الصحة الإنجابية في السودان. خطوات علمية تقيدها تعقيدات التقاليد.البنقو والزئبق والسيانيد ومشتقات البترول تؤدي لعقم الرجال

تحقيق: تهاني عثمان

اكثر من سبع سنوات عمر زواجهما ، مع شروق كل صباح تزداد التوترات بسبب الضغوط الخارجية من الاهل لعدم حدوث انجاب ، خاصة وان ابناء من تزامن زواجهم معهم قد انتظموا في صفوف الدراسة ، طرقا ابواب الطب ولكن لا جدوى من اي محاولات الي ان هداهم احد اقربائهم الي خوض تجربة اطفال الانابيب والتلقيح خارج الرحم باحد الدول المتطورة في هذا المجال ، وبالفعل انطلقوا خلف ذلك الامل ، وما هو الا عام وكان حلم الجميع عيانا بيانا بينهم طفل ملأ عليهم الدنيا بهجة ، وزاد من رباط المودة ووشائج الوصل بينهما وبين الاسرتين.
الا ان الحديث عن طفل انابيب في قرية نائية في منتصف التسعينات لم يكن مقبولا ، وبدأت الاحاديث والوساوس يتناقلها الناس ، ما بين من ذهب الى فتوى التحريم وما بين من يرى ان ذلك جرم ما كان يجب ان يستجيب له الزوج مهما كانت الضغوط ، وحتي من صمت لم يكن صمته الا خوفا من كسر فرحة الزوجين بابنهما «طفل الانابيب» او كما درجوا علي تسميته في تلك القرية حتى تم طمس اسمه واسم ابيه ليصبح علما بارزا «طفل الانابيب» الي ان دخل صفوف الدرس وتجاوزها بامتياز ظل ينسب في كل تصرف الي تلك الانابيب التي كانت فترة بقائه فيها لا تتجاوز الاخصاب وانشطار الخلايا وتكاثرها قبل ان يعود الى رحم والدته.

رؤى طبيعية :
بوابات امل مشرعة راح يفتتحها التقدم العلمي باحداث تقانات حديثة تتيح امكانية الانجاب ، وبناء عليه برزت مؤخرا مراكز متخصصة في هذا الجانب لمعالجة مشاكل الخصوبة وتأخر الحمل والانجاب ، وظهرت مصطلحات «اطفال الانابيب ، الحقن الصناعي ، سحب البويضات ، تجميد البويضات ، المناظير الرحمية ، والموجات الصوتية» ، وجميعها طرق ووسائل تساعد في زيادة امكانية الاخصاب ، ووصل عدد المراكز العاملة في هذا المجال الي «11» مركزا يتردد عليها حوالي « 6» آلاف حالة لعلاج مشاكل العقم وعدم الانجاب.
بحوث ودراسات يعكف عليها اهل الاختصاص في مجالات علم الاجنة لمعرفة أسباب تنامي ظاهرة عدم الخصوبة وتضع نصب اعينها نقص فيتامين «د» سبب اساسي في ذلك لاهمية دور التغذية في الخصوبة ، وكشفت جمعية الأجنة بالسودان عن إجراء أكثر من 6 آلاف عملية طفل أنابيب بالبلاد تقريباً، و ابانت ان من يعانون من مشاكل الخصوبة تبلغ نسبتهم حوالي «15%» أقرت بارتفاع الإصابة بمرض العقم عند الرجال بالبلاد مقارنة بالنساء بسبب تغير نمط الغذاء والمناخ ، في وقت تزايدت فيه أمراض الرحم حتي بلغت نسبة «35%» ، الا ان وجود الموجات الصوتية الثلاثية ورباعية الأبعاد ساعد كثيرا في التعرف عليها مبكراً وعلاجها.
