في ختام فعاليات جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي.الفريق طيار الفاتح عروة: الجائزة صارت قبلة يلتف حولها كل الأدباء من الوطن العربي

بروفسير علي شمو ثمن الدور الكبير الذي لعبه الأدباء والإعلاميون السودانيون

خاطب الفريق طيار الفاتح عروة العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة زين السودان بقاعة الصداقة بالخرطوم الجلسة الافتتاحية لختام فعاليات جائزة الطيب صالح العالمية للابداع الكتابي الدورة الثامنة لهذا العام 2018م والتي ترعاها شركة زين.
وشرف الجلسة مساعد رئيس الجمهورية الأستاذ موسى محمد أحمد والأستاذ الطيب حسن بدوي وزير الثقافة الاتحادي وسفير دولة الكويت بالخرطوم الذي حضر ممثلاً لضيف الشرف الدكتور محمد صباح سالم الصباح وزير خارجية دولة الكويت السابق هذا إلى جانب حضور عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي بالخرطوم ومجموعة من الأدباء والكتاب العرب والسودانيين.
وفي كلمته ألقى البروفسير علي محمد شمو رئيس مجلس أمناء الجائزة الضوء على سير أعمال جائزة الطيب صالح وعدد المحاور التي تشتغل فيها الجائزة مشيراً إلى المحور الثالث والمتحرك وقال ان هذا العام تم اختياره ليكون عن «أدب المكان»، وثمن شمو الدور الكبير الذي لعبه الأدباء والإعلاميون السودانيون في المساهمة بالآراء والأفكار والمقترحات بغرض تطوير هذه الجائزة.
ومن جهته أعلن ان النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء الفريق أول ركن بكري حسن صالح سوف يشهد ختام فعاليات هذه الجائزة وتكريم الفائزين في هذه الدورة، إضافة إلى تكريمه لشخصية هذا العام البروفسير سيد حامد حريز.
من جهة أخري عقد المنتدي الأدبي الذي ينظم علي هامش الجائزة بمشاركة من كتاب وأدباء عرب وسودانيين وكان عنوان المنتدي الأدبي هذا العام جماليات المكان الأدبي،وفي بداية الجلسة الاولي التي استهلها الناقد والمترجم الفلسطيني محمد شاهين وكانت ورقته بعنوان: « الرحلة الأوروبية إلى فلسطين- حجيج إلى المكان وإغفالاً لأهله المواطنين» مشيرا في ورقته للعديد من الرحالة الاوربيين الذين حضروا الى فلسطين في رحلات جغرافية وادبية انهم دائما ما كانوا يبحثون عن اثباتات «توراتية»، منوها إلى ذلك بقوله: وتشير هذه المداخلة إلى سواد الرحالة الأوروبيين من الذين قصدوا فلسطين وفي جعبتهم أجندة محددة تتمثل في البحث عن مطابقة النصوص التوراتية للمواقع الجغرافية في فلسطين. أي أنهم توجهوا إلى فلسطين ليس كسائر الخلق من الرحالة يدفعهم الفضول في رحلتهم إلى التعرف على وجهة رحلتهم من مختلف النواحي وملء جعبتهم بعد العودة بمعرفة لم يسبق لهم الإلمام بها. أولئك الرحالة توجهوا إلى الأراضي المقدسة «Holy Land» كما كان يحلو لهم تسمية فلسطين، للاطمئنان على أن «أرض الميعاد» هي دليلهم السياحي المستمد من تلك النصوص المقدسة، إذ أن كتب أولئك الرحالة تبت من أجل تثبيت اعتقاد ديني مضى زمنه وانقضى، إذ أن تلك الكتب توحي لنا في أغلب الأحيان أنها صدى الحروب الصليبية، مع أنها كتبت في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين، وكأنها وثيقة بنكية تتجدد المطالبة بها مع الزمن كشهادة وهمية مفادها حفظ حقوق من ادعى الملكية في أرض عاش وما زال يعيش عليها غيره منذ قرون. أليست تقارير الرحالة الأوروبيين كما وردت في كتبهم وجهاً آخر للاستشراق يمكن أن نسميه الاستشراق الديني أو التوراتي،خالصا إلي ان الاستشراق يحمل في جوهره روح الأطروحة التي يقدمها إدوارد سعيد في الاستشراق، وأن الفرق «إن وجد أي فرق» يكمن في الشكل لا في المضمون؟ فالاستشراق التوراتي واضح لا لبس فيه ولا يحتاج إلى تفكيك كما هي الحال عند إدوارد سعيد، أي أن للاستشراق بمجمله وجهان أحدهما سياسي باطني وآخر ديني ظاهر للعيان، وربما أراد إدوارد سعيد أن يركز اهتمامه على باطن القول في الاستشراق ليتساوى في النهاية مع ظاهره ويلتقي الاثنان في منظومة الاستشراق التي أخفى المستشرقون من المفكرين الأوروبيين المعروفين وجهها الحقيقي الذي قدمه العديد من أولئك الرحالة الأوروبيين كبيان استشراقي بدون قناع.
