الإعلام: انتباه

المشهد الإعلامي هذه الأيام، يعبر بوضوح عن تحديات الإعلام في المرحلة القادمة، ليس في مواجهة الحكومة فحسب، وإنما المجتمع بكلياته، فإن المستوى الذي يتسرب يضرب بعنف في بنية ونسيج المجتمع، مثلما يسعى إلى تفكيك الدولة، وهذه سمة المرحلة واتجاهاتها، وأول صور هذا التحدي تقلص دور المؤسسات والهيئات القومية والعمومية، ولم تعد الإذاعة القومية أو التلفزيون القومي أو حتى القنوات التقليدية الأداة المؤثرة في الرأي العام ونقل المعلومات وبناء الأجندة. إن آليات أخرى جديدة ووسائل جديدة تؤثر في الرأي العام..
خلال أعوام قليلة، فاق التعامل بالإنترنت 3.8 مليار نسمة على مستوى العالم، ويتم يومياً تداول 200 مليار إيميل، وتنشر 200 ألف مادة على يوتيوب يشاهدها أكثر من 300 مليون نسمة يومياً، وبلغ رواد فيسبوك نحو (2) مليار والبحث في قوقل نهار أمس تجاوز 5 مليارات مرة، هذه الحقائق الجديدة والآليات الجديدة، تتجاوز كل حدود وقيود، في الجغرافيا أو القيم والمباديء الاجتماعية أو المعايير المهنية وكفاءة الأداء..
(2)
لقد كانت غاية وأهداف الرسالة الإعلامية إحداث قدر من التوافق الاجتماعي وتحقيق التماسك، بينما تسعى الرسالة في مظهرها الجديد إلى التفتيت، وغرس الشك في كل حقيقة وموقف، وإثارة حالة من البلبلة والنعرات. لقد تحولت الرسالة من العموم إلى الشخصية، وإستهداف الأشخاص والمواقف والمؤسسات، وكل ذلك يتم من خلال تخطيط دقيق وعمل منهجي، فوق أنه توجهات لقوى سياسية، فإنه يمثل أدوار دول وأجهزة استخبارات. إن قراءة متفحصة في (عناوين النطاق) للرسائل توضح بجلاء المناطق التي تصل منها هذه الرسائل الخادعة، وتتصدرها دولتان عربيتان، وهولندا وانجلترا والولايات المتحدة الامريكية، ولكل دولة أهدافها ورسالتها، ولكنها تتفق جميعها في اثارة البلبلة وخلق حالة من (عدم اليقين).
(3)
إن هذا الواقع الذي يتجاوز القواعد، لا بد من مواجهته، بتفكير خارج الصندوق، ويتقدم خطوة على الآخرين، وأول ذلك الإفادة من نظريات الاتصال في تحقيق التقارب من المتلقي، والذي يشكل حائط صد أمام عاديات هذه الحملة، من خلال التنوير والتبصير وتوسيع مواعين تدفق المعلومات والوقائع. إن فاعلية الحزب في عضويته وقناعاتها والقدرة على التواصل معها، وثقتها فيه، وفي سرعة ايقاع تدفق وانسياب المعلومات من المؤسسات العمومية والقومية، والاسهاب بالشرح والتوضيح للقرارات مما يقترب من مبدأ (المحاصرة)، في كل الأجهزة (المرئية والمسموعة والمقروءة) والإعلام الجديد بكل آلياته. إن الجهل بالقرارات أكبر عدو لها.. إن لسان الحكومة في كثير من المواقف كان (أبكم) في الوقت الذي يتطلب (الصراخ) في الطرقات، بينما الهمس في مسارات الإعلام الجديد يثير الجزع بين المواطنين، وهذا أمر تكلفته الإحباط، في وقت الوطن بحاجة لكل حالة انتباه وتفاعل..