حوار مع الفنان التشكيلي ماهر محمد أحمد «كانو»:من لا يقرن الموهبة بالدراسة شأنه شأن الإبل تدور لتعصر البذر، وعلى عينيها عصابة، حتى لا ترى أنها تدور في حلقة مفرغة

حوار – أحمد عوض

الفنان التشكيلي الشاب ماهر محمد أحمد «كانو» من شباب التشكيليين السودانيين الذين يقدمون عملا فنيا لافتا،وقد برزت أعماله الفنية في عدد من المناسبات المختلفة منها جوائز افرابيا لعامين ومهرجان النخيل بالاضافة الي عدد من المسابقات الفنية علي مستوي العالم «الملف الثقافي» إلتقي به في حوار حول عدد من القضيا الفنية والتشكيلية، منها المؤثرات الثقافية والبيئة في تجربة الفنان،واثر الجانب الاكاديمي في تجربته، كما قدم رؤاه للعمل الفني وماذا تعني لديه المسابقات كما تعرض لجوانب اخري تتعلق بالتشكيل والنقد الأدبي والفني والأدوات التي يمكن بها تحليل العمل الفني والأدبي فكان هذا الحوار:

ماهي المؤثرات الثقافية والفنية التي شكلت لديكم رؤية الفنان وبرزت عبرها فنانا تشكيليا له إسهاماته في المشهد السوداني؟
– لا شك أن الأثر الأكبر الذي يشكل الوجدان هو مسقط الرأس الذي يرتبط بالتنشئة، ينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه، أبوه هنا ليس الأب البيولوجي الوالد، ولكن المقصود هنا الأب المربيِّ والبيئي والجغرافيّ والتاريخيِّ والمجتمعي، فقد كانت نشأتي الأولى وميلادي في أعرق مدينة سودانية تاريخاً ومعتمداً وفناً، منطقة جبل البركل، حيث كانت المدينة التي منها حكم السودانيون مصر، حتى جنوب سوريا وفلسطين، وهي المنطقة التي أسست للشعر السودانيِّ لونية سادت أوساط المثقفين والسياسيين، «حميد، ود بادي، محجوب شريف، عاطف خيري، أزهري محمد علي، أسماعيل حسن، قاسم أبو زيد…» أضف إلى ذلك دراستي بمدرسة الخرطوم الثانوية القديمة ثم كلية الفنون الجميلة و جامعة الخرطوم كلية الدراسات العليا آداب بالإضافة إلى الثقافة عن طريق الإطلاع والتفكير الإبداعي والجمالي في المكونات الثقافية للمجتمع السوداني وإدارة حوار ثقافي ذاتي مع تلك المكونات والعناصر للوصول إلى فكرة ما لتصبح بعد ذلك صورة .
* الفنان ينشأ بموهبة فطرية ومن ثم تصقله الدراسة والمعرفة ما الإضافة الاكاديمية التي قدمتها لك دراسة الفنون الجميلة؟
– الموهبة عطية إلهية نستطيع جلبها ولا نستطيع دفعها عنا، فالذي لا يقرن الموهبة بالدراسة يكون شأنه شأن الابل التي تدور لتعصر البذر، وقد وضعت على عينيها عصابة، حتى لا ترى أنها تدور في حلقة مفرغة. الشاهد أن الموهوب الذي يهمل الدراسة النظرية الموازية للعملية الأبداعية يجهد نفسه في المنتوج الفني دون المعرفة بقيمة العمل الفنيِّ التي ترشده الى طريق التميز والنجاح مما ينتج عنه مبدع بلا بوصلة،أما نظرتي لمنتوجي تقدم خطوات إلى الأمام. ولكنها في رأييِّ لا تعدو أن تكون خربشات على شاطئ رمليِّ.