خاتما ورقته بعدد من الاستعراض لعدد من كتابات الرحالة إلى فلسطين ضاربا عددا من الامثلة بقوله: « سبب آخر دعا أولئك الرحالة «وأغلبهم من زمن العصر الفكتوري في القرن التاسع عشر» أن يهتموا اهتماماً بالغاً بتفاصيل المطابقة بين نص الكتاب المقدس والواقع المحسوس على الأرض هو إضفاء شرعية إضافية على النص المقدس ليكون حجة محصنة قوية لديهم عند إعادة تطبيقه علمانياً على نفس الواقع لاحقاً لتثبيت أقدام الأجندة الاستعمارية «سآتي على ذلك لاحقاً « في العقد الثاني من القرن العشرين، أي أن المطابقة حملت منظوراً معقداً يتكون من شرعية النص المقدس وتبرير استخدامه في استيلاء الاستعمار لاحقاً على الأرض عندما يحين الأوان.
أما الورقة الثانية فكانت للدكتور نيل هوكنز سفير استراليا لدي مصر والسودان واثيوبيا وارتريا والمقيم بالقاهرة والخرطوم والذي كانت ورقته بعنوان «تأملات شخصية – أهمية معايشة المكان لفهم الثقافة العربية» مشيرا إلى ان علاقته بالثقافة واللغة العربية قديمة بدأت منذ ان كان طالبا بكلية الدراسات الشرقية باكسفورد وبعدها دراساته المختلفة للغة والاداب العربية وعيشه لسنوات طويلة بمصر منذ ثمانينيات القرن الماضي،مشيرا الى اهمية معايشة المكان والنظر للثقافة من خلال منظور مباشر بدون الاستناد علي خلفيات مكتوبة يجب ان يعيش المستشرق زمنا بالبلاد التي يود ان يقوم بدراستها ويصاحب ذلك اجادة تامة للغة العربية وايضا معرفة عميقة بالثقافة حتي تأتي كتاباته منضبطة علميا ومفيدة وخالية من الغرض.
بينما ركز الروائي الجزائري الكبير واسيني الأعرج في ورقته والتي جاءت بعنوان « أمكنة الكتابة الروائية بين التاريخ والتخييل- كتاب الأمير، البيت الأندلسي، وليالي إيزيس كوبيا» وكتاب البيت الاندلسي هو عنوان لأحد رواياته أستهل ورقته بحديثه عن: افتراض موضوع أمكنة التخييل الروائي سيطرة كلية على موضوعة مبهمة ينِشأ في سياقها الفعل النقدي الذي يتوخى الاقتراب من هذه الإشكالية. المكان، ليس حالة ثابتة في المكان والزمان، مضيفا ان ذلك يعتبر، فعلا متحركا في المكان والزمان. أريد أن أكتب عن قصر أو عن مساحة تاريخية، يحتاج الأمر في هذا أن أكون قريبا من التاريخ أولا، لا لإعادة إنتاج التاريخ. ليس من مهام الكاتب أن يكون مؤرخا ليكتب رواية تاريخية أو على تماس معها. فالأمر ليس مهما من هذ الناحية على الأقل،مؤكدا ان إعادة الإنتاج هي تثبيت شيء موجود في الأصل.
