انتخابات عام 1958م في السودان «3-3» 

The 1958 Elections in the Sudan
هارولد فووت قوزنيل Harold Foote Gosnell
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
هذه ترجمة لمعظم ما جاء في مقال عن انتخابات عام 1958م في السودان، نُشر في عام 1958م بالعدد الرابع من المجلد الثاني عشر لـ «مجلة الشرق الأوسط The Middle East». ولقد سبق لنا ترجمة مقال عن تلك الانتخابات نشر في نفس العام بالعدد الثاني عشر من مجلة «الشؤون البرلمانية Parliamentary Affairs» بقلم البريطاني ليو سيلبرمان.
والكاتب الأمريكي هارولد فووت قوزنيل «1896 – 1997م» هو أستاذ للعلوم السياسية، عمل في جامعات مختلفة منها جامعة شيكاغو وجامعة هاورد، والجامعة الأميركية. وزار الرجل السودان في يناير وفبراير من عام 1958م، وأجرى عدة مقابلات مع بعض البارزين من الساسة السودانيين، ضمنها مقاله هذا، مع دراسة لبعض الوثائق الرسمية وما جاء في الصحف السودانية والكتب، إضافة لملاحظاته الشخصية. وأكمل الكاتب مقاله هذا – كما ذكر في آخر مقاله – قبل وقوع انقلاب 17 نوفمبر 1958م العسكري.
أشكر الأستاذ الدكتور عبد الوهاب الأفندي لجلبه لي هذا المقال لترجمته.
المترجم
لقد كان «الحزب الوطني الاتحادي» منظما تنظيما يشبه الأحزاب في الديمقراطية الغربية، وهو في ذلك يختلف كثيرا عن بقية الأحزاب السودانية. وكانت لديه آلية تنظيمية لإخراج المصوتين لمراكز الانتخابات، خاصة في المراكز الحضرية، بأفضل مما كانت تقوم به بقية الأحزاب.
وكان الجنوبيون المشاركون في انتخابات 1958م مجموعات متفرقة مقارنة مع الأحزاب السياسية الشمالية. ولم يكن يجمعهم غير كونهم يمثلون الجنوب الأفريقي المسيحي أو الوثني «في مقابل الشمال العربي المسلم». وكان للنفور والتباغض بين الشماليين والجنوبيين تاريخ قديم أفضي في 18/8/ 1955م لتمرد في الاستوائية قيل إن سببه المباشر كانت برقية مزورة زعم دينكان «مؤلف الكتاب المشار إليه سابقا
J. S. Duncan. The Sudan?s Path to Independence, 1957»
أنها من رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري وكانت تحض الإداريين الشماليين بالجنوب على إساءة معاملة الجنوبيين. وكان الجنوبيون يظنون أن البريطانيين سيهبون لنجدتهم. وهذا ما لم يحدث، إذ أن القوات البريطانية كانت قد غادرت البلاد «توجد آراء أخرى بخصوص أسباب التمرد، ورد ذكرها في تقرير قضائي مستقل. المترجم». وكان الساسة الجنوبيون «الأحرار» يطالبون بقيام نظام فدرالي في السودان يضمن لهم حقوقا دستورية أو استقلال جنوب السودان. ولم يكن بمقدور سياسي جنوبي واحد الجهر برفضه للفدرالية، إلا أن بعضهم كانوا يدخل في مفاوضات سرية «مع الساسة الشماليين» للحصول على مقعد وزاري أو وظيفة كبيرة مقابل بعض التنازلات عن المواقف المعلنة. وتحالف النواب الجنوبيون «الأحرار» بعد فوزهم مع واحد أو آخر من مختلف الأحزاب الشمالية. وكان على رأس كتلة النواب الجنوبيين قس كاثوليكي هو الأب ساترينو لوهير
«Saturino Luhure»
ترشح باعتباره مستقلا.
وبالمقارنة مع شمال السودان، يمكن أن نعد الجنوب أكثر تخلفا، وأكثر «افريقية» وأشد أمية وعزلة، وهو بحاجة ماسة بالتأكيد لبرامج حكومية خاصة.
وعلى الرغم من أن القانون السوداني يحرم أي علاقة بأي جهة تدعو أو تروج أو تمارس أو تدافع عن كل ما له علاقة بالشيوعية العالمية أو الكومنفورم «مكتب الإعلام الشيوعي»، إلا أن الشيوعيين السودانيين أفلحوا في تكوين «الجبهة المعادية للاستعمار» التي رشحت عددا من منسوبيها في انتخابات 1958م. غير أنه لم ينجح منهم أحد في الفوز بمقعد في تلك الانتخابات. وكما هو الحال في الدول الأخرى، فقد كانت الشيوعية فكرة جاذبة للطلاب والمثقفين والنقابيين والمزارعين والنساء. وكانوا ينادون بالتنمية الصناعية في السودان، ومنح مزارعي الجزيرة نسبة أكبر من دخل المشروع، ورفع أجور العمال، وتحرير المرأة، وتقدير أكبر للمثقفين بالبلاد. ورغم صغر عدد الشيوعيين بالبلاد «قيل إن عدد أعضاء الحزب لا يزيد على ألف شخص» إلا أن دعايتهم لمبدأهم عن طريق الصحف والمناشير كان لها، على نحو خفي، تأثير متزايد على تفكير المجموعات والأحزاب الأخرى.
