الحرف العربي .. بين المُهددات والفُرص «2 -3 »

محمد خليفة صديق

يُحدد «الصكار» أسّ الأزمة حالياً في أن أجهزة الحاسوب تشوه كثيراً جماليات الحرف العربي؛ فالخطوط الموجودة حالياً هي خطوط شائهة؛ لأن الآلة المصممة لم تُصمم لتناسب الحرف العربي، كما أن الكتابة بالحاسوب تعتمد على سطر واحد أفقي، لا يُمكِّن الحرف العربي من التحرك فيه إلى فوق أو أسفل؛ فالمعضلة الأساسية هي أن الخط العربي يتطلب تصميم أجهزة قادرة على استيعاب كتابة الحرف العربي في أكثر من مستوى واتجاه.
يؤيد عدد كبير من الخطاطين المعاصرين، وجهة نظر «الصكار» في أن الحاسوب تسبب في إفساد عدد من الخطوط العربية الشائعة مثل خط النسخ، والخط الكوفي، وعدد آخر من الحروف مثل حروف الثلث والديواني. كما أن هذه الخطوط العربية بعد برمجتها وإطلاق أسماء عليها، فقدت «برأي الصكار» التنوع والرقة والفن والأصالة والتميز؛ فالأحجام المتساوية، والارتفاعات الثابتة، وتم إهدار النسب الخاصة بالحرف العربي وفقد عنصر التوازن، وتحولت الحروف الأفقية إلى حروف عرضية وسميكة، والرأسية أصبحت رفيعة وقصيرة، أما الفاء والقاف فأصبحتا بلا رقبة، أما الباء المتصلة، فهي مشكلة، وهذه الأنواع من الخط يطلق عليها النسخ المطور، أو خط بيروت.
ويرى الصكار أنه إذا كانت برمجة الحروف العربية ضرورية لاختصار الوقت والجهد، فإن إهدار جمالياتها مسألة خطيرة، تتعلق بالهوية وبالتراث العربي، حيث أصبحت تلك الخطوط غير المتناسقة، هي السائدة في الصحف والمجلات العربية اليوم، كما أصبحت النموذج العام المعروض للخط العربي.
الصحافة العربية وتشويه الحرف العربي:
يذهب الفنان محيى الدين اللباد إلى تأكيد نفس الرأي السابق، عندما يشير إلى أن خطنا العربي رشيق وجميل ومنغم ومتنوع الإيقاع، أما عناوين صحفنا أومجلاتنا فهي عناوين غريبة وغليظة، وصحفنا ومجلاتنا العربية، أصبح لها اليوم نفس الشكل، ولم تعد تتميز عن منافساتها في هيئتها، وهذه الحروف الغليظة صممها من لا علاقة له بالخط العربي، ولعله كان يقصد أن يجعل الكتابة العربية تغلب الكتابة الإفرنجية في هندستها وامتدادها الأفقي، في شكل شرائط منتظمة، ولم يكن هذا المصمم يعلم أن الإيقاع الخاص للكتابة العربية، وأن موسيقاها المميزة، يكمنان في عكس ما قصد إليه في بنية الخط وتركيباته، وفي توازنه العام وليس المباشر.
بينما يرى مسعد خضير البورسعيدي أن الخطر الحقيقي يكمن في اندثار عدد كبير من الخطوط العربية، والسبب هو اندثار الخطاطين أنفسهم، فالخط ليس مادة أساسية في المدارس، ومعاهد تحسين الخطوط قليلة جداً، وأصبح الحاسوب بديلاً عن الخطاطين في الصحف والمجلات والتلفاز وحتى في إعلانات الطرق واللافتات.
ويذهب حامد العوضي إلى أن السماح لشركات الإنتاج الغربية بتصميم وتحديد شكل أنماط الحروف العربية، هو نوع من التفريط في السيادة، ويرى أن الأنماط الجديدة من الحروف التي يزودنا بها الغرب، تأتي مجافية لروح الخط العربي. وقد جرت محاولات لابتداع تقاليع من الحروف العربية تُقلِّد اللاتينية، في إطار حملة تزعم أن اتصال الحروف العربية هو سبب تخلفنا عن الحضارة الحديثة، وقد رفض مجمع اللغة العربية تلك الطريقة في الكتابة، لأسباب متعددة منها أنها تفصلنا عن تاريخنا، وأن طريقة الكتابة جُزءٌ من هويتنا.