لهذا تظل علاقة المكان بالتاريخ سطحية، القصد من ورائها براغماتية معرفية فقط ، أي معرفة تاريخ المكان للسيطرة بجدية على موضوعة الكتابة لا أكثر، وهي مرحلة مهمة بل وضرورية، إذ لا ننشئ نصا من الفراغ. هو المادة الأولية الخام للكتابة الأدبية عموما، والروائية بالخصوص. يظل المهم في هذا السياق، العمل خارج فعل الاستعادة وخارج فعل السيطرة باتجاه المنجز الإبداعي. أي العمل على الفعل التخييلي، حيث يجيب الكاتب في سياق الفعل الإبداعي، كيف كان قريبا من التاريخ، وكيف كان بعيدا عنه أيضا. كيف جعل من المادة التاريخية، مساحة جديدة للتخييل التي ستغير ليس فقط الطوبوغرفيا الجغرافية للأمكنة لحظة المنجز الفني، ولكن روح المكان أيضا الذي سيخرج عن سياق أن يكون مجرد موضوعة تاريخية محكومة بشرطية الحقيقية. الحقيقة الإبداعية شيء آخر.
ويري ان سؤال آخر مهما جدا يقفز في ذهن الكتاب، وهو سؤال مركزي ومهم، يواجهنا كلما تعلق الأمر بالرواية التاريخية. سؤال لا يمكن تفاديه. هل معرفة المساحات الميدانية بشكل ملموس من خلال زيارة الأمكنة، وتنفس خفايا الفضاءات، واعتماد المادة التاريخية، يفيدان الرواية التاريخية في مخيالها الذي يعتمد على الحقيقة، لا لتثبيتها، ولكن للدفع بها نحو مزيد من التخييل؟ بمعنى هل تشكل الحقيقة التاريخية الموضوعية ضرورة كتابية وإبداعية، إذا افترضنا أن هناك حقيقة تاريخية ثابتة، الأرضية الأساسية لتنشيط المتخيل بقوة أكثر، وعدم الاقتصار على الحقيقة التي تجعل من الكاتب مؤرخا فاشلا، لا هو بالأديب في أدواته الجمالية، ولا هو بالمؤرخ الذي يعتمد وسائط علمية لتفسير الظواهر. العلاقة بين الكاتب والمادة التاريخية تنبني بشكل مختلف وأكثر جدوى، من خلال فعل الحرية، وليس استرجاع التاريخ ولكن السيطرة على المساحات التاريخية التي تريد الرواية اختبارها وارتيادها أدبيا وتحويلها إلى مادة روائية. لا يمكن للروائي أن يتحرك في الفراغ ولكن داخل مساحة يعرفها جيدا، بل هو سيدها الذي يشعر بنبضها العميق أكثر من المؤرخ. منذ والتر سكوت، مرورا بألكسندر دوما إلى جرجي زيدان، ظلت الرواية التاريخية تشتغل في أفقها التاريخي الرومانسي المفترض. أي أن التاريخ هو فعل بشري أنجز سلفا وانتهى، وما علينا إلا الاستفادة منه بإدراجه تربويا في النص الروائي الذي يتحول إلى وسيط فني بين المادة التاريخية والقارئ المتلقي. لا وظيفة للنوع إلا خدمة نوع أخر هو التاريخ. الروائي الفرنسي، باتريك رامبو وهو يكتب ثلاثيته عن نابليون بونابارت «المعركة، كان الثلج يسقط، والغائب»، والروائي جلبير سينوي وهو يكتب سيرة علي بن سينا أو محمد علي، لا يختلفان كثيرا في نسف قدسية المادة التاريخية. التاريخ ليس مقصودا لذاته. فهو لا يتجاوز كونه مادة أولية. فقد كان الروائيان حرين إلى درجة كبيرة في منجزهما الروائي التاريخي. صحيح أنهما اعتمدا على مادة تاريخية فيها الكثير من الحقيقة، والتتبع السيري، لكن هذه الحقيقة ظلت نسبية جدا. باتريك رامبو يقول أنه لا توجد سيرة تاريخية بالمعنى المطلق والصافي ولكن توجد مادة أولية، للكاتب الحق، كل الحق في العمل عليها بحرية وتحريكها وفق عملية التخييل الحر. وإعادة تشكيلها بناء على الحاجة الإبداعية والأدبية. الذي يكتب عن نابليون ليس مشروطا بالبقاء في دائرة تاريخ الشخصية بشكل ضيق، إذ يستطيع ان يخلق الطبائع كما يشاء. ومع ذلك باتريك رامو الذي يشتغل على هاجس حرية الكاتب، من حقه طبعا أن يضع الحرية على رأس الانشغالات في الرواية، وقد مارس ذلك بقوة وهو يكتب ثلاثيته عن نابليون. تحول نابليون الى مطية أدبية أكثر منه حقيقة موضوعية، لقراءة عصر قلق وخطير، بدأت بصعود الامبراطورية وانتهت بسقوطها. ليس التاريخ الثابت والمتفق عليه هو هاجس باتريك رامبو، ولكن التاريخ الذي يعيد الكاتب تركيبه بقوة من نسيجه النصي الذي لا يتنكر لا للأدب ولا للتاريخ في افقه الشامل والعام الذي تخترقه الرواية بقوة.
