صراع السلطة والمهنة

(1)
بسم الله مرساها ومجراها نبدأ اليوم رحلتنا مع كتاب (الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة)، الذي رفد به المكتبة السودانية نهاية العام الماضي حبيبنا الصحافي المحترف والاستاذ الجامعي الدكتور عبد المطلب صديق. وهو كتاب جُمعت مادته من مصادر متعددة ومتنوعة ،من بينها مؤلفات قديمة، وصحافيين عاصروا الأحداث وعايشوها وشاركوا في صنعها.
يتضمن الكتاب عرضاً لفجر الصحافة السودانية وضُحاها، ولصحافة الانقاذ ومؤسساتها، ثم مقارنات للصحافة بين جيلين، وتوثيقا للصحافة الحزبية. يقول المؤلف: (وقد اردت لهذا الكتاب ان يكون توثيقاً لتاريخ الاشخاص، لا تاريخ المؤسسات، كما جرت العادة). وتمتد فترة التوثيق بين أعوام 1989 و2005، أى منذ استيلاء العصبة المنقذة على مقاليد الحكم، وما تلاه من حراك سياسي، وصولاً الى معاهدة نيفاشا.
وصف عبد المطلب زملاءه من الصحافيين الذين استعان بهم في تدوين فصول الكتاب بالتجرد والنزاهة، إذ قال في مدحهم: (منحوني خلاصة تجاربهم، وشاركوا في صناعة جزء مقدر من صفحات هذا التوثيق في تجرد ونزاهة وموضوعية غابت فيها الأنا، وسادت فيها روح الانتماء للمهنة). ثم تحدث عن (توثيق أمين يعطى كل ذي حق حقه).
وأرجو أن يكون الأمر كما قال. ولكن الصدق يقتضيني ان اصارحك، أعزك الله، منذ هذه اللحظة بأنني عندما أوغلت في القراءة توجست، وتشككت في أن تكون تلك الثقة المطلقة التي بذلها الرجل قد وقعت كلها في محلها. وسنرى. وليس في وسعنا في هذه المرحلة سوى ان نقول: «ربنا يكضب الشينة»!
(2)
وإذا كان صاحب الكتاب نفسه قد ذكر بأن هدفه هو توثيق تاريخ (الاشخاص)، لا المؤسسات، فلأحذون أنا حذوه، فالكتاب كتابه، والتوثيق توثيقه.
ولهذا فقد توقفت ملياً، في الصفحات الاولى، عند اسم سيد الخطيب. إذ فوجئت عند اشارة المؤلف لتاريخ صدور صحيفة (السوداني) للمرة الاولى في 14 يوليو 1985 بقوله: (طلب صاحب الترخيص محجوب عروة تعديل اسمها الى «السوداني»، وكان يساعده في تحريرها سيد الخطيب، الطالب بجامعة الخرطوم آنذاك). غريبة. هل يقصد سيد الخطيب الواحد، صاحب (الوثبات)؟ هل حقاً كان ما يزال طالباً في العام 1985؟ ومتي تخرج هذا الواثب إذن؟ يا له من يافع شافع! سبحان الله. وأنا الذي كنت عبر السنين اظنه من جيل السبعينيات، جيل ثورة شعبان!
(3)
بيد انني احترت حقاً في أمر الصحافي المخضرم الاستاذ أحمد على بقادي، وما قرأته في مورد التوثيق لحياته. فقد جاء على لسان الرجل انه جرى اعتقاله عام 1994 لفترة قصيرة جداً من قبل جهاز الأمن، فقضى (بضعة أيام) في ضيافة البصاصين والجلاوزة، تم بعدها اطلاق سراحه. ثم زاره في مقر اقامته بالفندق الكبير (يقيم في الفندق الكبير ليه؟) عميد الصحافة السودانية آنذاك، الاستاذ بشير محمد سعيد، رحمه الله.
ثم يقول الاستاذ بقادي: (دعاني بشيرلتناول طعام العشاء بمنزله. وقداكتشفت فيما بعد أن هدف تلك الدعوة هو التأكد من أمر واحد وحسب. وقد سألني بشير قبل تناول الطعام: هل عذبت أثناء اعتقالك؟وعندما أجبته بالنفي هدأ باله). هذا هو الهدف من الزيارة اذن. ولكن صاحبنا يضيف: (ثم قال لي بشير بالحرف الواحد: «علمت أن سلطات الأمن قدطلبت منك مغادرة السودان،وأنهم أمدوك برواتب ستة أشهر، وتأشيرةخروج». وعلمت كذلك أنك رفضت الخروج من السودان؟وعندما أجبته بالإيجاب قال لي: «ياأخ اخرج من السودان». وبالفعل نفذت توجيهه من دون نقاش).
وأعجب لمثل هذه الروايات تنتهي عند هذا الحد فجأة، ودون تفسير، ودون اجابة على الاسئلة الطبيعية التي تتوالى بصورة تلقائية في مثل هذه الأحوال. على سبيل المثال: لماذا تعرض سلطات الأمن على صحافي سوداني مغادرة البلاد أصلاً؟ وقد كان بقادي وقتها يعمل صحافياً في إحدى صحف الخرطوم. ولماذا تدفع له من ميزانيتها مرتب ستة أشهر على سبيل العون لتسهيل المغادرة؟ ثم لماذا يرفض الصحافي توجيه السلطات له بالخروج، ولكنه يوافق على الفور عندما يطلب ذلك منه الاستاذ بشير محمد سعيد؟ بل يوافق (دون نقاش) كما جاءت كلماته؟ ما هذه الأفلام الهندية؟ ولذلك فأنا أتشكك دائما في مثل هذه الروايات!