ويؤكد العوضي أن الخط العربي لا يعتمد على الأفقي أو الهندسي، وكذلك لا يجعل الحروف الرأسية عمودية، بل يجعلها مائلة، وكل هذا جزء من طبيعة العين الشرقية في الرؤية، كذلك فإن الفراغ داخل حروف مثل: «م، ص، ق، لا» على سبيل المثال، هو جزء من شخصية الحرف العربي، وقد وُضِع وَفق ميزان فني دقيق، وبدونه تُطمس شخصية الحرف العربي.
يرى د. محمود شاهين في كتابه «الحروفيّة العربية.. الهواجس والإشكالات» أنه لا بد من ميكنة الحرف العربي، بهدف اختصار الوقت والجهد، وهو أمر مُلح وضروري، يرتبط بتشعبات استخدام الحاسوب في حياتنا المعاصرة، لكن إهدار جماليات الحروف العربية، والتضحية بقوانينها ونظمها، فهي مسألة خطيرة لارتباطها الوثيق بالهوية والتراث العربي والإسلامي، وما لم تُحل إشكالية ميكنة الحرف العربي، فإنها تتكرس وتزداد تعقيداً مع ازدياد وتوسع وانتشار استخدامات الحاسوب في حياتنا المعاصرة، حيث صارت تعتمد عليه غالبية وسائل الاتصال البصرية كالإعلام المقروء، والمشاهد، والملصقات، والإعلانات، وأغلفة الكتب، واللافتات، حيث أصبحت هي النموذج العام المعروض والمعمول به للخط العربي، والخطورة الكبيرة تأتي من عملية تعميمها وانتشارها والتعود عليها، رغم ما فيها من أخطاء، وبشاعة، وعدم تناسق.
ضع لبنة.. مؤسسات تخدم الحرف العربي:
رغم صعوبة واقع الحرف العربي وما يكتنف مسيرته من صعاب وعقبات، فلا زالت هناك مؤسسات تسعى في سبيل بقاء الحرف العربي شامخا كألفِه، منها:
المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم «إيسيسكو»:
أولت المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم «إيسيسكو» اهتماماً خاصاً بمشروع الحرف العربي، وأفردت له موقعاً ثابتاً ضمن خطط عملها المتعاقبة على مدى الثلاثين سنة الماضية، ووضعت له أهدافاً ثابتة وأخرى استراتيجية، تتمثل في تنميط الحرف العربي وتكييفه صوتياً وتقنياً لكتابة لغات الشعوب المسلمة المتعددة، والمحافظة على تراثها الحضاري، وتنمية لغاتها وثقافاتها وتمكينها من مسايرة الثورة العلمية والتقانية، ومحاربة الأمية وفق المنظور الثقافي المتسق مع عناصر الهوية وبالحفاظ على التنوّع الثقافي.
تستند إيسيسكو في اهتمامها بمشروع الحرف العربي كما يقول د. عبد العزيز بن عثمان التويجري إلى تراث ضخم وممتد عبر التاريخ لثمانين «80» لغة من لغات الشعوب المسلمة التي استعملت الحرف القرآني، وجعلت منه رمزاً لتنوع الأمة الإسلامية في إطار الوحدة، قبل أن يقوم المستعمر في منتصف القرن العشرين، بإحلال الحرف اللاتيني محله وإبعاده بالتدريج وحصره في مجالات التعليم الديني.
وذكر التويجري أن من ثمار الجهود المتصلة التي قامت بها الإيسيسكو بالتعاون مع شركائها، وضع الأبجدية العربية الأفريقية التي أثبتت صلاحيتها، عبر الدورات التدريبية، لكتابة نحو ثلاثين «30» لغة إفريقية وآسيوية، قابلة للزيادة. وشهد البرنامج تطوراً ملموساً تمثل في حوسبة هذه الأبجدية واستحداث البرامج الطباعية الحاسوبية وبرامج تحويل النصوص من الأبجدية اللاتينية إلى الأبجدية العربية الإفريقية، واتسع المشروع ليتم في إطاره استحداث دبلومين علميين، وسيط وعال، يؤهلان الدارسين للحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه، إلى جانب استحداث كراسي علمية للحرف القرآني في عدد من الجامعات الإفريقية والآسيوية.
