قصة قصيرة المَخَــاضُ الأَخِيــرُ

أمنة الفضل

تنَفْسُ الصَّبَاحِ فِي قريةِ العُمْدَةِ الصَّغِيرةِ النَّائيةِ، لكن سَلْمَى لَمْ تَزَلْ تُغَازِلُ ما تَبَقَّى مِن أَحْلامٍ فِي دهاليزِ عالَمٍ آخرٍ، بَيْدَ أَنَّ ضَجِيجَ الواقِع سُرْعَان مَا بَاغَتَ سُكونَ أَحْلامِهَا المَخْمَلِيَّةِ؛ فَحَمَلَتْ جَسَدَهَا الهَزِيلَ بِخَطَواتٍ بطيئةٍ وعينين مُثَقَلَتَين بِالنُّعَاسِ نَحْوَ الصَّوتِ؛ لِتَجِدَ جَدَّتَهَا أُمَّ الحَسَن بِوَجْهِهَا الأَسْمَر، يَزْدَحِمُ بِالتَّجَاعِيدِ، التِي أَحَالتْ مَلامِحَه إِلى خَارِطَةٍ زَمَنِيَّةٍ لِعُمْرٍ يُنَاهِزُ السَّبْعِين عامٍ، لكنها لا تَزَالُ هِي ذاتُ المَرْأَةِ التِي تَهَابُهَا كُلُّ نِسَاءِ القَرْيَةِ لِصَرَامِةِ شَخْصِيَتِهَا، ولسانِهَا اللاذِعِ. قَالتْ فِي غَضَب:
– حَتَّى أهل الكَهْفِ أَفَاقُوا مِنْ سُبَاتِهِمْ وأنتَ مَا زِلْتِ تَتَقَلَّبِين عَلى فِرَاشِكِ أَيَّتُهَا الكَسُولَة. أَتَعْرِفِين يا سَلْمَى أَنَّنِي حِيْنَمَا كُنْتُ فِي مِثْلِ سِنِّكِ كُنْتُ قَد أَنْجَبْتُ أَبَاكِ، وحُبْلَى بِعَمَّتِكِ زينب، أوه يَا لَغَرَابَةِ أَوْلَاد هذا الزَّمَان؛ لَيْسَ لَدَيهم أَدْنَى استعداد لِتَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ، فقط يَبْرَعُون فِي اللَعِبِ بِالهَاتِفِ، ومُشَاهَدَةِ التِّلْفَازِ.
رَمَقَتْهَا بِنَظْرَةٍ سَاخِرَةٍ، تَرجَّلَتْ بَعْدَها إِلى الدَّاخِلِ خَطْوَة إِلى اليمينِ وثَلاثَة للخَلْفِ، مُتَكِئَةً عَلَى عَصَاهَا ذاتِ النُّقُوشِ الأَثَرِيَّةِ التِي وَرِثَتْهَا عَنْ أَبِيها العُمْدَّةِ، والتِي تَلْتَفُّ حَوْلَها كَثِيرٌ مِن الحكاياتِ ما بَيْنَ الخُرَافَةِ والحَقِيقَةِ، لكن الجميعَ كَانَ يَتَفِقُّ عَلَى أَنَّهَا مَصْنُوَعةٌ مِن خَشَبِ الأَبَنُوسِ الأَفْرِيقِيّ يُحَاكِي فِي لَوْنِهِ بِشْرَتِهَا السَّمْرَاء؛ مِمَا يُشْعِرُكَ بِالتَّنَاغُمِ بَيْنَهَا وتِلْكَ العَصَا النَّادِرَةِ.
جَلَسَتْ عَلَي المَقْعَدِ الذِي بِجَانِبِ المَدْخَلِ، وهِيَ تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا بِصعُوبَةٍ ، وتُنَادِي :عَواطِف.. أَلَا يُوجَد لَدَيكِ شَئَ أُرَطِّبُ بِهِ مَا جَفَّ مِنْ حَلْقِي؛ مِنْ طُولِ الطَّرِيقِ إِلى بَيْتِكِ.
