الرأس نقاد

كنت قد انهيت مقابلة صحفية لصالح صحيفة «الصحافة» مع وزير وسفير بوزارة الخارجية الاثيوبية ، بعد ملاحقة ملحة مني ، وإستجابة تحسست فيها بر الصلات والتقدير للإعلام السوداني ، اذ استشعرت تمييزا ايجابيا وحسن ثقة يسرت عسيرا مثل إجراءات هذه المقابلات في بلد منضبط وصارم الالتزام بمرعيات النظام والنسق الضابط للجميع ، والمقابلة ليست موضوعي ، اذ ستنشر في صحيفة «الصحافة» لكن للحديث وجهة اخرى ، اذ وبعد ان انقضى عملي ، وضمن احاديث جانبية تكرم مضيفي بمرافقتي الى غرفة ضمت صورا لمجموعة من القيادات التاريخية على جدارية مرتبة باحدى الصالات ، كانت وجوها لعدد ممن عرفوا بمسمى «الراس نقاد» او قائد ووزير وزعيم العلاقات الخارجية او التجارة الخارجية ، قلت لمضيفي المبجل ، وقد توقفت في عبارة «نقاد» ان الكلمة تبدو ما بين التخريج الجغرافي اما لارض النوبة او اقباط مصر ، او من مدينة «قنا» شرحت ان المنطقة عرفت بتجارة الاقمشة وان في اثر مرويات الناس بعض اطياف راحلة للسودان من هناك ، استدعيت «توب الكرب الجابو النقادة» ، حك الرجل ذقنه ، وادلى بدوره عن تخريج من مشتقات الامهرية والتاريخ الاثيوبي لمعني «رأس» و»نقاد» ثم قدمني لملامح الوجوه على الجدار ، للامانة احتفيت بالتوثيق الذي احتفظ بوجوه من اواخر القرن الثامن عشر حتى اخر الوزراء «ادناحوم» الذي انتقل الى منظمة الصحة العالمية ، جرت عيناي فوق صورة الامبرطور هيلاسلاي عندما كان «راس نقاد» و»اميرا» ، بدت ملامحه بهية نضرة وتضج بالصبا الوسيم ، لمحت صورة لشخص نسخة كاملة من «مبارك زروق» فعلمت انه وزير الخارجية في عهد «منغستو» وانه كان أديبا وروائيا مهول القدرات ، اهلكه نظام «الدرك» وان ثقافته وادواته كانت محلية ، في اللغة والاشتهار ، فالتقطت الخيط وحدثته عن «جمال محمد أحمد» و»المحجوب» واظنه لم يعرفهما فالرجل في احسن الاحوال لم يقرأ لهما ! كنا وقوفا وقد توسع الحديث في ردهات المبنى القديم «الكائن الان» لوزارة الخارجية الاثيوبية قبالة قصر الامبراطور هيلاسلاسي القديم و»بيت منجست» اظنه اليوم ، كنت من موقفي انظر الاسلاك الخضراء والقوائم التي ربض على مشابكها مجسم اسد ، بين كل مفرقي «سيخة» لانتبه على صوت مضيفي يدعوني لعبور مسافة لمبنى خلفي هو المقر الجديد للخارجية ، حينما عبرت الى هناك ، ورغم طولي البين شعرت تحت الاعمدة الفارعة اني محض نثار حجر في ظل من ابنية مؤرخة ، عبرت تحت بهو ذكرني بالمطمور من تاريخنا في مروي ، شيد البناء على انساق هياكل المعابد التي نراها في سير وتواريخ مروي واكسوم ، لو ان في بهو خرج لي «عيزانا « او بعانخي او تيدروس صاحب قلعة «قندر» لقلت اني عدت لتلك الايام السحيقة ! ، كان شكل عمارة مستمد بالكامل من انفاس وبصمات التاريخ هناك ، وان اختفت الصخور والرمال والخرافات وقام بناء حديث على ذات البصمة التاريخية ، ذهلت مما رأيت ، فاستفسرت عن «المصمم» فقال محدثي هو مهندس مدني شاب قدح الفكرة والتقطتها الجهات التي تريد ان تؤسس بناء ومقر للوزارة مستلهما من التاريخ ويشرق على المستقبل ، جلت واحسست بالثناء على الصانع وحزنت لان كثيرا من ملامح وطني تشوهت ، لست معماريا لكن من خلال «الشوف» افتقد سودانية الاثر في المعالم عندنا ، اذ لم يبق من تاريخ عمارتنا سوى الجبال والرمال ، وتمنيات وزراء السياحة !.