مهددات أمنية تجابهه مع الدول الحدودية.السودان.. محاولات متكررة لنسف استقراره السياسي ونموه الاقتصادي

أبوخريس: تنامي الكتل البشرية حول الدولة السودانية أكثر المهددات الأمنية على المستوى الإقليمي

تقرير: محمد عمر الحاج

شدد خبراء ومختصون على أهمية دراسة مهددات الأمن القومي الاستراتيجي والتصدي لها بسبب محاولات الهيمنة على منظومة موارد السودان الطبيعية ذات الخصوصية والتميز النسبي وموقعه الاستراتيجي، وأكد الخبراء في المنتدى الشهري لمؤسسة ركائز المعرفة للدراسات والبحوث «الثلاثاء»، بعنوان «مهددات الأمن القومي السوداني الاستراتيجي» أن هذه المهددات تحركها تقاطعات من المصالح الدولية والاقليمية، وعلى رأس هذه المهددات ما يصدر عن دول الجوار العربي والأفريقي والاسلامي.
رأس القائمة
وقال الدكتور شرف الدين احمد حمزة الخبير الاستراتيجي ان مصر أصبحت في رأس قائمة الدول التي تهدد أمن السودان لأسباب تتعلق بمياه النيل وأطماع أخرى للتوسع المصري بشمال السودان تحت ضغط الزيادة السكانية ، فضلاً عن الأسباب المتعلقة بالاختلالات الايكولوجية وارتفاع أسطح البحار والمحيطات نتيجة للاحترار وسقوط الدلتا المصرية في قاع البحر المتوسط خلال 2020ـ2025م ، وكما هو متوقع ستفتقد مصر حينها ثلثي انتاجها من الغذاء والمحاصيل النقدية، مشيراً الى الدراسات الاستراتيجية المصرية واتجاهات السياسة المصرية في أبعادها المخابراتية والدبلوماسية والسياسية التي تعمل لتعطيل عجلة التنمية المستدامة في السودان ومنعه من استخدام كامل حصته من مياه النيل عبر التآمر المستمر لنسف الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في السودان عبر العديد من السيناريوهات ، والآن تبلغ قمة تآمرها على السودان بحشد قواتها العسكرية ، بجزيرتى «ساوا» و«نور» باريتريا ، وتستجمع فلول المتمردين من الحركات المسلحة وذلك بعد أن خرج السودان من بيت الطاعة السياسي المصري ومارس استقلالية قراره الوطني حيال سد النهضة الاثيوبي تبعاً لما ارتآه من مصالح مشتركة لا تضر بالشركاء الآخرين.
وأوضح حمزة أن هناك العديد من الأهداف المباشرة وغير المباشرة للاستهداف الخارجي وعلى رأسها كسر الارادة الوطنية ومنعها من ممارستها لسيادة واستقلال قرارها الوطني في رسم سياساتها المائية مع دول الاحباس العليا للنيل خاصة اثيوبيا لاعتبارات جيوسياسية وتبعاً للمصالح العليا السودانية ، أيضاً قيادة المؤامرات الدولية والاقليمية لقتل مشروعات التنمية المستدامة على غرار اجبار السودان على الغاء اتفاقية الخط القاري للبترول الموقعة عام 1982م بين شركة تابكو الأمريكية والحكومة السعودية وحكومة السودان لنقل بترول السعودية والخليج عبر أنبوب غاطس في البحر الأحمر مروراً بالسودان حتى تشاد وإلى ميناء دوالا الكاميروني على المحيط الأطلسي، وافشال نتائج مباحثات السودان في مطلع التسعينات بشأن تعلية خزان الروصيرص مع الصين والهند والتزام الدولتين بتمويل وتنفيذ مشروع التعلية، بالاضافة لاجهاض المشروع السعودي السوداني المشترك المعروف بكنز البحر الأحمر والذي تبلغ أغواره ثلاثين غوراً مائياً يحتوي على الخامات الفلزية بتركيبات عالية ومضاعفة والذي يقع ضمن الحدود الاقليمية لكل من السعودية والسودان.
وذهب الخبير الاستراتيجي حمزة الى أن محاولة الزحف نحو شمال السودان فكاً للضائقة السكانية والغذائية في مصر خاصة بعد اكتمال سقوط الدلتا المصرية المتوقع لها 2020م ـ 2025م وأهمية قراءة هذا الواقع مع الدراسة الاستراتيجية حول الزحف جنوباً حتى مروي القديمة لحل مشكلات مصر السكانية والغذائية بعد أن أضحت حلايب وشلاتين ضمن خطط التنمية والاعمار المصري في تجاهل للسيادة السودانية والنداءات السودانية المتكررة للجانب المصري بشأن اللجوء للتحكيم الذى ترفضه مصر وتكرس للاحتلال.
