الأكاديمية .. عبقرية المكان والزمان

لم يهتم السودان في سابق العهد القريب بعلم الاستراتيجية ودراساتها ، وإرتباط ذلك بالأمن القومي . فكانت السياسات تفتقد للتحليل الاستراتيجي العميق الذي يعبر عن الحلم الوطني ، ومرد ذلك عدم المعرفة الكافية بالاستراتيجية وعلومها وسط القادة السياسيين.وهكذا الحال في مملكة سوبا التي يقع إقليمها في المنطقة الوسطى من مملكة علوة وهو إقليم معروف بالدراسات العلمية ، ويمتد هذا الإقليم مابين النيلين الأبيض والأزرق جنوباً حتى سنار وتقع العاصمة سوبا على الضفة اليمنى للنيل الأزرق .وتمثلت حدودها في المنطقة شمال عطبرة إلى مناطق أعالي النيل في الجنوب ومن دارفور غرباً إلى تخوم البحر الأحمر شرقاً .
سوبا الحضارة والتاريخ والانسجام الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي ، ومثلت العمق السكاني للسودان بشكله الحالي. كما مثلت سوبا نقطة إنطلاق مملكة سنار النواة الحقيقية للدولة السودانية الحديثة .حيث إنتشار العلم والمعرفة وفق استراتيجية طابعها التعددية المركبة التي حققت التوافق والاستقرار السياسي الأمني في السودان لخمسة قرون. كان ذلك إلهاماً ولاختيارها مكاناً لتشييد الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية.
فالمكان وما به من مفردات وجماليات والزمان وما به من رجال ومؤسسات لهم البيئة الخاصة التي تصنع الإنسان وتصقله فإن صلحت صلح الإنسان وكان كادراً من كوادر مستقبل الوطن.من هذا المنطلق استلهمت الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية خططها وبرامجها الاجتماعية والثقافية ومنهجها الأكاديمي، ورؤيتها الثاقبة في تأهيل المجتمع وقيادات الدولة استراتيجياً وأمنياً وذلك وفق برامج متعددة والمتنوعة من دكتواة وماجستير ودبلومات وتدريب قيادات وسيطة عبر دورات تدريبية قصيرة.
تطورت الاستراتيجية في العصر الحاضر ، وأُعتبرت لغة العصر ، فتحركت من المجتمعات المتطورة إلى الدول الأقل تطورا،فكان السودان من الدول التي خطت خطوات تجاه هذا العلم .وانشأت كليات ومعاهد للعلوم الاستراتيجية، ولما كان الأمن بكل مكوناته الإنسانية والإقليمية والدولية علاوة على الأمن القومي للدول أساس العلاقات الدولية.كان لابد أن تقام أكاديمية لربط الدراسات الاستراتيجية بالدراسات الأمنية. فكانت الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية التي تدرجت منهجاً ومباني حتى أصبحت بالشكل الذي هي عليه الآن، وربط تلك المباني في منطقة سوبا بالمعاني السامية لعلم الاستراتيجية والعلوم الأمنية. وهنا جاء تميز الأكاديمية عن نظيراتها في رؤيتها الأكاديمية التي تهدف إلى تأهيل قيادات ذات مستوى رفيع للوظائف الاستراتيجية في الدولة علاوة على الانتاج المعرفي في المجالات الاستراتيجية والأمنية.كما تهدف إلى تحقيق التكامل الأمني الإقليمي ببناء القدرات في المجال الاستراتيجي والأمني ، وذلك يقود بدوره إلى تحقيق الأمن الشامل الذي يرتكز على المعرفة التي تنتج عن التحليل ودراسات البيئة الداخلية والإقليمية والدولية التي تتشابك فيها المصالح ودائماً ما تقود للصراعات ، وبالتالي الاستقرار والتقدم.
احتضنت سوبا الرمز والمعنى الأكاديمية التي تمثل منارة العلوم الاستراتيجية والأمنية ، والقبلة للدول العربية والإفريقية الشقيقة لتنهل من علومها ومناهجها ومعارفها لاستشراف المستقبل ، في ظل تقاطعات إقليمية ودولية تحتاج لفكر استراتيجي عميق . وتكون بذلك قد جسدت الأكاديمية عبقرية المكان والزمان.