بيتي

ثالوث الإخاء..!

في أواخر فبراير وشهر مارس عام 1987 أتاحت لي أسرة تحرير جريدة السياسة التي أعمل بها فرصة (ذهبية) أن أسافر إلى اريتريا.. الأراضي المحررة..!
كانت اريتريا تطالب بالاستقلال التام كدولة مستقرة لها ما تريد وتفعل ما تريد واستمرت الحرب كواحدة من الحروب التي ابتليت بها القارة الافريقية، ليس فيها اثيوبيا واريتريا فقط، كانت هناك حروب أخري.. مثل السودان مع مشكلة الجنوب التي طال أمدها إلى أن تم حسمها بعد نقاش طويل وحوارات واستفتاءات بإعلان الجنوب دولة مستقلة..!
ومع إحساسي القوي.. حينذاك من أن اريتريا ستبقى قريباً دولة مستقلة.. كان اعجابي الشديد، بالشعب الاريتري وتنظيمه الدقيق وهو يكافح ويناضل أن يكون مستقلا.. ومع اثيوبيا التي كان يقودها نظام منقستو هايلا مريام كانت الحرب أشبه بحكاية (النفس الطويل) نسبة لصعوبة البيئة هناك.. فالجبال الممتدة والسهول الواسعة والطرق المتعرجة تشق التلال والخيران والأودية.. كلها أسباب تجعل من الصعوبة أن يصل أي فريق في النهاية إلى حرية..!
العلاقات الطيبة بين شعبي السودان واريتريا امتدت إلى العمق التاريخي والشبه القائم في كثير من العادات والتقاليد والرقص الشعبي.. وفوق كل ذلك اللغة العربية والكثير من الاريتريين هم من المسلمين جعل هذا صفة التقرب والمودة والتصاهر والتعايش والمشاركة في التجارة والعمل.. وكان السودان أرضاً وشعباً مرحباً باستمرار بالاخوة الاريتريين ويمد لهم العون المطلوب، كما كان في نفس الوقت لا يضن على الاثيوبيين الذين لجأوا أيام (منقستو) والجفاف في شرق افريقيا للسودان فالحال من بعضه.. كان (اقتسام اللقمة) بين ثلاثة اخوة إلى ان انفرجت الأزمة.. وعادت إلى اثيوبيا روح السلام والوئام وامتدت من هناك إلى اريتريا، التي استقبلت التغيير الديمقراطي في أديس أبابا فرحاً.. وعاش الاثيوبيون في مناخ سياسي طيب.. ولا يزال شعبا ديمقراطيا مسالما ومن ثم إعلان استقلال اريتريا.. وقامت دولة مستقلة ورغم الاستقرار الكبير في الحدود المشتركة بين (الدول الثلاث) منذ أوائل تسعينات القرن الماضي.. واثيوبيا ذاتها كانت تناضل حتى اسقاط نظام منقستو.
دولة إريتريا على الطريق
في ذلك العام سافرت مع مجموعة من الصحفيين المحليين والعاملين منهم (عرب) إلى أراض محررة في اريتريا بالعربات المصممة لتحمل الرمال والتلال والوديان من داخل الأراضي السودانية وعبر مسير نصف يوم دخلنا إلى الأراضي الاريترية مساءاً.. فطلب من سائقي العربات وهم من الاريتريين اطفاء كشافات وأنوار العربات لأن ذلك يجعل من الصعوبة للطيران الاثيوبي أن يقصف أهدافه..!
كان الهدف الأول من الزيارة مشاهدة ما أنجزته (الثورة الاريترية) من نجاحات على الأرض وثانياً حضور المؤتمر الثاني للجبهة الشعبية لتحرير اريتريا الذي شهد وحدة وضم عدة منظمات إلى الجبهة وبرئاسة أسياس أفورقي ومعه رمضان محمد نور وكانت أراضي اروتا وحلحل وكرفا.. ثم نقفة.. هي التي وصلنا إليها وكل الزيارات ليلاً، وبعربات بدون أنوار.. أما النهار فهو للراحة والنوم.. تحاشياً لـ (ما قد يصيبنا) من آثار الحرب بين الدولتين حينذاك.. وزارنا في المعسكر الجبلي أسياس وتحدث عن عمق العلاقة مع السودان.