المجلس الدولي للغة العربية:
المجلس الدولي للغة العربية منظمة عربية عالمية تأسست في 2008م، وتتخذ من بيروت مقرا لها، ونشأ هذا المجلس بمبادرة تنادى إلى تأييدها ودعمها عدد كبير من الوزراء وأمناء المنظمات والهيئات والاتحادات العربية والعالمية الحكومية والأهلية المعنية باللغة العربية وثقافتها، ويهدف المجلس إلى الإسهام في النهوض باللغة العربية وثقافتها ونشرها وربطها باللغات المختلفة في العالم من خلال تقديم البرامج التعليمية والتدريبية والدراسات والأبحاث التقنية والعلمية وعقد وتنظيم المؤتمرات والندوات والمحاضرات والمعارض وغيرها.
من أولويات عمل المجلس التعريف بالجهود والإمكانات الفردية والجماعية والمؤسسية في مجال اللغة العربية، وتعمل مؤسسات المجلس ممثلة في الاتحاد الدولي للغة العربية والجمعية الدولية لمدارس اللغة العربية على تحقيق أهداف المجلس وبرامجه التي يتم تحديثها وتطويرها باستمرار حسب المستجدات والاحتياجات التي تظهر مع تطور عمل المجلس ومؤسساته وبرامجه ومشاريعه المختلفة، ومن ذلك عمل المجلس على تقديم البرامج التي تسهم في الاهتمام بالخط والحرف العربي في جميع الدول التي لها علاقة بالحرف العربي.
جائزة محمد بن راشد للغة العربية:
جائزة محمد بن راشد للغةِ العربية، هي إحدى مبادرات الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، للنّهوض باللّغة العربيّة ونشرها واستخدامها في الحياة العامة، وتسهيل تعلّمها وتعليمها ، إضافة إلى تعزيز مكانة اللّغة العربيّة وتشجيع العاملين على نهضتها.
وتهدف الجائزة للارتقاء باللّغة العربيّة وتشجيع المبادرات التي تسهم في تطويرها تعلّمًا وتعليمًا وتخطيطًا وفكرًا واستخدامًا، وإبراز المبادرات النّاجحة وتكريمها في فئات الجائزة المختلفة لتمكين العاملين في ميدان اللّغة العربيّة من الاستفادة منها، ونشر الوعي بأهميّة المبادرات الشّخصيّة والمؤسّسية السّاعية إلى تطوير اللّغة العربيّة، وتشجيع الشّباب وتحفيزهم للإبداع في تطوير استخدامات اللّغة العربيّة المختلفة، والتوسّع في تعريب الأعمال من ميادين المعرفة المختلفة للاستفادة من تجارب الثّقافات العالميّة، واستنهاض الوعي بكون اللغة العربية لغة المستقبل، والعمل على بلورة هذا الدور والهدف على أرض الواقع .
وفي الدورة الثالثة لجائزة محمد بن راشد للغة العربية، حصدت الجوائز مجموعة من الأعمال والمبادرات مثل: أفضل مبادرة لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وأفضل مشروع لتدريس اللّغة العربية باستخدام الوسيط الذكي «الآيباد»، وأفضل مبادرة لتعليم اللغة العربية وتعلمها في التعليم الأولي والمُبكر، وأفضل مبادرة في استعمال شبكات التواصل الاجتماعي، وأفضل مبادرة لتطوير المحتوى الرقمي العربي ونشره أو معالجات اللغة العربية.
مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية:
أُنشيء مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية عام 1429هـ تحقيقاً لعدد من الأهداف للمحافظة على اللغة العربية، ودعمها ونشرها، وتكريم علمائها، حيث يسعى لمعالجة قضايا اللغة العربية من زوايا علمية متعددة، والخروج بمشروعات علمية متعددة في خدمة اللغة العربية للأفراد والمؤسسات، كما يقيم الفعاليات والأبحاث العلمية التي تعزز قيمة الحرف العربي الذي تكتب به أكثر من مئة لغة في أنحاء العالم لا زال عدد مقدر حيا إلى اليوم، ويرجو المركز أن يسهم في إحياء بعضها أو في الحفاظ على تراثها، وأهمية تعزيز محل العربية في المنظمات الدولية، ومن خلالها، وأهمية سن الأنظمة والتشريعات الهادفة إلى الحفاظ عليها ، ومتابعة العمل على تطبيق تلك الأنظمة والتشريعات وعدم الإخلال بها.
مكتبة الاسكندرية:
تُولِي مكتبة الاسكندرية موضوع الحرف العربي اهتماما متزايدا من خلال مركز دراسات الكتابات والخطوط مع مركز المخطوطات التابعين للقطاع الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية، وقد نظمت المكتبة عدداً من الندوات والمحاضرات المهمة مثل محاضرة « الحرف العربي في كتابات ومخطوطات اللغات الإفريقية»، قدمها الأستاذ د. حلمي شعراوي؛ نائب رئيس مركز البحوث العربية والإفريقية بالقاهرة، وألقى فيها الضوء على أهمية المخطوط الإفريقي وكتاباته التي بقيت تراثا ملموساً بين يدى الأجيال المتعاقبة، حيث سُجل لهذه الأجيال تراثها بالحرف المكتوب، سواء كان الحرف من إنتاجها المباشر أم بالاستعارة خلال الاختلاط بثقافات أخرى ومن أهمها الحرف العربي.
وأكد شعراوي في محاضرته ما ظل ينكره الغرب من قيمة المخطوطات الإفريقية المدونة بالحرف العربي، والتي تعبر عن اختلاط اجتماعي وثقافي مع مركب الثقافة الإفريقية العربية في ممالك وإمبراطوريات القارة الإفريقية الواسعة. وتشهد أكثر من عشرين لغة إفريقية بهذا التراث المشترك الناتج من معارف مشتركة، إفريقية عربية، وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين الأفارقة والعرب قديًما «تراث الحرف العربي».
المعهد الثقافي الإفريقي العربي في باماكو:
المعهد الثقافي الإفريقي العربي في العاصمة المالية باماكو من المؤسسات التي تضطلع بدور كبير لإبراز قيمة اللغات الإفريقية المكتوبة بالحرف العربي، وقد أصدر هذا المعهد عددا من الدراسات منها كتاب « تراث مخطوطات اللغات الإفريقية بالحرف العربي» الذي صدر الجزء الأول منه في عام 2005، والمعهد بصدد طباعة الجزء الثاني، ليقدما معًا مخطوطات ست عشرة لغة إفريقية كتبت منذ قرون بالحرف العربي ومنها السواحيلية، والهوسا والأمازيغية وغيرها.
معهد الخرطوم الدولي للغة العربية:
معهد الخرطوم الدولي للغة العربية هو أحد أذرع المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة «ألكسو»، أنشىء في عام 1974م، وهو معهد عالٍ، يمنح درجات الماجستير والدكتوراه في اللغة العربية للناطقين بغيرها، وقد نوقشت في هذا المعهد أكثر من 30 رسالة ماجستير في موضوعات متعلقة بالحرف العربي، وعقدت في معهد الخرطوم الدولي للغة العربية عدد كبير من الندوات المتخصصة في الحرف العربي، مثل ندوة كتابة لغات شرق إفريقيا بالحرف العربي في عام 1989م.
وأدخل المعهد ضمن مقرراته في مواد ماجستير اللغة العربية للناطقين بغيرها مادة «كتابة اللغات بالحرف العربي»، كما شارك معهد الخرطوم الدولي للغة العربية – بوصفه الجهة الفنية للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «ألكسو» – في اجتماعات اللجنة الفنية التي تشكلت من إيسيسكو والبنك الإسلامي للتنمية ومعهد الدراسات والأبحاث للتعريب في بداية عملها في الثمانينيات للنظر في مقترحات الحرف العربي الذي تكتب به اللغات الإفريقية.