داء ودواء :
في حديثها «للصحافة» قالت اختصاصي النساء والتوليد الدكتورة اماني النويري ان العقم المقصود به عدم حدوث الحمل بعد مرور سنة من المحاولة، وقالت انه من الافضل الا يسمى عقما ولكن تأخر إنجاب ، لأن الحمل قد يحدث بعد السنة الاولي او بعد استعمال علاج ،بينما يعني العقم استحالة الانجاب ، وفي حديثها عن عمر الخصوبة قالت ان عمر الخصوبة بالنسبة للمرأة يمكنها أن تحمل منذ البلوغ والى عمر الانقطاع وهو حوالى «50» سنة ، لكن إمكانية الحمل تبدأ تقل بعد بلوغها عمر الـ«35» سنة وتصبح قليلة جدا بعد «45» سنة .
واكدت دكتورة أماني ان هناك ثلاثة أسباب رئيسة لعدم حدوث الحمل منها عدم خروج البويضة من المبيض فيما يختص بالنساء ، او ضعف السائل المنوي للرجل ،او انسداد قناتي الحمل «قنوات فالوب» للمرأة ، موضحة امكانية العلاج في كل الحالات حيث يمكن علاج عدم خروج البويضة من المبيض عن طريق تنشيط المبايض بالحبوب أو الحقن ،اما في حالة ضعف السائل المنوي للرجل فهنا يتطلب ذلك حدوث التلقيح الصناعى و هو اخذ السائل و إجراء معالجات عليه ثم إدخاله في رحم الزوجة ، اما في حالة انسداد قناتي الحمل فيكون العلاج عن طريق أطفال الانابيب فقط.
أطفال الانابيب والحقن المجهري :
وفي حديثها عن خطوات اطفال الانابيب اضافت في حديثها «للصحافة» ان الخطوة الاولي لاطفال الانابيب تبدأ بعملية تنشيط المبايض ومن ثم أخذ البويضات من المبيض عن طريق حقنه خلال المهبل «وهو سحب البويضات» ، ثم اضافة السائل المنوي المعالج الى البويضات في صحن التجارب «ومن هنا جاءت تسمية انابيب أي انابيب اختبار» ، ثم انتظار يومين إلى أربعة حتى يتم التلقيح و يبدأ الجنين او الأجنة في الانقسام ، وبعد مرحلة الانقسام يتم ادخال الجنين او الأجنة إلى الرحم لاستكمال نموه داخل رحم الام.
اما فيما يختص بالحقن المجهري فاوضحت انه لا يختلف كثيرا عن اطفال الانابيب الا في انه يعتمد تقنية أكثر تطورا وبدلا من ان يترك السائل المنوي مع البويضات ، يتم التلقيح بأخذ حيوان منوي واحد ويتم حقنه داخل البويضة الواحدة ليتم التلقيح .. وتتم هذه العملية تحت المجهر المكبر ومن هنا جاءت تسمية الحقن المجهري لأن البويضة والحيوان المنوي كل منهما خلية واحدة يستحيل رؤيتها بالعين المجردة.
التجميد والتسييح :
وتمضي في حديثها «للصحافة» قائلة انه عند تنشيط المبيض عادة تنتج اعداد من البويضات قد تصل عشر أو 15 بويضة ، و عند إجراء طفل الانابيب يتم تلقيح كمية من البويضات فيتكون عدد من الأجنة ، لا تستعمل كلها «أي لا يتم ارجاعها جميعها في رحم الزوجة» في نفس الوقت ، لذا استحدثت تقنية التجميد ، وهي تجميد البويضات أو تجميد الأجنة إلى درجات منخفضة جدا جدا و حفظها.. إذا لم يتم الحمل ، يمكن استعمال هذه البويضات او الأجنة لاحقا لإجراء جديد ، بإدخال الأجنة بعد «تسييحها» الى رحم الزوجة دون الحاجة إلى تنشيط المبايض مرة أخرى.
