صراع السلطة والمهنة .. الحلقة الثالثة

كنا قد أشرنا من قبل الى تصريح حبيبنا الدكتور عبد المطلب صديق، مؤلف كتاب (الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة)، بشأن طبيعة وأهداف العمل الذي توفر عليه، إذ قال: (وقد أردت لهذا الكتاب أن يكون توثيقا لتاريخ الأشخاص، لا تاريخ المؤسسات).
وهكذا فقد طفقت أقرأ وأغوص في سير شخصيات قيادية في مجال الصحافة، من سنخ الاستاذ محجوب محمد صالح والاستاذ عبد الرحمن مختار، حتي وقفت عند اسم الاستاذ محجوب عروة، وعنه قال المؤلف: (إذا كان أحمد يوسف هاشم هو أب الصحافة السودانية الاول، فإن محجوب عروة هو الأب الثاني للصحافة السودانية). وبعد استعراض ضاف لسيرة هذا (الأب)، تمت الإشارة الى أبنائه وبناته من الصحائف، وهم بحسب الكتاب (السوداني) و(السوداني الدولية)، و(الصباحية) و(الدستور).
ولكنني أعلم أن الاستاذ محجوب عروة أصدر في منتصف التسعينيات صحيفة باسم (الحوار)، وجعل عليها رئيساً للتحرير الاستاذ ياسين ابراهيم، مدير البرامج الحالي بالتلفزيون القومي. وقد قرأت بضعا من أعدادها الاولى فوجدتها صحيفة سياسية مستقلة رفيعة المستوى، في زمن لم تكن هناك صحيفة سياسية واحدة في السوق بخلاف الصحيفتين الرسميتين المملوكتين للدولة آنذاك.
ولكن السلطات سحبت تصديقها وأوقفتها على حين غرة، فدهشت لذلك. بيد انني اكتشفت لاحقاً ان الاستاذ محجوب كان قد تقدم في الأصل بطلب للتصديق له بصحيفة (دينية)، فأجابت السلطات طلبه بغير تردد. ولكن (الأب الثاني للصحافة السودانية) أمسك بالتصديق، ثم أصدرها سياسية كاملة الدسم، وبراءة الأطفال في عينيه. غير أن السلطة الحكومية المعنية استدعته للتحقيق معه في الأمر. وهناك سئل: «ألم تطلب تصديقاً لصحيفة دينية، فلم اصدرتها سياسية»؟ فاهتاج محجوب وصاح في القوم، وجميعهم من محازبيه وزملائه القدامي في الحركة الاسلامية: «يا قوم اتقوا الله. ألم تعلمونا في الحركة الاسلامية أن الاسلام دين ودولة، وان الدين والسياسة وجهان لعملة واحدة ولا يُفرق بينهما إلا العلمانيون والكفرة»؟! فبُهت القوم، واطرقوا لبعض الوقت، ثم عادوا معادهم، وركبوا رؤوسهم، واستكبروا استكبارا!
ثم إنني وقفت كثيراً عند توثيق الكتاب لصحيفة (ألوان) الحسينية الخوجلية. وقد استكتب المؤلف لهذا الغرض رجلاً اسمه صديق السيد البشير. نفعنا الله بعلمه. ولكن ما قرأته لم يقنعني بأنه توثيق، إذ بدا لي أقرب الى شغل الدعاية وحملات العلاقات العامة. أقرأ هذا النص، أعزك الله، وقل لي رأيك: (وما يميز «ألوان» أنها خرجت من رحم البلاد، ومن غمار الشعب السوداني، متحدثة بلسانه، وكانت ولا تزال خير وسيلة لإيصال رسالة المواطن الى القادة الحاكمين .. ساهمت في إزكاء روح الحوار، ووضعت لبنات اساسية في إعمار السودان).
قرأت تلك الكليمات ومثيلاتها في مدح الصحيفة الحسينية، ودورها في تاريخ السودان السياسي والصحافي، فكان اول ما تبادر الى ذهني صورة حبيبنا الاستاذ محمد سليمان، وقد اشتهر في الزمان المايوي الغابر ببرنامج مسابقات اذاعي شهير تاه علىّ اسمه. وفي فقرة (من هو؟) سأل الاعلامي الكبير، وقد جعل اسم رئيس السنغال السابق ليبولد سيدار سنغور مادة للسؤال: (رئيس افريقي، اشتهر بأنه مثقف عالمي وشاعر وأديب. من هو؟)، فرفع احدهم يديه وقال: (جعفر نميري). وهنا بصورة عفوية ولا إرادية رد محمد سليمان والدهشة تملؤه: (يااا راااجل)!!
وأنا أقول لهذا الموثّق، الذي استعان به صاحبي الدكتور عبد المطلب: صحيفة (ألوان) لها تاريخها بطبيعة الحال، ويُمكن ان يقال عنها وبحق إنها كانت مدرسة بمعنى الكلمة. أما أنها (خرجت من رحم البلاد، وساهمت في إزكاء الحوار وإعمار البلاد)، فنقول: يفتح الله. أي حوار؟ وأي اعمار؟ بل كانت (ألواناً) في عهد صعود نجمها آفة السياسة السودانية، وداءها وبلواها. كانت وبالاً على السودان وشعبه، قوضت الحياة السياسية وسمّمت اجواءها، وكانت معولاً أسهم بقدح معلى في هزيمة الديمقراطية الثالثة وهدم تجربتها.
ولكن الموثّق القوى الأمين الذي استأجره عبد المطلب، لم يجاوز الحق قيد أنملة حين كتب: («ألوان» تلمع في المعارضة، ولكنها تضيع في الحكم). ونقول له صدقت، وأيم الحق. أضاعت (ألوان) الديمقراطية، ثم أضاعت نفسها من ورائها.
وأحبابنا في المحروسة يقولون: «ما حدش بيتعلم ببلاش»!