صراع السلطة والمهنة .الحلقة الثانية

أفسح الدكتور عبد المطلب صديق مساحة مقدّرة من كتابه (الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة) لإفادات مطولة قدمها بعض الصحافيين من شهود المراحل التاريخية المختلفة لتطور الصحافة السودانية. وقد لاحظت ان عبد المطلب كان عند ايراده هذه الافادات، يفتح القوس ويترك المتكلم مسترسلاً عبر صفحات متتابعات، ثم يختفي هو تماماً من المسرح، فلا تسمع منه ولا تراه إلا آخر الليل، عندما يظهر فجأة ليقفل القوس ويستأنف جزءاً جديداً من كتابه.
شعرت بشئ من الإرهاق وأنا اطالع في بطن الكتاب افادة مطولة للصحافي المقتدر الاستاذ عمر اسماعيل عبد الصادق، حسبت كلماتها فوجدتها قد ناهزت الثلاثة آلاف وخمسمائة، عن تجربته وذكرياته مع صحيفة (الأيام) التي سلخ سنوات عزيزة في دارها العامرة. وهي الصحيفة التي وصفها المؤلف بأنها (اُم الصحف السودانية). وطالما أن للصحف اُما، فلا بد أن يكون لها أب وجد، وسنسأل حبيبنا عبد المطلب لاحقاً عن هؤلاء، وعن بقية أفراد العائلة.
لم يقع مني الموقع الحسن ميل الاستاذ عمر اسماعيل الى صناعة الخزعبلات وتسويقها من خلال كتاب صاحبي هذا. وأنا أعاني من حساسية شديدة تجاه الخزعبلات التي تملأ حياتنا. وليس مثل السوادنة شعب في حب الخزعبلات. ودونك، أعزك الله، الخزعبلة التي عادت لتظلل سماءنا بكثافة هذه الأيام، أعني خزعبلة إسقاط الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية من الراحل الشاعر محمد الفيتوري. فكل من نعى الشاعر ورثاه وكتب عنه في اغلب الصحف الورقية والاسفيرية وقف على أطلال الجنسية المسحوبة.
هذا مع أن صوتي بحّ وشحّ في نفي هذه الفرية وفضحها. كما أن حبيبنا الصحافي الكبير طلحة جبريل (الناطق الرسمي باسم الفيتوري) أبرز في مقال منشور قبل شهرين نصاً لحوار أجراه هو شخصياً مع الراحل عام 1985،نفى خلاله الفيتوري، بعظمة لسانه، عن نفسه أنه أطلق مثل هذا الزعم طيلة حياته!
الاستاذ عمر اسماعيل يحب معلمه الراحل المغفور له حسن ساتي. وبعض السوادنة إذا أحبوا إنساناً مجّدوه، وشيّدوا له قبة، وأضافوا الى سيرته الأعاجيب. ومما أضاف صاحبنا الى سيرة معلمه ساتي في معرض توثيقه لتاريخ صحيفة (الأيام) في عهدها المايوي، أن الاستاذ حسن ساتي رفض حكم الاعدام على الاستاذ محمود محمد طه، وناهضه ووقف منه موقفاً مشهوداً، منها أنه كتب افتتاحية في معنى المعارضة، وصفها ب(المقالة التاريخية). وأضاف أن الرئيس النميري أقاله عقاباً له على ذلك الموقف، وأحاله الى (اكاديمية سياسية) بحسب كلماته، ليقضي بها فترة على سبيل التأديب. وغير ذلك من التخاليط والأكاذيب والترهات التي أذاعها بين الناس بعض تلاميذ الاستاذ الراحل، على ظن من الوهم انهم بذلك يكرمونه ويرفعون ذكره. واعجب لمن يُطلب منه أن يوثق تاريخ الصحافة السودانية، فلا يجد غير الخزعبلات وثاقا!
وكنت قد كتبت خلال الاعوام المنصرمة ردوداً تفصيلية على تلك الروايات التالفة عبر مقالات مطولة تناولت عبرها تاريخ تلك الحقبة وملابسات أحداثها. ثم اكتشفت لاحقاً سلسلة مقالات دسمة وغنية بالفيتامينات،حول نفس القضية، كتبها حبيبنا الصهر الرئاسي محمد لطيف، ونشرتها صحيفة (الاخبار) في النصف الاول من عام 2010،عالج فيها الرجل ذات البلوى فطبّبها كيّاً بحد الكيبورد، وتطرق الى تلك الحواديت وأشباهها ففندها تفنيداً، وفطسها تفطيسا. ولا عجب، فحبيبنا لطيف ليس من شهود ذلك العصر وحسب، بل ومن صُناع أحداثه الفاعلين، صحافةً وسياسة.
النفس والتورط في تنميق وتسويق الخزعبلات شئ، و(الكذب والإرجاف) شئ آخر.
ولو كانت صناعة الخزعبلات تسوّغ مثل هذا العنف اللفظي، لكان الصهر الرئاسي نفسه مستوجباً للمعانفة، بحكم كونه من كبار منتجي الخزعبلات في السودان!