اِجْلِسي بِجوارِي يَا سَلْمَى واخْبِرينِي عَنْ وَالدِكِ هَلْ هُوَ بِخَيْرٍ؟ أَلَمْ يَحِنْ الوَقْتُ لِعَوْدَتِهِ لِبَلَدِهِ بَعْد؟ لَمْ يَعُدْ والدُكِ كَمَا فِي السَّابِقِ؛ لَمْ يَتْصَلْ بِيّ مُنْذُ شَهْر، لَقَد نَسِى أُمَّهُ تمَامَاً؛ فَقَد غَيَّرَتْهُ أُمُّكِ، أَرَادَتْهُ أَنْ يكونَ لَهَا وَحْدَها وَقَد كَاَنَ. لَمْ تَسْتَطِع سَلَمْى إِخْفَاءَ ضَجَرِهَا مِنْ حَدِيثِ جَدَّتِهَا، لكنهَا لَمْ تَتَفَوَّه بِكَلِمَةٍ، اِكْتَفَتْ بابتسامةٍ طَفِيفَةٍ، لَمْ تَفْهَمْهَا الجَدَّةُ، لكنَهَا اِتَّجَهَتْ بناظِرَيها نَاحِيةَ عَواطِف التِي جَاءَتْ تَحْمِلُ كَوْبَاً مِنْ العَصِيرِ، وَضَعَتْهُ أَمَامَهَا، وقَاَلَتْ :كُنْتُ مُنْهَمِكَةً فِي تَحْضِيرِ بَعْضِ الزَّلابيةِ لِمَنْزِل تَحِية فَهِيَ تَشْكُو آلامَ المَخَاضِ مُنْذ الفَجْرِ.
بِنَبْرَةٍ سَاخِرَةٍ قَاَلتْ: أَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ المَرْأَة تُنْجِبُ حَتَّى الآن؟ لَمْ يَتَبَقَ لَها إِلا أَنْ تُنْجِبَ أَمْعَاءَهَا تِلْكَ المَاكِرَة.
لَمْ تَسْتَطِعْ عَواطِف مَنْعَ نَفْسِهَا مِنْ الضَّحِك؛ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَسْقُطَ لَوْلَا أَنَّهَا تَشَبَّثَتْ بِالطَاوِلةِ التِي بِجِوارِهَا، ثُمَّ قَاَلتْ: تِلْكَ مَشِيئَة اللهِ .
– لَكِنّها يَا عَواطِف مُنْذ أَنْ أَتَتْ عَروساً إِلى القَرْيَةِ لَيْسَ لَهَا عَمَل سِوى إِنْجَاب الإِنَاثِ، فَقَد هَلِكَ أَخِي مِن طَلَبَاتِهِنّ التِي لا تَنْتَهِي، وثَرْثَرَةِ أَهْلِ القَرْيَةِ. أَلَمْ تُبصري بِنَفْسِكِ كَيْفَ أَصْبَحَ ضَعِيفَاً هَزِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ صَوْتُه يُرْعِبُ الجَمِيعَ وخطواتِهِ تَهُزُّ مَا تَحْتَه مِنْ أَرْضٍ ثَابِتَةٍ، أووه فَقَد وَلَّى ذَلكَ العَهْد بِحُضورِ هَذِهِ الأَفْعَى.