وبحسب ما جاء في مقال بقلم بازل ديفيدسون نشر في صحيفة الغارديان مانشستر يوم 25 فبراير 1958م بعنوان «السودان: عربي أم أفريقي؟» كانت الحملات السياسية التي قامت بها الأحزاب السياسية قبل الانتخابات هادئة نسبيا. وكان التهديد المصري باحتلال ذلك الجزء من مديرية كسلا شمال خط عرض 22 قد خلق إثارة عظيمة في أوساط السودانيين. إلا أن رئيس الوزراء «عبد الله خليل» وقف موقفا حازما حفاظا على حدود السودان الإدارية، مما أجبر المصريين على التنازل.
وكانت كل الأحزاب السودانية متحدة في المناداة بالاشتراكية «؟!. المترجم»، والحياد الإيجابي، والتنمية الاقتصادية العاجلة والحفاظ على سيادة السودان ضد كل محاولات الانتهاك. وكانت هنالك بعض العناصر في «الحزب الوطني الاتحادي» و «حزب الشعب الديمقراطي» تميل نحو مصر، غير أن بعض قيادات «حزب الشعب الديمقراطي» كانت متعاطفة نوعا ما مع الغرب. بينما لم يغلق «الحزب الوطني الاتحادي» الباب قط أمام تقوية العلاقات مع الغرب. أما حزب الأمة فقد كان بلا شك أكثر الأحزاب قربا من الغرب.
أما نواب الجنوب فقد حصروا اهتماماتهم في مطلب الفيدرالية ومشاكل مناطقهم. وقامت دعايات برنامج «الحزب الوطني الاتحادي» الانتخابية على التخلص من تأثيرات قادة الطائفية الدينية المتحفظة الكابحة للتطور. وكان قادة ذلك الحزب يتهمون قادة حزبي «الأمة» و»الشعب الديمقراطي» بأنهم من كبار ملاك الأراضي الأثرياء وأنهم رأسماليون. وكانت مثل تلك النداءات العلمانية الجاذبة منتشرة بكثرة في المدن، حيث بدأت الولاءات الدينية الطائفية في الضعف.
وتفاوتت وسائل الدعاية في الحملات الانتخابية بحسب المصوتين. فقد كانت أمضى الأسلحة الدعائية في المناطق الحضرية هي الصحف اليومية، ثم الليالي السياسية «حيث تلقى الخطب الحماسية والأشعار الناقدة للأحزاب المنافسة»، ثم اللقاءات المباشرة من بيت لبيت في غالب المناطق. وكانت الدعايات لليالي السياسية تتم شَفَهِيّاً أو عن طريق المذياع والصحف، والأضواء الملونة البراقة في الميادين. ومنعت مثل تلك النشاطات الدعائية في بعض مناطق جنوب السودان خوفا من انفراط عقد الأمن.
ولم يكن هنالك حزب سياسي سوداني له من التنظيم ما للأحزاب في غرب أوروبا، فميزانيات الأحزاب السودانية بالغة التواضع، مما يعجزها عن شراء أو تأجير سيارات «ليس فقط لنقل المصوتين لمراكز التصويت، بل حتى لنقل مرشحي الحزب لدوائرهم». وكانت السيارة البريطانية «اللاند روفر» «نظيرة الجيب الأمريكية» هي السيارة المفضلة المستخدمة في الحملات الانتخابية. وبخلاف ما هو حادث في بريطانيا من وجود موظفين بمرتبات معلومة في كل حزب، كانت كل الأعمال السياسية في الأحزاب السياسية تُنجز بواسطة الشيوخ الدينيين وزعماء القبائل ومؤيدي الحزب «المتطوعين».
وكان الائتلاف المكون من حزبي «الأمة» و»الشعب الديمقراطي» وبعض نواب الجنوب قد أفلح في تكوين حكومة جديدة والبقاء في السلطة «حتى سقطت في 17 نوفمبر 1958م بانقلاب عسكري. المترجم». وذاعت اتهامات ضد المصريين بأنهم حاولوا – دون أن يصيبوا نجاحا – إغراء مجموعة من نواب الجنوب و»حزب الشعب الديمقراطي» للعمل على إسقاط الحكومة الجديدة. وأكد «لقاء السيدين» أن خصمهما الرئيس هو «الحزب الوطني الاتحادي»، وأن حزبيهما يجب أن لا يعارضا بعضهما البعض.
وكتب بعض المراقبين البريطانيين في مجلة الإيكونيميست تعليقا على نتائج هذه الانتخابات أن المستقبل في السودان هو للعناصر العلمانية، وأنه بذهاب «السيدين» «اللذين يحظيان الآن بكثير من التبجيل والهيبة» سوف يقلل من تأثير الطوائف الدينية تدريجيا. غير أن الوضع الآن «أي في 1958م» هو أن تأثير الأنصار والختمية سيظل باقيا في كل الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في السودان.
تواجه حكومة عبد الله خليل الجديدة مشاكل عويصة لا حصر لها في جوانب مختلفة. غير أن السودانيين واثقون من قدرتهم على حل تلك المشاكل، وواثقون أيضا من مستقبل «مشرق» لبلادهم.