان في المثلث الحدودي، كونها اعترفت بحلايب ضمن الحدود المصرية.
رئيس اللجنة الفنية لترسيم الحدود بالسودان عبد الله الصادق كان قد اعلن إن الخارجية السودانية دعت عدة أطراف في وزارات العدل والداخلية والخارجية ودار الثقافة القومية واللجنة الفنية لترسيم الحدود «بغية تجميع أعمال اللجان السابقة حول حلايب وتحديث مخرجاتها»
وقال الصادق في تصريح صحفي إن الخارجية تسعي إلي تحريك وحسم ملف قضية مثلث حلايب، مضيفا أن اللجنة الفنية لترسيم الحدود عقدت اجتماعا تمهيديا لوضع خارطة طريق بشأن المنطقة وكيفية إخراج المصريين منها عبر الدبلوماسية. ونوه إلي أن «السودان لديه وثائق تثبت بجلاء سودانية حلايب التي تبلغ مساحتها 22 ألف كيلومتر.
امس الاول دفع المؤتمر الوطني ـ الحزب الحاكم ، بتصريح يتسق مع حالة التوتر القائمة وهو يجدد تأكيداته بأن السودان لن يتخلي عن حقوق سيادته علي مثلث حلايب، مبيناً أن أي اجراء لتغيير هوية المثلث السوداني من مصر لن يجدي نفعاً.
وقال رئيس قطاع العلاقات الخارجية بالحزب د. كمال اسماعيل في تصريح صحفي إن السودان يعمل باهتمام كبير لاسترداد أراضيه المحتلة، مؤكداً رفضه للممارسات السالبة من الاعلام المصري تجاه الشعب السوداني. وقال ان المضايقات المصرية لن تكون في مصلحة العلاقات بين البلدين، وأضاف قائلاً: لا خلاف علي سودانية حلايب وهذا متفق عليه من جميع الاطراف الدولية والإقليمية ماعدا الجهات المصرية. وشدد اسماعيل علي ضرورة عودة حلايب للسيادة السودانية وحضن الوطن، باعتبارها اراضي سودانية.
افادات مسؤول العلاقات الخارجية بالمؤتمر الوطني لا تبتعد كثيرا عن تصريحات وزير الخارجية المصري الذي اكد ان ملف حلايب وراء استدعاء سفير الخرطوم من القاهرة ،وهو ما يشير الي ان الخطوة ربما تتبعها عدة خطوات اذا لم تكن في سياق المناورة السياسية التي لم تتبعها «الخرطوم» يوما في تعاملها مع مصر .
ودعت قيادات شعبية وإسلامية وأئمة مساجد بالخرطوم الحكومة السودانية بالغاء الحريات الاربع مع مصر واغلاق الحدود ووقف كافة اشكال التعاملات التجارية ، وعدم التفريط في شبر من تراب الوطن.
وقال إمام وخطيب المسجد الكبير بالخرطوم الشيخ كمال رزق إن حلايب محتلة وما أخذ القوة لا يسترد إلا بالقوة، مؤكدا بأن حلايب موجودة في قلوب الشعب السوداني.
التحكيم الخيار الأفضل
رغم الخلاف الواضح بين السودان ومصر بشأن مثلث «حلايب» ، الا ان الامر لم يصل الي الخلافات العسكرية، ولكن في تصعيد مفاجئ حاولت «مصر» استخدام اسلحة جديدة في الصراع ضد السودان بمحاولتها استبعادها من محادثات ملف سد «النهضة»، من جهة وتكوين جبهة مضادة مع الجارة «اريتريا» من جهة اخري.
واستبعد خبراء سياسيون وعسكريون سودانيون، وقوع مواجهة عسكرية بين السودان ومصر علي خلفية الصراع الدائر علي منطقة مثلث «حلايب» الحدودي، وأكدوا أن التفاوض المباشر أو اللجوء للتحكيم الدولي هو الخيار الأفضل لكلا الجانبين.
ورأي الخبراء أن اللجوء للتحكيم الدولي، سيكون الخيار الأفضل لتحديد أحقية أي من البلدين بمنطقة مثلث « الحدودية»، فيما أشاروا إلي أنه، في جميع الأحوال، ان الوثائق الجغرافية والتاريخية «تؤكد ملكية السودان للمنطقة».
حلايب كرت ضغط
استدعاء سفير أي دولة من الدولة المضيفة يعني «احتجاج» هذه الدولة علي تصرفات الدولة «المضيفة»، و استدعاء سفير السودان من «القاهرة» يعني احتجاج «الخرطوم» علي تصرفات مصر تجاه السودان هذا ما قاله الخبير الاستراتيجي الرشيد ابوشامة لـ»الصحافة».
ابوشامة نبه قائلا « اعتقد ان السبب الاساسي في استدعاء سفير السودان من القاهرة هو حشد قوات علي حدود السودان مع اريتريا مما يعني تصعيدا عسكريا، منوها الي ان مصر نجحت في ان تدق»اسفين» بين الخرطوم واسمرا .
واضاف « يمكن للسودان ان يستخدم هذا التصعيد في اثارة قضية حلايب دوليا واثارتها ك كـ»كرت» ضغط علي مصر بفهم اذا المثل السوداني «لو جاطت سوطه»
معلوم ان الخلاف حول مثلث حلايب بين السودان ومصر، يمثل قضية قديمة لكنها تتجدد بين وقت وآخر، ربما بسبب الاختلاف الايدولوجي بين نظامي الحكم في الدولتين، وغيرها من مشاكل أخري تتعلق بالسباق المحموم بين البلدين في لعب أدوار محورية في القضايا الإفريقية»
ولكن يظل السؤال هل تمثل خطوة استدعاء السفير «عبدالمحمود» مناورة؟ ام خطوة علمية لاعادة حلايب لاحضان الوطن؟