ويختم ورقته إلى أن المادة التاريخية العربية والإسلامية التي شكلت مركز اهتمامه في أغلب رواياته. فقد اختار في روايته: ابن سينا أو الطريق إلى إصفهان، أحد أتباع الشيخ الرئيس، أبو عبيدة الجوزاني ليروي حياة ابن سينا الغنية بالهزات والصدمات والأفراح والخيبات. النص عبارة عن سيرة مروية وفق رؤية شخصية تاريخية وروائية اختارها الكاتب لتأدية الوظيفة الأدبية والتخييلية أيضا. كلاهما يؤكد أن العملية الإبداعية تحتاج إلى قدر واسع من الحرية، خارج الحسابات السياسوية والأيديولوجية التي تجير التاريخ للمصالح الصغيرة، وتقهر الإبداعية التي تشكل الحجر الأساس في عملية التشكيل الروائي.
وفي ذات المحور كانت ورقة السفير خالد فتح الرحمن والتي جاءت بعنوان»
— الوعي بالمكان – الطيب صالح بين رحلاته ومقدماته» والتي ركز فيها علي المكان في أدب الطيب صالح حيث كان مدخله لذلك : رغم ماتستند إليه هذه الورقة من أسس منهجية : أسئلة وافتراضات … فإنها لا تعدو كونها «استبصارا معرفياً» ، أكثر من كونها «دراسة نقدية» ، ولا يخفى هنا ما أومئ إليه من معنى يتصل بمكامن التقدير والإعجاب ، اللذين يفلحان عادة ، في إثبات رؤية أحادية النظرة ، تمضي دونما تردد صوب تأكيد مظانها .. بينما الدراسة النقدية تفتح نوافذها على أمداء مترامية من « الاحتمالات « التي لا تني تضيف إلى المعرفة من معينها ما يشرع آفاقاً متجددة للعلم .
ولايعني ذلك بحال أن البغض والاجتواء أكثر رجاحة في إثبات النظرة العلمية الفاحصة ، فالبغض ، كالحب ، كلاهما قتّال للمنهجية الصارمة : طرفان يتوسطهما حياد ..صادق .. أو مزعوم .
غير أنني في منهجي هنا أستزري – جاداً- بقواعد الأصالة العلمية ، من فحص وتتبع، مستعيضاً عما يخلفه الإعجاب من فجوات هنا وهناك، بالمسلّمة الميضاح ، تلكم التي لاتنفك تذكرنا بأننا أمام قامة أدبية إنسانية قلما يخلتف اثنان علي عبقريتها ، ومستعصماً بالحقيقة الطريفة؛ تلك التي جعلت الاستاذ يقول «أعتبر نفسي محظوظاً في علاقتي مع النُّقاد ، أي أنهم كانوا- دائماً- طيبين معي» .
ولئن كان مثار تكلم الحالة — النادرة– يكمن في جدة عالم الطيب صالح وفرادته ، بما توافر له من أسرار الحكايات ، وثراء الرموز والأيقونات ، واتساع الآفاق والمساحات، في عطاء روائيٍ ماجد ، فإن للاستاذ رواجح من العطاء الناطق صحفياً واذاعياً وإدارياً، مهّدت له السبل لينطلق في رحلات غنية بالتجاريب ، رفدها بكثير من العذوبة والطرافة . ذلكم الاستعداد الفطري الذي شكلته ظروف النشأة وبيئتها ، متضافرأ مع عشق متجدد إلى الاطلاع على الثقافات قراءةً وتأملاً ورحيلا ، وماكان لذلك كله أن يجد له مراحاً في تلكم النفس الخصيبة لولا تلكم الخاصية من الحس الإنساني العارم الذي يستفيض في إشاعة روح التسامح ، ويصبو- ماينفكُّ – إلى التجاذبات الإنسانية التي طالما أغرته بالرحيل شغفاً وتصيداً للمعارف والأسرار ..