تَوارَتْ سَلْمَى دَاخِلَ الغُرْفَةِ سَرِيعَاً، بَيْنَمَا كَانَتْ جَدَّتُهَا مَشْغُولَةً بِالحَدِيثِ. جَاءَتْ بَعْدَهَا مُرَتَّبَةَ الهِنْدَامِ لِمُرَافَقَةِ عَواطِف إلى مَنْزِل تَحِيّة التِي لَمْ تَسْلَم مِنْ لِسَانِ جَدَّتِهَا حَتَّى أَثَارَ حَدِيثُها غَضَبَ عَواطِف والتِي اِنْتَفَضَتْ مِن جَلْسَتِهَا فِي ضَجَرٍ قَائلةً: ما رأَيكِ فِي تَنَاولِ بَعْضِ الزلابيةِ؟
– لا بَأْس فِي ذَلك؛ فَلَنْ أَستطِيعُ مُشَارَكَتِها مَعَ أُولئك النِّسْوَة المُصْطَّفَات كالنَّمْلِ فِي بَيْتِ تَحِيّة؛ لِيشْهَدنَ مَوْلِد أُنْثَى أُخْرَى، يَا لَهُنَّ مِنْ بَائساتٍ أَلَا يَجِدْنَ مَا يَفْعَلْنَهُ بَدَلاً مِنْ ذَلك؟
ودُونَ أَنْ تَتَفَوَّه بِكَلِمَةٍ غَابَتْ عَواطِف لِبُرْهَةٍ. عَادَتْ وبَيْنَ يَدَيهَا طَبَقُ الزَّلَابِية السَّاخِنَة، والتِي لَمْ تَسْتَطِعْ الجَدَّةُ مُقَاوَمَة شَهِيَّتها العالية فِي اِلتِهَامِهَا حَتَّى آخر قِطْعَة مِنْهَا، اِبْتَسَمَتْ بَعْدَها قَائلَةً:
أَدْرِكُ تَمَامَاً أَنَّكِ مَاهِرةٌ فِي الطَّبْخِ؛ لِذَا أَنْتِ الوحِيدَة مِنْ بَيْن نِسَاءِ أَوْلَادِي التِي أَتَنَاولُ عِنْدَها الطَّعَامَ دُونَ خَوْفٍ مِنْ أَنْ يُصِيبَنِي أَلَمُ المَعِدَةِ.
أَبْطِئنَ قَلِيلاً؛ لقَد بَدَأْتُ أَفْقِدُ تَوازُنِي، وقَدَمَاي لَمْ تَعُدْ تَحْتَمِلُ ثِقَلَ جَسَدِي، لَكِنَّنِي لا أَسْتَطِيعُ الجُلوسَ كَالمَنْبُوذَةِ فِي بَيْتِي، أَلْمَحُ نَظْرَةَ الشَّفَقَةِ مِنْ الآخرين، حِينَها أَمْسَكَتْ سَلْمَى بِيَدِهَا وهُنَّ فِي الطَّرِيقِ إِلى مَنْزِلِ تَحِيّة. أَطَالَتْ حَاجَّة أُمّ الحَسَن النَّظَرَ إِليها، واِسْتَطْرَدَتْ قائلةً:
لَقَد كَبُرتِ يَا سَلْمَى وصِرتِ عَرْوساً! ثُمَّ أَرْدَفَتْ: أَلا يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَزُورَ أُمَّ عُثمان؛ فَقَد عَادَ اِبنُها مِن السَّفَرِ بَعْدَ سنواتٍ طَويلةٍ قَضَاهَا فِي الغُرْبَةِ؟ لَكِن إِلحَاح عَواطِف عَلَى مُواصَلَةٍ الطَّرِيقِ إِلى بَيْتِ تَحِيّة مُتَعللةً بِقَسْوةِ أَلَمِ المَخَاضِ، وغَدْرِه كانَ أَسْرَع مِن خَطَواتِ الحَاجَّة أُمّ الحَسَن، والتِي قَالَتْ فِي سُخْرِيّة: تَبَّاً لكِ، ولها. هَلْ أَدْمَنْتِ مُشَاهَدَة مُسَلْسَلها الذي لا يَنْتَهِي فِي إنجابِهَا للإناثِ، لَقَد أَنْجَبَتْ خَمْسَ عَشْرة بِنْتَاً، ولَمْ تَشْكُ مِنْ شَئ؛ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْهَضُ كَمَا القِطَّة، وتُعَاوِدُ الكَرَّةَ مِنْ جَدِيدٍ.
لَمْ تَتَفَوَّه عَواطِف بِكَلِمَةٍ، وشَدَّتْ سَلْمَى بِقُوَّةٍ مِنْ يَدَيهَا، وتَوَّجَهَتَا إِلي مَنْزِلِ تَحِيّة فِي خَطَواتٍ سَرِيعَةٍ رَغْمَ مُحَاولة سَلْمَى فِي الإِبْطَاءِ؛ لِتَتَوافَقَ خَطَواتُها مَعَ جَدَّتِهَا لَكِنّ عَواطِف هَمَسَتْ إِليها قائلةً: لا أَحد يَتُوه عَنْ بَيْتِ العُمْدَة يَا ابنتِي.