.. لقد حصدت عددا من الجوائز في مجال التشكيل فهل انت فنان صائد جوائز ام ان الجوائز الفنية شئ ضروري للفنان؟
– الجوائز ليست مقياسا للتفاضل بين المبدعين أنا أعتقد ان المبدعين لا تقاس مقدراتهم بالتفاضل وإنما بالتباين، الفنان محمد الأمين ليس بأفضل من محمد وردي، كما ليس العكس، ولكن الاثنين يباينان بعضهما ويضيفان للتجربة الموسيقية واللحنية و الجمالية عناصر ثراء، ولكن هذا لا يعني أن كل من مارس الفنون ينتج فناً جيداً، بالنسبة للمعايير التي يتحرك فيها الناقد والمحكم للعمل الفنيِّ تقتضي اصطحابه للعناصر الجمالية والاستاطقية لروح العصر، حيث يعزز كل عصر مفاهيم جمالية يتنجها لسياقه الزمني وقد تستلف بعض المفاهيم من سياقات مختلفة. أما عندما يتوصل المبدعون درجة الإجادة والإلمام بقيمة العمل الفني، هنا تتدخل الذائقة والميول الذاتية للمحكم الذي يختار الفائزين بناء على الميول، لما كان لابد من فائزين يأتي الترتيب وهذا لا يعني أبدا ان من فازوت هم وحدهم الجيدون،فحتي من لم يحالفهم الحظ جيدون ولكن تبقي مسألة الذائقة الفنية للتحكيم.
أعتقد ان المسابقات والجوائز تفتح شهية المبدع وتدفع بعجلة الإنتاج وتضخ الثقة في النفس، لذلك تجدنيِّ مشاركا في معظم المسابقات على مستوى السودان، قد حالفني الحظ والتوفيق الإلهيِّ فتحصلت على:الجائزة الأولى لمسابقة خليفة للتمور 2017م،الجائزة الأولى لمسابقة الشباب العربي والافريقي عامي 2015 و 2016،الجائزة الأولى لمسابقة وزارة الطاقة 2014م،الجائزة الثالثة لمسابقة وزارة الثقافة 2006م،الجائزة الثالثة لمسابقة تصفيات اولمبياد بكين السودان 2008م،الجائزة الخامسة لمسابقة المجلس القومي للثقافة والفنون 2007م.
ما هو إسهام الفن التشكيلي في تقييم الإضافة الجمالية،حتي يظهر ذلك في المنتج الثقافي من تصميم وبناء وانشاء وتصنيع؟
– التشكيل ليس كما يعتقد البعض، شخبطة بالألوان، إنما هو مفردات تأخذ من ثقافة المجتمع وعاداته ومعتقداته وأعرافه وثقافتهم المادية والشفاهية وتمزج بالرؤى الأسلوبية والفكرية للمبدع ثم تعود للمجتمع أو الإنسانية بعد الباسها لباس الخصوصية. أو كما قال حميد لأهله: «الشعر ده ياهو كلامكم زاتو أخدناهو منكم بالقطاعيِّ ورجعناهو ليكم بالتماميِّ، دحين سامحونا على التقصير». أو كما قال الطيب صالح لأهله عندما قالوا له: «والله كلامك الفي القصص ديل نحن زاتنا بس فيهو شوية لولوه ا شوية». فرد الطيب صالح: «اللولوه دي ياهو الفن ذاته». فلاشك أن اتساع السودان وتنوع مناخاته وإثنياته وثقافاته المختلفة هو خير معين يستقي منه المبدع التشكيلي اما روائي أو الموسيقي …الخ.