منوها إلى ان: لاريب في أن الالتفات إلى دراسات المكان في أدبيات السرد ، ينهد في موسمنا هذا ، من منطق يرسّخه إحساس غامر بأن ثمة تحديات جهيرة تجابه — المكان — في أبعاده الإبداعية .. تحديات تطال — المكان — و — مكوناته — فتتهدد خصوصيةً قد طالما ظلت مسرحاً للفنون الكتابية ..
فالماثل أمامنا من تيارات متسارعة لعولمة الإنسان بما يبتغيه – قصداً أو دون قصد – حطم الحدود الجغرافية ، وتصميم قالب ثقافي –محدود– للبشرية جمعاء ، يُعدُّ مهدداً غاشماً لثراء الأمكنة وتفرد الثقافات .
فالعولمة قبل تشكُّل مفاهيمها وتكامل أطروحاتها المعرفية ، بنحوٍ من خمس عشرة سنة، كانت قد مضت تياراتها الخفية في تبني الشعارات المنبعثة من التطور النوعى الفجائي في وتائر –رقمنة– الاتصالات، تلكم الشعارات التي كانت تبشر بانهيار الجغرافيا وزوال تضاريسها ..
وخلص في ختام ورقته إلى ان الحدث الإبداعي يشكل ، في حد ذاته ، إطاراً يستلهم قيمته من الحيز المكاني مهما تضاءلت مساحته – أو — هيولاه– بالمصطلح الفلسفي – ولربما ازداد تأثير الحيز باطراد تضاؤل حجمه ، إلي الحد الذي يتماهى فيه الحدث مع الحيز تماهياً يغدو من العسير معه تصور الحدث خارج إيقاعه المكاني … وقد تكون رواية «رحلات في حجرة الكتابة» «بول أوستر « ، أحد البراهين الدالة علي طغيان — بؤرة — الحدث المكانية علي كل تفاصيل الأسرودة ، التي لا تستبقي في الحجرة مفرداً من مكوناتها إلا وجعلت منه مؤثرا في تلافيف الحدث ، وعلى هذا النسق تمضي الرحلات إلى نهاياتها في حدود الأمتار المعدودة لمسرح الرواية ، التي ترتفع فيها قيمة كل مكونٍ هامشي ليغدو في قلب الحدث فاعلاً ذا دور بطولي ، وهو نهج كثيراً ما يقع على مثيله قراء الروايات العالمية ، لاسيما الروسية منها
أما الدكتور ابراهيم محمد زين من السودان استاذ الدراسات الاسلامية بجامعة حمد بن خليفة بقطر فقد كانت ورقته بعنوان: « صناعة المكان وسؤال الهوية في موسم الهجرة إلى الشمال» فقد اشار في ورقته إلى : لايمتري أحد أن صياغة عنوان الرواية بهذا البناء اللغوي له دلالته ويحدد موقف صاحب النص من المكان فالهجرة إلى الشمال تستبطن جنوبا لهذا الشمال الذي تقع الهجرة منه لكن لأمر ما أُقحمت بلاغة الإيجاز ليسقط الجنوب من البناء اللغوي ويصير الشمال وحده سيد المكان فلا حاجة لنا بالجنوب مادام هو موقع المغادرة والهجرة التي لاعودة بعدها ذلك تفسير يقع من رؤية انهزامية تجاه ما يمثله الجنوب ولكن ربما كان التركيز على الشمال لفداحة تلك الهجرة المفروضة من مكان نُكِنُ له كل الحنين لأنه موطن الميلاد والذكريات الأولى للأشياء ولقداسته لا حاجة لنا بأن نذكره صراحة يكفي التلميح بذكره حتى يبقي في موقع تلك القداسة التي تتعالى على لغة البيان الصريح العادي. ولما كان المكان مرتبطا بالزمان فقد صار لتلك الهجرة المكانية موسماً زمانياً ، فهذا الإرتباط الوثيق بين الزمان والمكان في عنوان الرواية له دلالته وهذا البناء اللغوي الذي تحكمت فيه أبعاد المكان لبيان معنى الهجرة – كذلك – له دلالته المعنوية.