كانَ مَنْزِلُ تَحِيّة يَزْدَحِمُ بِالنِّسَاءِ اللائي لَمْ يَتْعَبْنَ مِنْ النَّظَرِ إِلى سَلْمَى وسُؤَالَها عَنْ والدِهَا، وكَيْفَ أَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ حَتَّى الآن، لَمْ تَسْتَطِعْ سَلْمَى لَحْظَتَهَا الهُروبَ مِنْ حِصَارِ أَسْئلتهِنَّ حَتَّى اِنْبَعَثَتْ مِنْ دَاخِلِ غُرْفَةِ تَحِيّة صَرْخَةٌ شَدَّتْ اِنْتِبَاهَ أُولئكَ النِّسْوَة فَهَتفْنَ فِي صَوْتٍ واحدٍ «تَحِيّة « فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ تَرَجَّلَتْ الحَاجَّة أُمّ الحَسَن إِلى الدَّاخِلِ؛ فَأَفْسَحْنَ لها الطَّرِيقَ دُونَ أَنْ تَطْلُبَ ذَلكَ، ثُمَّ سَأَلَتْ إِحْدَاهُنَّ فِي فُتورٍ: أَلَمْ تُنْجِبْ حَتَّى الآن؟ نَظَرَتْ إِليهِنّ واِسْتَطْرَدَتْ قائلةً: يا لَكُنَّ مِنْ نِسَاءٍ سَاذَجَاتٍ تَجْتَمِعْنَ كُلَّ مَرَّةٍ لِتَشْهَدْنَ مِيلادَ عَارٍ جَدِيدٍ يُطَوِّقُ عُنْقَ أَخِي مُوسى، وتِلْكَ الأَفْعَى لَا تَهْتَمُّ سِوى بِتَكَوُّرِ بَطْنِهَا كُلّ عَامٍ، ولَفْظِ أُنْثَى جَدِيدة تَزْدَادُ مَعَها الهُمومُ وعَدَدُ الشَّيْبِ بِرَأْسِ أَخِي مُوسَى. ثُمَّ حَمَلَتْ ثِقَلَ خَطَواتِهَا إِلى غُرْفَةِ تَحِيّة، وأَخَذَتْ تَتَحَدَّثُ إِليها فِي سُخْرِيّة: تَبَّاً لَكِ يَا امرأة أَلَا تَتْعَبِين مِنْ إِنْجَابِ الإنَاثِ فِي كُلَّ مَرَّةٍ تَحْشِدين فِيها النِّسَاءَ؛ لِيَشْهَدْنَ عَلَى خَيْبَةٍ جَدِيدةٍ عَلَى يَدَي تِلْكَ القَابِلَة المشؤومة، أَخْبَرْتُكِ أَنْ تَحْضِري واحدةً أُخْرَى رُبَّمَا جَاءَ عَلى يَدَيهَا الولدُ.
رَغْم الأَلَم الذِي كَانَتْ تَشْعُرَ بِهِ تَحِيّة فِي تِلْكَ اللحظاتِ نَظَرَتْ إليها، وبِصَوْتٍ مُتَقَطِّع مُرَدِدَّةً : كُلُّهُ بِيدِ اللهِ، ولَمْ يَنْقَطِعْ صَوْتُ أَنِينِهَا، وأَنْفَاسِهَا المُتَصَاعِدَة، والتِي كَانَتْ مَصْحُوبةً بِكَلِمَاتٍ لَمْ يَفْهَمْهَا أَحَد، لَكِنَّها كَاَنتْ آخر مَا تَفَوَّهَتْ بِهِ قَبْل قُدومِ مَوْلُودِهَا الذِي جَاءَ إِلى الدُنيا بِصَرْخَةٍ أيْقَظَتْ حَاجَّة أُمّ الحَسَن مِنْ غَفْوَتِهَا مَذْعُورَةً: هَلْ مَاتَتْ تَحِيّة؟
رَدَّتِ القَابِلَةُ: إِنَّهُ صَوْتُ المَوْلُودِ.