واكد حمزة ان مصر قامت بتقديم كافة أوجه الدعم للحركات المتمردة في جنوب السودان ابتداء من الدعم اللوجستي العسكري والفني والمالي والعلاجي، واعتماد مكاتب للحركة المتمردة بالقاهرة واستقبال كوادرها ، والادلاء بمعلومات كاذبة ومضللة حول مصنع الشفاء للأدوية والمستحضرات الطبية والادعاء بأنه مصنع للأسلحة بسبب منافسة انتاج هذا المصنع من الادوية لنظيرها من الادوية المصرية في سوق الكوميسا.
الموقف الاسرائيلي
وقال الخبير الاستراتيجي دكتور شرف الدين ان اسرائيل تأتي كثاني دولة في مهددات الامن القومي السوداني بسبب البعد التوراتي للنيل في الاستراتيجية الصهيونية ، ايضا ساهمت في توظيف الخلافات الباكرة بين اثيوبيا ومصر والسودان بعد توقيع اتفاقية مياه النيل عام 1959، واحتضان حركة التمرد والامداد اللوجستى والدعم الفني واقامة معسكرات في كينيا، اثيوبيا وداخل الاراضى السودانية ،مع افساد الزراعات السودانية «القاليا والمناحل بامراض لقتل المنافسة مع السودان في أسواق الخضر والفاكهة الدولية»، والسعي الدائم لافساد علاقات السودان الخارجية الاقليمية خاصة مع دول الجوار العربي والأفريقي والدولية على وجه خاص مع الولايات المتحدة الأمريكية.
موقف الولايات المتحدة الأمريكية
وقال حمزة ان امريكا تعتبر مهددا امنيا بدءا من التراجع عن اتفاقية الخط القاري للبترول، بالاضافة لمشروع يونسكوم «2» والمسوحات الفضائية الامريكية بشأن ابييّ التي تعتبر أعمق بقعة جغرافية في العالم وبحيرة هائلة من البترول مع الانحدار الجغرافي ودلالته في تنمية الاحتياطي المتسرب من الخليج العربي تبعاً للميل الجغرافي ، مبينا ان بروتكول ابييّ والتدخلات الامريكية في متابعة الأوضاع في ابييّ تكشف حقيقة الامر ، وتساءل هل تصبح ابييّ الولاية «52» أمريكياً على غرار الاسكا الامريكية؟
استراتيجية ليبيا تجاه السودان
وألمح دكتور شرف الدين الى ان ليبيا كان لديها استراتيجية في السودان لأسباب تتعلق بالشح المائي في ليبيا، ما جعل مصر تقف ضد كافة مقترحات ليبيا للاستثمار الزراعي في السودان خاصة فيما يعرف بالمثلث الذهبي عند الحدود المصرية السودانية الليبية، كما قامت ليبيا بتمويل اثيوبيا لبناء سد امارتي بـ 300 مليون دولار ضمن استراتيجيتها الرامية للتعاون مع دول الأحباس العليا للنيل والاستفادة لاحقاً من تعديل القانون الدولي للمياه في تعريف الدول المتشاطئة ، كما عملت على تمويل بناء سد الوحدة على نهر اليرموك في الأردن خدمة لقسمة مياه الأردن مع اسرائيل بما يضمن له الرضا الاسرائيلي في القسمة المستقبلية لمياه النيل تبعاً للتعديلات المقترحة آن ذاك لتعديل تعريف الدول المتشاطئة، وكذلك جداول حسابات اعادة توزيع الانصبة مستقبلاً.
أثر دولة جنوب السودان على الأمن السوداني
وفيما يتعلق بدولة جنوب السودان، أوضح حمزة انها ومنذ الانفصال ظلت تدعم الحركات المتمردة عبر فتح المسارات وتمرير الدعومات الأجنبية للحركات المتمردة ، ايضا مشكلة الحركة الشعبية وتدخلاتها في جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق بالاضافة لمشكلة ترسيم الحدود ، ومشكلة منطقة أبيي ، كما ان جوبا اصبحت حاضنة للوجود الاسرائيلى، بما سيكون له أبلغ الأثر على جدار الأمن القومى السودانى الاستراتيجي من الجنوب.
