الحالة الأندليسية !

زوايا : عماد البليك

أحيانا يتوقف الزمن، لا يعرف الإنسان ماذا يفعل؟ ولا إلى أي هدف تصب حياته بالضبط؟ يحدث ذلك حتى لأكثر الناس دقة في معرفة أهدافهم وكذلك حتى لأعظم الناس في نظرنا سواء كانوا مفكرين أم علماء أم قادة.. والسبب ببساطة يتعلق بكونهم وبكوننا جميعا بشر.
الإنسان كائن مركب من عنصر المشاعر، ومهما بلغ به التعالي والدقة والنظام والألفة سيعود في النهاية إلى طبيعته البشرية، إلى كونه ذلك الإنسان البسيط الذي يعجز في بعض الأحيان عن مواجهة أتفه الأشياء ولأبسط الأسباب.
قد تكون في الحياة تفاصيل عظيمة وكبيرة ومهمة ، ولكن في بعض اللحظات فإنه لا شيء يصبح مهما ولا عظيما، وهذه الحالة بالتقريب.. ليست حالة خاصة بالبعض دون البعض، إنما هي شعور إنساني عام، يمكن أن يشعر به القائد العظيم الذي يجد في لحظة ما أن عليه أن يحرق مراكبه وأن يخوض المعركة لا يعرف ماهي النتيجة المحتملة مثلما فعل طارق بن زياد، ساعة قرر أن يحرق السفن ويدخل البلاد الجديدة «الأندلس» جاعلاً المستقبل مفتوحا لكافة الاحتمالات، النصر أم الهزيمة.
الدقة التامة في تحليل ما ذكر أعلاه يدلل أنه مهما كان الشعور، بأنه لا توجد قيمة وراء حدث ما، فالقيمة مستترة وباقية ومختزنة، فإذا كان البعض يقرر أنه لا هدف في فعل ما، أو يظن أن التزام السكون والصمت واللامبالاة يشكل موقف «اللاموقف» فكل ذلك ليس صحيحا. هناك موقف دائم وله مقياس وقيمة حتى لو شعرنا شعوراً مكتملاً بعكس ذلك.
الحكمة تستدعي من الإنسان في أي طور من أطوار عمره وفي أي درجة من درجات معرفته أن يكون مقلبا لخواطره ومشاعره، وأن يعرف كيف يهرب من حالة «اللاموقف» إلى الإيمان الواثق، بأن ثمة موقف وهدف، حتى لو لم يبدو واضحا فسوف يتضح مع المضي في محاولة فهم الحالة من خلال الاقتراب منها وليس الابتعاد والتراخي.
فما فعله طارق بن زياد في واقع الأمر أنه قرر المواجهة، وهو «هروب» من نوع آخر، ساعة تكتشف الذات أن قمة الهزيمة قد تكمن في الانتصار على الذات وما بعدها سيكون هيناً. فطارق انتصر على ذاته، فهزمها.. وكان عليه أن يحقق بعدها النصر الحقيقي بهزيمة الأعداء.
إذا ما معنى أن الزمن يتوقف؟
وما معنى أن الأهداف قد تتعطل؟
كل ذلك لا معنى له إلا في حدود الحالة النفسية التي تخضع لها الأنا الإنسانية وهي تتقلب من واد إلى واد، ومن رهان إلى آخر. وهي تبحث عن معنى من وراء اللامعنى.. وتحاول أن ترى لطف الحياة من خلال أضغاثها أو العكس ساعة تقرر أن تلمح الأضغاث من وراء المساحات المشفوعة بالارتياح والمعاني السامية.
هذه الحالة التي يمكن أن يمر بها الشخص ساعة يكون لابد من اتخاذ القرار يمكن أن تعرف بـ»الحالة الأندليسية».. وشكرا لابن زياد على شجاعته في اتخاذ القرار.