صراع السلطة والمهنة

وقفت متأملاً أمام عدد من الفقرات التي عمدت الى توثيق واقع وتطور الصحافة السودانية في السنوات التالية مباشرة لقيام انقلاب العصبة المنقذة في يونيو 1989، كما وردت في كتاب حبيبنا الدكتور عبد المطلب صديق (الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة). حيث وجدت قدراً لا بأس به من الإضاءات الكاشفة والتفسيرات لبعض الوقائع والتطورات التي عرفها ذلك العهد.
على سبيل المثال يبين الفصل الثالث الخلفيات والكيفيات التي تم على أساسها وبموجبها اختيار الكادرات الصحافية التي قامت بإصدار الصحيفتين الرسميتين للعصبة المنقذة عقب الانقلاب وما تلاه من حظر للصحف المستقلة. عن اختيار الصحافيين نقرأ: (وانقسمت اسرة تحرير صحيفة «الانقاذ الوطني» الى مجموعتين. تنتمي الاولى الى تيار الشيخ «الترابي» وهي التي تمتلك دفة السلطة وصناعة القرار. وهم الاسلاميون الخلّص غير المشكوك فيهم. ومن بين هؤلاء ……). ويعدد صاحبنا الأسماء. ثم يضيف: (وتضم المجموعة الثانية رتلاً من المهنيين الذين جاءوا محمولين بسلاح التخصص الاكاديمي والخبرة والمهنية العالية).
ويكشف لنا الدكتور عبد المطلب أنه بينما استجاب البعض من الفريق الثاني لدعوة الحكومة لهم للالتحاق بصحافة النظام، ونحن نعرفهم بأسمائهم اليوم بطبيعة الحال، فإن هناك صحافيين مهنيين من ذات الصنف جرى الاتصال بهم ودعوتهم للالتحاق، ولكنهم ترددوا وامتنعوا بناءً على حسابات افضت الى احتمال سقوط النظام في وقت قصير. وقد سمى عبد المطلب بعض هؤلاء، وهالني ان وجدت متحكراً في رهطهم حبيبنا الصهر الرئاسي محمد لطيف. وأحسب ان تردد لطيف في الالتحاق بالركب عند بداياته، تحسباً لمآلات قصر عمر النظام، يؤشر الى ان مقدراته كمحلل سياسي وقتذاك، ربما لم تكن بالمستوى المطلوب!
ولكنني قدّرت كثيراً أمانة الدكتور عبد المطلب واستقامته الخلقية، عندما اعترف بأنه هو نفسه تردد في البداية وفكر في النكوص عن الالتحاق بصحيفة (الانقاذ الوطني) عند تأسيسها لقلق اصابه من احتمال انهيار النظام. ولكن الفضل في اقناعه بالمضى قدماً ومواصلة المسيرة يرجع الى صديقه الدكتور عثمان خيري، استاذ الاقتصاد بجامعة ميسوري الامريكية، الذي صب الكلمات التالية في أذن صاحبنا: (أحذرك من ان تصدق ما يقال عن سقوط نظام الانقاذ خلال ستة أشهر. صدقني هذه الثورة باقية وسوف تحصل على معاشك التقاعدي منها. لا مستقبل لليسار ولا للاحزاب التقليدية في هذا البلد. القوى التي ستزيح الانقاذ لم تولد بعد). وأنا لا اعرف عثمان خيري هذا سوى انه صديق للمؤلف. ولولا أنه جري تقديمه مسبوقاً بلقب الدكتور وصفة الاستاذ الجامعي لظننته (فكي) جامد!
ثم إنه عنّ لي ان انقل لك هذه الرواية عن الصحافي الكبير الاستاذ عبد الرحمن ابراهيم، الذي فهمت من السرد التوثيقي أنه فقد منصبه كمدير لتحرير (الانقاذ الوطني) صحيفة الانقلاب الاولى في ظروف مريبة. هاك المقتطف: (..عندما عصفت الأقدار بمدير التحرير عبد الرحمن ابراهيم بعد مقاله الشهير بعنوان «لولا أن تفندون»، الذي كتب فيه ان هناك حاكماً خليجياً يحكم شعبه بغير وضوء. فكان ان هدد سفير الدولة الخليجية وأنذر بأن بقاء عبد الرحمن ابراهيم في منصبه يعني اغلاق سفارة ذلك البلد في الخرطوم خلال اسبوع. وقبل مضي المهلة كان ود ابراهيم يبحث عن مهنة جديدة، وهو الذي كان يمني النفس وقتها بأن يصبح تحت ظلال الانقاذ سفيراً او وزيراً او حتى رئيس تحرير على الاقل)!
وقد تعجبت لتلك الحادثة العجب كله. ذلك أن حكومة العصبة المنقذة كانت تعيش وقتها عهد (أمريكا روسيا قد دنا عذابها)، ولم تكن تخشى بأس أحد. بل ان معلقها السياسي الأشهر عهدذاك، صاحب الحنجرة المميزة، الرائد (لواء لاحقاً) يونس محمود كان يوزع الاتهامات فى كل الاتجاهات ؟!
ثم يا استاذنا عبد الرحمن ابراهيم، أطال الله عمرك ونفع بك، كيف عرفت ان ذلك الحاكم لا يتوضّأ؟ ثم إيش دخلك انت أساساً، يحكم بوضوء او بغير وضوء؟!