الاضطراب السياسي
وعقب على حديثه بروفيسور حسن الساعوري المحلل السياسي مشيرا الى ان الاضطراب السياسي في السودان والذي يقصد منه عدم وجود نظام سياسي يحتوي القوى السياسية بمختلف توجهاتها لسد ثغرة من اهم المهددات الداخلية بصياغة دستور يستوعب كافة القوى حتى يتم الترسيخ للمنهج السلمي لانتقال السلطة من مجموعة الى اخرى و غير ذلك يظل السودان نهبا لجيرانه وللدول العظمي ، اضافة لموقع السودان وموارده من سكان وجغرافيا يسر التعامل مع العرب والافارقة ما يتطلب وضع استراتيجية للتعامل ، ايضا استغلال الموارد الزراعية وخاصة الصمغ العربي والتركيبة المحصولية الغذائية المتفردة ، بالاضافة لتاريخ السودان والثقافة السائدة وحدوده السابقة حتى بلاد الشام لتأمين النيل، مبينا اهم مهدد خارجي يكمن في اتفاقية مياه النيل 1959 وبناء سد النهضة الذي وقفت مصر ضده.
الحدود المفتوحة
من جانبه أوضح الخبير الأمني والاستراتيجي، اللواء «أمن» مصطفى يعقوب أن عدم وجود اجماع وطني على الغايات عبر وثيقة للمصالحة الوطنية التي تحدد دستور السودان، بالاضافة للحدود الواسعة المفتوحة مع دول الجوار والتي تشكل مهددا أمنيا بسبب الهجرة غير الشرعية رغم وجود ترتيبات مع بعض الدول، مشيرا الى فشل مخطط التنمية والتراجع الاقتصادي الذي انعكس على ارتفاع معدلات التضخم معللا ذلك بتدخل بعض الايادي الخارجية، ومؤكدا الضعف الواضح في القدرات التنافسية للانتاج الوطني مقابل السوق العالمي والذي يحارب بعدم تطابق المواصفات، أيضاً الاستلاب الفكري والثقافي عبر الفضائيات والانترنت وانتشار ظاهرة المخدرات والوجود الأجنبي وتأثيراته السالبة على المجتمع.
الهلال السكاني حول السودان
وشدد الدكتور عبدالمنعم أبوخريس الخبير في العلاقات الدولية على ضرورة الاهتمام بدراسة الابعاد الجيوبولوتيكية والسياسية والاستراتيجية للدولة السودانية، وقال ان هناك مهددات أمنية على المستوى الاقليمي أكثر من الدولي أهمها تنامي الكتل البشرية حول الدولة السودانية والهلال السكاني حول السودان، مشيرا الى عدم التوافق السياسي وزيادة القواعد العسكرية في دول الجوار والتي تستهدف امن السودان، مع انتشار الجماعات المتشددة واضمحلال حقوق الانسان وعدم مصداقية الانظمة السياسية والمهددات المعنوية بانتشار الكراهية تجاه الاسلام السياسي، مشددا على ان الهجرة الداخلية والنزوح لعدم التنمية المتوازنة في الاطراف افرغت الحدود من التنمية ولولا ذلك لما تم احتلال حلايب.
البعد الثقافي للأمن الوطني
ولفت بروفيسور بدرالدين احمد ابراهيم الخبير الاعلامي الى أن التداخل القبلي في اطار ضبط الحدود، والنظر الى مسألة الأمن الوطني من منظور البعد الثقافي الحضاري القائم على الموروثات وما يتعرض له السودان يجنب الدولة أهم مهددين ،اضافة الى ان المكون الثقافي لدى الاجيال لا يساوي اي شيء ما يؤدي لاضاعة اهم مكون في اطار الاستلاب الثقافي المعرفي الحضاري للسودان وضرورة اعادته مع عدم وجود منهج متفق عليه، والامر الثاني مصر كمهدد اساسي والتفكير الاستراتيجي في حل قضية مصر التي ظلت تابعة لحكام على مر العهود ما يتطلب اعادة العلاقات مع الشعب ، ايضا سد النهضة والذي اجرت اولى دراساته شركة امريكية ما يعني موافقتها بحسابات استراتيجية، مبينا استفادة السودان من سد النهضة ما لم يحدث انهيار لسبب ما ذلك ان اغلب الاراضي المستصلحة تقع داخل السودان وتلك ميزة ايجابية في الوقت الحالي لكنها قد تشكل تهديدا مستقبلا، مؤكدا اهمية الدراسات الاكاديمية لكن هناك بعض القراءات لاشخاص قد تشكل صورة ذهنية خطيرة تحتاج لاعادة قراءة حتى لا تظل في خانة مصلحة الترتيب والتمهيد للحروب القادمة.