كان المؤتمر قد انعقدت جلساته داخل قاعة تم نحتها في جوف (جبل)، وتم تزويدها بحجارة تم حفرها ونحتها في شكل (مقاعد) مدرجة ومغطاة ببطاطين رمادية اللون كمساند وتمت اضاءتها.. ومسرح.. في غاية الجمال.. يوضح تماماً بأن الذي (صمم ونفذ هذه القاعة) في قمة الروعة والذوق الرفيع والمقدرة على تطويع الامكانات المتاحة.. كانت أيام المؤتمر هي أمسيات فرح وبهجة على ما خرجت به جلسات الحوار الاريتري من وحدة سياسية بين المنظمات وانضمامها في صعيد واحد.. لذلك فقد غنت فرقة (الأم) بأروع ما لديها وجلعت اريتريا (كطفل) يحاط بحنان الأم.. وتضمه إلى صدرها.. وتدعو إلى العمل.. ففي اريتريا نجد أن الأم المرأة والأخت والزوجة هي كل شيء.. شاركت بفاعلية كبيرة في عمليات قتالية حتى الاستقلال وانشأت مصنعاً يخص ملبوسات (الميدان) ومستلزمات النساء..!
شعب جميل.. وأرض خضراء
كانت زيارة الأراضي الاريترية سانحة للتعرف على شعب جميل فعلاً.. ورغم خوضه لمعارك نضالية.. إلا انه لا ينسى الفرح القائم، هناك بين الناس.. وتلك الاحتفالات الخاصة (بالأم) في عيدها هو احتفال يجمع حوله الكثير من المناسبات مثل (أعياد الميلاد) والحب.. لقد فرحنا معهم..!
كنا في (نقفة) المدينة الخضراء التي نظرنا صباحاً إلى بيئتها الزاهية ونحن نشهد التحركات العسكرية بين المعسكرين داخل الخنادق وشهدنا ما حققه الاريتريون من (انجازات) كيف أقاموا مستشفى كاملا يهتم بجرحى الحرب تحت الأرض وغيره ذلك من الأمراض أو النساء والتوليد..!
انني حينما أذكر ذلك فإن السلام هو الأمر المهم والكبير الذي يجب أن يعيش عليه الناس.. فبالسلام الاجتماعي يتقدم الناس خطوات نحو التطور والأمان والعيش الكريم والأمن يسود والطمأنينة تبقى.. فما كان وسيظل وسيبقى على ود وسلام وعلاقات باقية متطورة بين اثيوبيا واريتريا والسودان.. فالدول هي نموذج للتداخل الاجتماعي لن تستطيع أية دولة خارج هذه المنظومة أن تمس قوة العلاقات.. لأي سبب.. تقوم على المشاركة في انجاز أي عمل.. والسودان الذي يجعل حدوده دائماً عند ساعات المحنة (مفتوحة) لصالح عون الشعوب والناس بالناس.. فكثيراً ما استقر البعض في السودان ان كان ذلك بحثاً عن مزيد من العمل أو عبر منظمات دولية تبحث لهم عن المزيد من الاستقرار ومع كل ذلك السودان هو الوجه الباسم والصبوح.. الذي يفتح صدره للعون والمساعدة للاشقاء بعيداً عن محاولات الأذى وتهريب قوت الناس.
بعض الدول تعيش على انها تؤجج خلافات بين دول بينها مودة وانسجام.. لكن سرعان ما ينكشف حالها ومرادها في اطار ما تسعى إليه.. وهي رافضة ما سيكون واقعاً ورغما عنها ولن يكون التهديد تخويفاً.. لذلك فإن اثيوبيا الدولة التي سلمت تماماً من أي (استعمار) هي الأقدم والأكثر عمقاً في التاريخ.. لها من العلاقات مع السودان ما يعتبر هو الأقوى والأكثر تأثيراً تماماً مثل التداخل الطبيعي والممتد مع اريتريا.. الدولة الفتية والناهضة والتي قدم لها السودان من العون الشامل الكثير.
إن أكثر ما يقوي علاقات الدول هو (حب) الشعب للشعب الآخر.. فما بين الشعب السوداني والاريتري ود قديم تماماً كما هو قائم مع الشعب الاثيوبي.. عرفنا أديس أبابا وأسمرا قبل أن نسافر إلى (الغرب والمدن الحديثة) وهناك عرفوا (الخرطوم) قبل أن يسافروا إلى الأماكن (البعيدة).. فعاصمة (النيل) هي الخرطوم، كما أن اريتريا هي (حدود أرض النيل) واثيوبيا (منبع الحياة للنيل) وما بقى يردده الفنان عبد العزيز داؤود (اجري يا نيل الحياة.. وتدفق في السهول)..!
اجري يا نيل الحياة، فآخرون ينتظرون أن تتدفق في السهل الواسع.. نشرب ونسقي حياتنا، كما نريد للآخرين ان (يشربوا ما تجود عليهم به مياه النيل) من خيرات وغذاء.. فلنحرص على علاقاتنا بالتعامل الطيب عبر حدودنا الممتدة لصالح الشعبين.
عدت إلى الخرطوم وتعلق قلبي بإريتريا دائماً.. منذ تلك الزيارة فأسمرا هي عسل دائم لدى السودانيين، كما الخرطوم في حياتهم الضل الدائم..!