( السُّـواطة)

422هذه الكلمة التي  فضَّلت أن تكون عنواناً لهذا المقال ، هي من قبيل الكلمات المستخدمة بلغتنا الدارجية ، والمعنى بها بأن يعرف شخص بين الناس بأنه يتلقف الأخبار ، صحيحة كانت أو غير صحيحة ، وفي بعض الأحيان يقوم  هو شخصياً  بنسج معلومات من صنعه وتصميمه ، ويسعى بها بقصد إرباك من استهدفهم والتشويش عليهم ، لإتخاذ موقف معين تجاه قضية محددة ، أو غير محددة ، أو أشخاص بعينهم ، وقد لا يكون الهدف لا هذا ولا ذاك ، ولكن ليتمكن هذا الذي تعود على ( السُّواطة) بإشباع نهمه  ، والتنفيس عن مرضٍ استشرى داخل قلبه ، ولم يجد سبيلاً بالتخلص منه إلا بمثل هذا التقيؤ النتن فيما يعرف (بالسُّواطة).
والذين ابتلوا بهذا الداء ، تعرفهم بسيماهم ولحن القول ، وكثيراً ما تجد بأن هؤلاء يتحدث عن سلوكهم أغلب الذين عايشوهم ، واكتشفوا هذه الخصلة الذميمه في طباعهم ، بمعنى  أن الذين طبعوا على مثل هذا السلوك ليس من الصعب إكتشافهم ، حيث لا يقع في حبائلهم إلا المغفلون والسُّذَّج  ، الذين يعانون من فقر العلاقات، ومحدودية الصلات الاجتماعية .
ومن أمثلة ( السُّواطة) التي يمتهنها البعض في محيط الخدمة المدنية ، بأن يطرق باب مكتبك  شخص من غير مواعيد مضروبة ، أو معرفة به قديمة، لينهي إلى مسامعك خبراً عن أخلاق فلان وسلوك  علان، ويحذرك منهم دون أدنى سبب يدعو لذلك ، ولكن يكون الهدف بأن تكون أنت الذي حدثوك مشوشاً ومرتاباً في التعامل مع الذي كان موضعاً لسهام من نهض لتوجيه مثل هذه ( السُّواطة) ذات الأثر الخطير.   والغريب بأن (السُّواطة) لم يقف فاعلوها عند حدودهم المعروفة ، التي تقتصر على المجتمعات المتخلفة ، والأركان المشبوهة ، وأن الذين عرفوا بها كان أغلبهم من صنف الفاقد التربوي، أو الذين  تربوا في منابت السوء ، لكنها تجاوزت هذه المستويات بمسافات بعيدة، وأفلح الذين اشتهروا بها في إختراق الأوساط العلمية ، والإعلامية ، والثقافية ، وللأسف الشديد دخلت حيز الوزراء والمسئولين ، وهذه هي الكارثة بعينها .
ونسمع في الأخبار بأن رجلاً لم تنله سهام الحقد ، وعجزت كل صنوف المؤامرات لإحراقه ، غير أن عامل دخول (السُّواطة) ومهارة المتخصصين فيها ودهائهم  ، قد جعله يفقد منصبه ، وتبشع به الألسنة ، علماً بأن تاريخه يثبت ما يتمتع به من شرف ونزاهة وحسن أخلاق  .
وفي تاريخ الحكومات العربية ، نجد أن هناك مُتنفيذين وشخصيات عظيمة قد أسئ لها وألبست تهمٌ ، وأدينت بجرائم ، لم تثبتها وثائق ، ولكن جعلها مفبركو التقارير والمتخصصون، والمشاءون  بالنميمة والوقيعه ، حقائق لا تحتمل أدنى قدر من المغالطة ، فكانوا ضحايا ، للقيل والقال ، بسبب فتح المجال وتسليك القنوات لمن لديه البراعة في (السُّواطة) وإغلاق المنافذ أمام الصادقين بالحقائق ، ( والسُّواطة) هي الخطر العظيم الذي يجعل المباني العالية  عرضة للإنهيار ، وأعظم الرجال هدفاً للإغتيال ، والدول الناهضة خاضعة للتقهقر والإنكسار.