لايُقصد بهذا التفسير لمعنى عنوان الرواية إلا محاولة بناء حقل دلالي يُتيح لنا كيفية فهم سؤال الهوية في هذه الرواية ، ولكننا كذلك لانغفل الدلالات الجمالية في البناء اللغوي بإيجازه وإيحاءاته المتعددة فللهجرة إلى الشمال موسماً لكن متى يقع ذلك الموسم فذلك ما يدعوك لقراءة النص والتفاعل معه حتى تدرك ذلك المعنى فمتى يكون ذلك الموسم؟ فإن كان الشمال هو شمال الجنوب فهل له شمال آخر؟ هل بعد الشمال شمال أم كل الجهات صادرة عن نقطة واحدة تكون منها الحركة وتعود إليها؟ وهل هوية الذي يُهاجر إلى الشمال تنطمس أم أن سؤال الهوية لايتأثر بالمكان؟ وهل الشمال مكان غير الجنوب له هويته المغايرة للجنوب ولايمكن الجمع بين هوية الشمال والجنوب في هوية واحدة؟ كل تلك الأسئلة يُجيب عليها البناء اللغوي للرواية جاعلا من المكان أحد عناصره المهمة في بناء رسالة لوجدان المتلقي تتحرك فيه شخصيات النص آخذة من جماليات المكان رونقها وحيويتها متفاعلة مع المكان مضيفة إليه عامل الحركة والتغير آخذة بألوانه وأصواته وروائحه .
يحق لنا القول : إن صاحب النص – إن كان له صاحب – أو قل الراوي هو الذي يُحدد بداية المكان ونهايته وأبعاده الجمالية وكيفيات تفاعله مع شخصيات النص ويترك للمتلقى إمكانات الانفعال الوجداني مع المكان كبناء لغوي وربما قبل ذلك الانفعال امكانات أفق فهم ذلك البناء اللغوي المتعلق بالمكان. إذاً الراوي هو الذي يرسم الحدود وهو كذلك الذي يتحكم في نظام السرد والانتقال من مكان لآخر وادراج مكان في مكان آخر ورسم حركة الزمان في المكان حسب مقتضيات السرد ولاشك أن الراوي هو الذي يدلنا من خلال استراتيجيات النص كيف يمكن لنا أن نتحرك من مكان أوسع مثل مدينة لندن إلى جزء من ذلك المكان مثل غرفة نوم مصطفى سعيد أو محكمة الأولد بيلي أو محطة القطار كل هذه الأماكن هي جزء من نظام مكاني تكون فيه لندن هي ذلك الكل الذي يحتوي كل تلك التفاصيل المكانية التي تؤدي وظائف مختلقة في بناء الرواية لكن لندن هي كذلك جزء من الشمال من الحضارة الغربية في قبالة الحضارة العربية الإسلامية.
فالانتقال بين أحد أجزاء الكل الذي تمثله الحضارة الغربية إلى جزء من ذلك الذي تمثله الحضارة العربية الإسلامية يحتاج من الراوي إلى إعمال غنائية جمالية تجعل ذلك الانتقال أمراً ممكناً وتزيد أو تنقص في هوية من يقوم بفعل الانتقال من شخوص الرواية.
إذ أردنا القول على سبيل الاجمال – إن جماليات المكان في رواية موسم الهجرة إلى الشمال تنقسم إلى ثلاثة أماكن منفصلة لكن بينها اتصال خفي تقوم بنسجه شخصيات الرواية تلك الأماكن هي لندن ثم القاهرة ثم الخرطوم ولكل واحد من هذه الأمكنة ملحقات به سواء أكان في شكل قرى أو نيل أو بحر أو صحراء أو نوع من الأشجار أو طقس جوي أو روائح أو أصوات أو ألوان أو حتى الظواهر الكونية مثل الشمس والقمر يكون لهما طابع خاص متعلق بتلك الأماكن.