– إِذَنْ هِي لَمْ تَمُتْ يَا لَهَا مِنْ اِمْرَأَةٍ مَحْظُوظَة!
جَاءَ صَوْتُ تَحِيّة هَزِيلاً بَيْنَمَا كَانَتْ تَتَصَبَّبُ عَرَقَاً، وعَيْنَاها غَارِقَتَان بِدُموعٍ خَالَطَتْهَا أَحَاسِيسٌ كَثِيرَةٌ: أَلَا تُحِبِّين رؤيةَ الصَّبِي يَا حَاجَّة؟
-كان وَقْعُ تِلْكَ الكَلِمَات كَالصَّاعِقَةِ عَلَى حَاجَّة أُمّ الحَسَن؛ فَتَسَمَّرَتْ فِي مَكَانِهَا، وأَخَذَتْ تَنْظُرُ للنِسْوَةِ فِي دَهْشَةٍ، أَدَارَتْ وَجْهَهَا إِلى القَابِلَةِ، وحَمَلَتْ الصَّبِي بِلَهْفَةٍ كَبِيرَةٍ. ظَلَّتْ تَنْظُرُ إِليهِ، والفَرْحَةُ تَسْبِقُ أُنشودَتَها التِي هَمَستْ بِهَا فِي أُذْنِهِ، تَنَاثَرَتْ مَعَها الكَثِيرُ مِنْ الدُّموعِ عَلَى خَدَيها الغَائرَين؛ فَلاَحَتْ مَلامِحُ الوَجْهِ الذي يختبئ وَرَاءَ تِلْكَ الصَّرَامَة التِي تَعَوَّدَ عليها الجَمِيعُ، فَقَد بَدَتْ فِي تِلْكَ اللحظة اِمْرأَةٌ أُخْرَى، مُرْهَفَةُ الحِسِّ، وقَلْبُهَا يَعِجُّ بِالعَطْفِ، ضَمَّتْ ابنَ أَخِيها إِلى صَدْرِهَا بِفَرَحٍ وسَعَادَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مَسْمُوع تُصَاحِبُه نَبْرَةُ اِفْتِخَارٍ:
« يا دوب ضهرك انطلق يا موسى أخوي « يُمْكِنُكَ الآن أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَكَ للسَمَاءِ بِكُلِّ اِعْتِزَازٍ دُونَ أَنْ تُلاحِقُكَ نَظَرَاتُ أَهْلِ القَرْيَةِ، وهُمْ يَتَهامَسُون بِعَدمِ مَقْدِرَتِكَ عَلَى إِنْجَابِ الذُّكُورِ ، الآن سَتَغُورُ أَصَواتُهم إِلى دَاخِل حَنَاجِرِهِمْ وسَتَطْفِئُ نَظْرَتُكَ وَهَجَ أَعْيُنِهِمْ، ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ إِلى النِّسَاءِ، وقَاَلتْ بِصَوْتٍ جَهُورٍ: لِمَ لَا أَسْمَعُ صَوْتَ الزَّغَارِيدِ يَهُزُّ المَكَانَ؛ هَلْ أَصَابَكُنَّ الخَرَس فَجْأَةً، هذا اِبن العُمْدَة أَيّتُها الحَمْقاَوات، فانطلقتْ أَصْوَاتُ النِّسْوَةِ بِالزَّغَارِيدِ التِي أَشْفَتْ غَلِيلَ حَاجّة أُمّ الحَسَن بَعْدَ عَهْدٍ مِنْ إنْجَابِ الإنَاثِ .
ووَسَط دَهْشَة الجَمِيع، وفَرْحَتهم حَمَلتْ اِبْن أَخِيهَا، وأَخَذَتْ تُرَدِدُّ بِأَعْلَى صَوْتِهَا:
«يَا عُمَّار البلد العُمْدَة مُوسى جَابَ الولد! « .