وخذ الأمر بقوة

* لا يعني أخذ الأمور بقوة التعامل معها بضعف وشدةٍ ، بل القوة الإيجابية المطلوبة دائماً لإنجاز المهام هى المتمثلة في المعرفة الدقيقة ، والإستيعاب الكامل ، والمهارة اللازمة ، والقدرة على محو الأخطاء ، وإزالة العيوب دون أن يحدث ذلك تلفاً بشكل جزئي ، أو كامل .
* والذين يدركون بواطن الأمور وظواهرها لا يقدمون على عمل دون دراسة ، ولا يبدأون إصلاحاً ، أو علاجاً ، دون أخذ فترة كافية للتشخيص والوقوف على أسباب العلة ، ومصدرها ، ومن ثم تصبح إجراءات إعادة الشئ إلى أصله ، والعافية إلى الجسد بعلمية ، وهو المنهج الذي تؤخذ فيه الأمور بقوة ، وتلك هى قوة الإدراك ، والمعرفة ، وإنتخاب الوسائل بإختيار ما هو أفضل من أدوات لإزالة الأعطاب ، والقضاء على العيوب.
* وعند ما ندعو القائمين بشأن الدولة ، وترتيباتها ، وسياساتها الداخلية والخارجية ، وشؤون الحرب ، والأمن ، والسلام ، وما يتعلق بها من تدابير وإستحقاقات ، فإننا لا ننصح بأن نعمل من أجل ذلك المزاج ، أو ترتجل القرارات ، أو نستعين بمن ليسوا على دراية بمثل هذه الشؤون ، بل الواجب في هذه الحالة أن نتروَّى ، ونتمهل ، وليس معنى ذلك أن نتباطأ ، أو نتقاعس ، وإنما المطلوب هو بأن تؤخذ مثل هذه الجوانب بهدوء في التفكير ، وعمق في النظر ، وإستشارة واسعة ، وإستدعاء من هم أصحاب الإستشارة والإستنارة والحكمة ، وهنا تكمن القوة فيمن يتخذ القرار ، وتنسحب كذلك على من أسند إليه تنفيذ القرار ، بعيداً عن أهل التجارب الصغيرة ، والخبرات الفطيرة ، والذين لا ينظرون إلا لذلك الذي تحت أنوفهم ، أو ما يشبع لهم نهماً ، ويستجيب لطلب هو في الأصل لا يعني الجمهور ، وإنما هو للأشخاص ، وأهل الخصوص أقرب ، وذلك يقود بالفعل إلى القرار الأضعف ، وأخذ الأمر بيدٍ قابلة لأن تلوى وتضغط ، وهكذا يكون الجنوح ، ويحدث الإنحراف .
* وأخذ الأمر بقوة ، هو منهج إتبعه النبى الأعظم محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، فلم يجامل أحداً بشأن التوحيد ، ولم يقف إلى جانب عظيم عند قومه وهو على ضلال مبين ، فكانت شريعة الإسلام تطبق بلا حرج ، وما أصدق قول الحق تبارك وتعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) سورة النساء الأية 65 .
* والمرجعية هنا هى قاعدة الإنطلاق ، ومبدأ الحاكمية ، وأصول المنهج حيث لا تردد ولا تحرج ، ولا تذبذب ، وإنما هو الحق الذي به تنفرج الكرب ، وتستقيم الأحكام ، وتُزال المظالم ، وتلك هى القوة الحقيقية التي تبني فيستطيل البناء ، وليست العشوائية تلك التي لا يصلح أن يقام عليها مشروع يراد له أن يشمخ ، ويناطح عنان السماء .