تأكيدات حفظ النسل اثناء التجميد :
وقال دكتور أحمد الخطيب اختصاصي علم الأجنة ان معظم المراكز في العالم لديها بروتوكول وأنظمة التجميد للأجنة التي تحتاجها لتخزين الأجنة لفترة محددة من الزمن، موضحا ان أهمية التجميد تأتي لاحقا في حال ان المريضة لديها عدد زائد من الأجنة أو أصيبت بمرض يمكنها استعادة الأجنة من المركز ، مشيراً إلى وجود ضوابط وقوانين تضمن حفظ الأجنة لأصحابها الأصلييين وفق شهادة آخرين ، مؤكدا ان ذلك يتم وفق قيد تسجيلي دقيق بحفظ الأجنة وكتابة اسم وتاريخ وتوقيع صاحبها عليها ، واوضح بان التجميد يشمل الأنسجة و إن السودان قد تطور في هذا المجال وأدخل نظام التجميد حديثاً، موضحاً أن التجميد يتم في حالة السرطان أو أي مرض آخر وتقدم العمر مشيرا الي حدوث كثير من حالات تجميد البويضات في المراكز .
تعقيدات المجتمع :
واوضح الدكتور عبدالغفور ان مشاكل الخصوبة لها تأثيراتها الصحية والنفسية والاجتماعية على المرضى ، مبينا ان مشاكل الخصوبة موجودة ولكنها غير مكتشفة وكشف ان من يعانون من مشاكل الخصوبة تبلغ نسبتهم حوالي «15%» وهي نسبة كبيرة خاصة وان جزءا كبيرا منها من الجانب الرجالي، وليس كما يعتقد في الماضي أن كل مشاكل الانجاب تخص المرأة.
وقال يعود ذلك لأسباب كثيرة معروفة وغير معروفة مثل العمل في تنقيب الذهب والتعرض للزئبق والسيانيد ومهندسي البترول، وكل ما به مواد كيميائية والمواد المتطايرة مثل البوهيات والسنر والمخدرات خاصة البنقو وتعاطي السجائر والتمباك والكحول، جميعها تؤثر على خصوبة الرجل وتؤدي به إلى العقم وتأخر الإنجاب، موضحا انه حتى وإذا سبق أن أنجب الزوج يمكن أن يتعرض للمرض لاحقاً ويتوقف عن الإنجاب لاحد تلك الاسباب .
تجميد الأجنة :
رئيسة جمعية علم الأجنة السودانية الدكتورة نازك أحمد كرار قالت ان تجميد البويضات والأجنة مفيد للائي يتأخرن في سن الزواج، حيث يمكن أن تجمد الآنسة بويضاتها في عمر صغير وتستفيد منها لاحقاً، واوضحت أن تجميد الأجنة والسائل المنوي يفيد مرضى السرطان ويساعدهم في الإنجاب بعد استئصال الخصية منهم، مشيرة إلى أن تجميد الاجنة يمكن أن يصل إلى مدة «25» سنة دون أن يتأثر. وأضافت أن الجمعية على استعداد لإجراء عمليات حفظ السائل المنوي والبويضات وتجميدها مجاناً. وأكدت أن للمعامل ضوابط وبروتوكول معينا وقانونا حيث يتم عمل ملف عليه رقم واسم المريض ويحفظ ، وبالتالي لن يكون هنالك مجال للخلط وفق القانون والضوابط حتى في الدول الخارجية حيث يشيع فيها خلط الأنساب، إلاَّ أنهم لا يخلطون عن خطأ وإنما عن قصد وبموافقة المريض نفسه، واضافت لدينا مريضات جمدن البويضات وعدن مرة أخرى وأنجبن. وقالت هنالك وعي في المجتمع ولكن هنالك عدم وعي بالتجميد قبل علاج السرطان فلابد من تنبيه المرضى الي اهمية ذلك ، موضحة أن اللجوء إلى الإخصاب وتجميد الأجنة نتيجة تغير أسلوب الحياة والتلوث والمواد الكيميائية وآثار التكنولوجيا.