الفنون والآدب ماهي الإ أوعية أدوات ووسائل لحمل الأعراف والأفكار والأحاسيس، لذلك ظهرت تيارات فكرية حول موضوعية الفن، هل الفن من أجل الفن؟ أم من أجل المجتمع؟
– قال تعالى: «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ». فنرى أن الله سبحانه وتعالى ذكر الشكل والمضمون فنجد أن الجمال والزينة قد تم تقديمهما على الوظيفة وهي رجم الشياطين، ونجد في آية أخرى أن الوظيفة قد تم تقديمها على الجمال «وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً…» وهذا التناوب في التقديم والتأخير يجعلنا نسلم بضرورة القيم الجمالية في كل ما ننتج من أعمال، صناعة، تشييد، معمار وطراز المدينة. أما عدم ظهور تلك اللمسات الجمالية على أرض الواقع، أنا أعتقد أن هندسة المعمارية في الدول المتقدمة تتبع إلى كلية الفنون الجميلة الشيء الذي يجعل من الخريج المعماري ملما الإلمام الكافي بأسس تكوين الصورة ذات البعدين وذات الثلاثة أبعاد، الشيء الذي يمكنه من إخراج عمل إبداعيِّ وليس عملا صناعيِّا أو حرفيِّا. زد على ذلك تغيب المبدعين على أساس أيديولوجي وفتح المجال أمام الكوادر الضعيفة وجهل الدولة في إرساء قيم الحق والخير والجمال .
*نجد ان لديكم ايضا محاولات جمالية وقراءات نقدية للآداب بجانب الفن والتشكيل كيف تنظر للنص الادبي المكتوب وما هي الادوات؟
-أنا أفتكر أن جميع الأجناس الفنية والأدبية هي تستقي من معين واحد، لذلك يمكن أن تفسر وتحلل بنفس الأدوات مع مراعاة بعض الفروقات الطفيفة بين أصحاب المناهج التي تؤسس على الصوت اللغويِّ والصوت النغميِّ أو اللحن وفنون الأداء والصورة. ولكن إذا قمنا بتفكيك العناصر المكونة للعمل الفني في اشكاله وأجناسه المختلفة نجدها تتحمور حول الزمن والمكان والشخوص والحبكة والموضوع والذروة والحل أو الإنفراج والحبكات الجانبية والتركيز والتماهي و…، فنجد أن تلك العناصر المكونة للعمل الفني تظهر في جنس فني وتظهر في آخر ولكن تحت مسميات أخرى مع الأخذ في الاعتبار آراء النقاد اللغويين أمثال امبرتو إيكو في سميائياته وإقراره بوجود فوارق بين النظام يظل هنالك ثمة خيط رفيع يجمع بين أجناس الفنون دراسةً وتحليلاً. أما منهجيِّ في التحليل فهو المنهج المتداخل الذي يأخذ من كل المناهج اللغوية والاجتماعية والنفسية …الخ. للنقاد داخل العمل الفني استناداً على أراء الكثير من النقاد، من بينهم «جنيت» الذي تحدث عن دراسة الأجناس المتداخلة كجنس فني واحد، وهي الضرورة التي تقتضيها التغيرات الأنية، حيث صنف الجنس المتداخل على أنه جنس جديد يستقي من معيارية الأجناس المبوبة. وهنا ينبغي لنا الإقرار بضعف المناهج النقدية التي تتبع لتفسير وتحليل الأعمال الفنية والأدبية ولا تسبق إنتاجها، مما يشكل إجحافاً في حق المبدع والمنتوج المبتدع. لا سيما أن الرواية جمعت الكثير من الأجناس والمسرح والسينما.
* اخيرا ما هي المشاريع الفنية المستقبلية لك كفنان تشكيلي؟
– مشاريعي المستقبلية ربما يؤثر في خروجها إلى المتلقي تلك الظروف غير الملائمة اقتصادياً وعوزاً يمر به المبدعون، مما جعل المبدع يفكر بخلق حياة كريمة تخرجه من الكفاف. أما على صعيدي الشخصي فلم أتفرغ إلى الآن بإقامة معرض فردي ولكن لي فكرة جادة بالاعتزال من التشكيل على مستوى المعارض والإكتفاء بالتسابق والدخول في حالة بيات شتويِّ للظروف أعلاه.