إذاً فالتعبير عن الحضارة الغربية يتم ضمن ما يلحق بأوصاف لمدينة لندن أو ملحقاتها وفعل أشخاص الرواية مثل مصطفى سعيد يمثل تفاعله مع المكان الذي هو ليس له ولكنه طارئ عليه هذا الفعل حينما يقع على من يمتلكون حق النسبة إلى المكان أصالة يبين لنا آفاق ذلك التفاعل الممكن بين هويات متعددة في مكان واحد وحتى يكون ذلك الفعل متجانسا مع المكان لابد من اكتساب جماليات ذلك المكان والتعبير عنها بلسان زلق ، وحينما يخفق فعل ذلك الإنسان الطارئ على المكان في التعبير عن المكان في ضوء إمكانات ذلك المكان وما يمكن أن تسمح به تقع المأساة، ويتم تكرار المأساة إلى أن يخرج ذلك الإنسان الطارئ على المكان أو يُتاح له الإندماج فيه ومن ثم يقع فعله في إطار إمكانات المكان ، حيث أن للمكان دينيات خاصة به وقد لايكون الأمر بهذه الحتمية الميكانيكية ، إذ أن لهذا الإنسان الطارئ القدرة على تغيير مسار السبب ونتيجته في الأفعال التي يقوم بها لكن لذلك الإنسان الطارئ على المكان خصوصية تجعل من فعله بسبب مخالفته لإمكانات المكان منتجاً للمأساة قد تتدخل بعض عناصر المكان لتمنع وقوع المأساة أو تأجيلها، لكن ذلك يفعل فعله في تلك الخصوصية إذ يقوم بتعديلها وإعادة صياغة عناصرها وفق نسق انساني عالمي هو موقع التقاء الأمكنة والهويات في مكان واحد وهوية جامعة تحتفل بالتنوع ولاتنكره.
وختمت الجلسة بورقة الدكتور فتح العليم محمد أسماعيل من السودان استاذ الادب والنقد بجامعة سرت بليبيا والتي كانت بعنوان: « تقنيات السرد أساس أدبية الرحلة» وقد اشار في ورقته إلى : الرحلات جمع رحلة. أوّل الأسئلة التي يجب استثارتها هي: لماذا أدب الرحلة وليس الرحلة؟ هل تحتاج الرحلات إلى إضافة كلمة «أدب» حتى تكتسب شرعيتها الأدبية؟ وما الذي ستفعله كلمة أدب بجوار كلمة رحلات حتى تخلصها من التعميم الذي تطلقه الثقافة العربية على عدد من الكتابات التي أضيفت إلى كلمة أدب مثل: أدب السفر، أدب الكاتب، أدب النديم إلخ…، فإضافة كلمة أدب إلى هذه الكلمات «السفر، الكاتب، النديم، إلخ…» لم تؤهلها للإندراج ضمن الأجناس الأدبية، فالأجناس الأدبية والأنواع المتفرعة عنها- كما حددها تاريخ الأدب والنقد- لا تحتاج هذه الإضافة حتى تكتسب شرعيتها الأدبية، فالملاحم والمسرحية والرواية والقصة القصيرة والقصيدة وحتى المقامة وبعض الأشكال التعبيرية مثل: كليلة ودمنة، ألف ليلة وليلة رسالة الغفران، الكوميديا الإلهية، إلخ… خالية من إضافة أدب لكنها تنتظم في دائرة الأدب. فلماذ تحتاج الرحلة إلى إضافة كلمة أدب؟
مشيرا إلي اننا: إذا تجاوزنا التعريف اللغوي لكلمة «ر ح ل» التي تحيل إلى السفر والانتقال من مكان إلى مكان أو أماكن أخرى – فإنّ الرحلة تضم عدة مسارات، وتتنازعها عدة حقول معرفية: الجغرافيا، التاريخ، الأسفار، الأنثروبولوجيا، الاثنوجغرافيا، إلخ… لذلك تم تصنيف الرحلات في عدة معارف، وأختلفت نتيجة ذلك تعريفاتها. إلا أن القضية الأساسية بالنسبة للأدب وتاريخه والنقد الأدبي هي قضية تجنيس الرحلة وطبيعة دراستها وتحديد عناصرها التي تجعل منها أدبا، وهذا ما تسعى هذه الدراسة إلى ضبطه. وقد اتخذنا من «رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة» – في العام 309هـ- محوراً لاستشهاداتنا واستدلالاتنا على رؤيتنا.
كما قدم في الجلسة الثانية عدد من الشهادات الادبية قدمها كل من القاص الكويتي طالب الرفاعي والروائي والقاص السوداني الحسن محمد سعيد والروائي الدكتور امير تاج السر والقاص محمد عبد الرحيم الفكي عن رابطة سنار الأدبية.