إعادة اكتشاف الإنسان(2-2)

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

إذن يمكن الحديث عن «أوهام الوعي اليومي» بوصفها نوعا من أسطرة مزيفة لواقع ماثل بدل من تحويله إلى قيمة واضحة وجلية للتعامل، ويعني ذلك ببساطة أن الإنسان ينسج شبكات من اللاوعي المتوهم الذي يقوده إلى «حقائق» غير صحيحة بما يفضح صيرورته ويكشف عجزه ويجعله في نهاية الأمر خائرا ومجنونا حتى لو أنه لم يع طبيعة ما يعاني منه، فالكثير من الناس والمجتمعات كما تعلمون، لا تدرك حقيقة الأزمات التي تعيشها أو أنها تحيل الإشكاليات إلى أسباب غير واقعية أو لا تمت بمكمن الأزمة بصلة، أو هي تنظر إلى التحرر اللحظي ولا تتعامل بما يعرف بقانون الـ «سوبرمستقبلية» التي تعني مراجعة الأزمة من خلال النظر من نقطة بعيدة في المستقبل. وليس من داخل الأزمة في راهنها.
لكن هذا النوع من الوعي الذي يؤسس لمراجعات من البعد الزمني الاستقرائي، لا يقوم على الرغبة فحسب، إذ يتطلب استزادة معرفية وقدرة على التخيل الكبير والممنهج، وهذا يعني بدرجة معينة تنمية الخيال الإنساني، الذي هو مثله مثل أي شيء في الطبيعة إذا لم يُنم يضمحل ويذبل وينتهي إلى الموات. إن الخيال هو شجرة الحياة الإنسانية وهو كنز المعنى لمن أراد أن يجعل لحياته غاية سامية، أي أن تترادف المعاني مع المعايشات وتتطابق الصور الذهنية المطلوبة مع الوقائع مهما بدت الصورة ساذجة أحيانا. لكن ترقية الصور كذلك هو أسير بناء الخيال الأسمى.
تهمل المدارس ودور العلم بل أن طبيعة المجتمع عندنا لا تسمح ببناء الذكاء والخلاقية والتخيل السليم الذي يقود إلى المعنى، والوعي الكافي بماهية الحياة المنشودة. إن كثيرا من الناس بل أغلبهم يولدون بالاستعداد الوفير والملائم لصياغة المعنى الرائع لحياتهم لكن تنصب شباك المجتمع وأحابيل الأنظمة البالية للدولة في ترقية الوعي، ليكون البديل هو الخسارة وربما الانهيار النفسي أو الانتحار الذي قد لا يعني ممارسة فعل الموت مباشرة، بل فقدان الشهية الكافية لاستلهام جمالية العيش والحياة وغالبا ما يتم اختصار السؤال الكانطي «ما الإنسان؟» في الطاقة الحسية، في المأكل والمشرب والنوم والجنس، بل أن تلك الحاجيات نفسها لا يتم وضعها في تعريف وممارسة إيجابية بل تصبح جزءا من دوائر «الوهم اليومي».
وفيما أبعد من ذلك وهو المحفز الأساسي للحياة وطاقتها الخالدة، يظل مهملا، فالإنسان الذي لا يعرف كيف يحفز خياله وينمي وعيه لن يكون قادرا على السير أي خطوة في أي مساحة كانت، على الأقل في سؤال المعاش اليومي والسبب أن هذا الأخير هو جزء من متلازمات وليس الإشكال أو المتلازمة المركزية كما جرى تعليمنا منذ الصغر، حتى في اختيار المهن وفرضياتها ما يعوق الذكاء وطاقة الإبداع ويقود إلى مجتمع مترهل وعجول ليس له من انعتاق من الرؤى التي لا توفر سوى الضيم والظلمات، ويصبح فيه الناس أعداء ليس لهم من مسرح حقيقي للتنافس سوى على الخديعة.
إن جزءا من مفهوم اعادة اكتشاف الإنسان يتعلق بهذا المعنى الكلي سواء للذات أو المجتمع بشكل عام، وهو سؤال سيظل مستمرا ومترقيا يكبر مع خيالنا ورغباتنا ومع إحساسنا بسحر الانتماء للعالم.