الغفرانية

تخلفت عن جمع ذكرى رحيل الشيخ الدكتور حسن الترابي ، ليوم أن نعى ، في اللحظة الممتدة بين اخر العصر ومدخل الغروب ، التقطت الخبر عبر إتصال هاتفي ارسل فيه المتصل ، كلمة لا امايز هل كانت نشيج بكاء ، ام شهقة حسرة لكني فككت دلالتها ، كنت بمكتبي بالصحيفة ، اغلقت الباب وجلست احدق في الفراغ ، الذي غطاه شبح «الشيخ» لاول مرة انطق تلك الصفة ، كنت كتابة وحديثا أفضل «الدكتور» ! تخيلته بجسده النحيل ، وذاك الحضور الساد للفراغات ، مهابة شاخصة حتى في الخيالات ، كنت اقاوم تحدر الدمع ، تعلمت من فجائع الايام في هذا التنظيم ان اشد الدمع الحراق ما تسكبه خلوة .
احساس موجع يسري في شرايين ما يسمى «إخاء» تذوقت ذاك الدمع حتى ان سكبه قد تحجر منبعه مما عاصرت وبكيت ، فعلتها يوم ان استدعيت ذات صباح يوم ان ازهق احدهم روح «محمد طه محمد أحمد « ، اجلسني احدهم قبالة حاسوب ، كان يحادثني ووجهه يتحاشى مصافحة وجهي شارحا لي ان «طه» مات مقتولا شهيدا وانهم يطلبون خبرا مرتبا ومنضبطا لحين اكتمال بقية التفاصيل ، جلست في ذات حالة الاحساس بالفراغ تلك ، سبقت مدامعي نقرات اصابعي على «الكي بورد» لحيظات وتملكني العجز فلم اجد بدعة في النواح ، تجمد «عفيفي» في مكانه ذاهلا ! فر «راشد» ، احدهم دس وجهه في ستارة الحائط .
موجع احساس الافتقاد في هذا الصف ، تذكرت «جوبا» وقصاصة إشارة ورسم موقف ترسم اسم «عوض الكريم عثمان» كنت لحظتها ادخل على صديق ، لشأن لا اذكره ، لم يكن جالسا ، كان عند زاوية «سرير» ينظر لورقة كأنه يقرأ لوحة بعمق ، وانا أحييه رأيته يتمدد على السرير ، يجعل احد حوافه وسادة ، ووجهه يطلب الستر حينا بكفيه معا ومرات بفرد الوريقة ، كان يبكي ويبكي فقط ، جررت مقعدا قبل ان يأذن لي ، جلست كانت قدماي ترتجفان ، انحنيت وقد لمحت لطخة فازلتها من «البوت» واحسنت الرباط ! جلست ساهما ، امسح سقف الغرفة ومرات احك مؤخرة رقبتي ، صاحبي كلما طال الصمت يرتفع عنده انبثاق الدمع ، حاصرني صمت اخرق ، لطمني فيروس شلل ، حتى ان لساني علق بشاربي اعجزني رده لحلقي ، فظل عالقا ! بعد نحو عشر دقائق نهض صاحبي ، الى اليوم ظللت اعجز عن مسلكه في البكاء رقودا ، قام وتقدم نحوي ، هذه المرة بكيت انا ، ادركت ان تلك الوريقة تحمل فجيعة ، التطمنا بحرين من الحزن المملح ، صمت برهة ثم نعى لي «عوض الكريم عثمان» ، شعرت بسخونة في اصابعي كنت ارتدي «بوته» وقد تبادلته معه قبل يومين ، وسع عليه وكان ما بحوزتي اضيق ! .
الاحساس بالفقد في هذا الصف ، موجع وحقيقي السمات ، اغرب ما فيه انه يعبر بك الضفاف تجاه الناس والمواقف والاعتبارات ، تغفر فيه وحوله ما ظننت انه لا يزول ، تذكرت مقابر «حمد النيل» يوم ان قبر «جلب» وفي مقابر «الصحافة» يوم ان ارقد «حسن الباقر» ، حضر من خذل الرجلين ، ومن برهما ، ومن لم يذكرهما الا وهما تحت غلالة الكفن المجلل بالبياض ، انها غفرانية ذات طعم خاص ولاذع ، وبذات الاحاسيس كنت هناك يوم ان نعي «الترابي» ! رأيت من صدقوا ووفوا ، لمحت «السنوسي» وقد انمحق حتى صار مثل سعفة ، كان «منصور خالد» يتعثر في المشي ، التقيت في الشارع والطريق من عجزوا عن دخول الدار ، فظلوا في الجوار ، زاحمت بالمناكب عليّ اصل اقرب مقام اهل البيت ثم تراجعت ، قلت هذا مقام احق به من لزموا الرجل في ساعة العسرة وهم قلة ، اعجب ما فيهم انهم توزعوا في الزوايا بعيدا ، دسوا صبرهم في المصاحف ، مثلهم كان «ميرغني يونس» ، الذي حينما عدت للصحيفة اتاني ، جلس قبالتي .
هو اسمر وزاده الحزن سوادا ، رفع رأسه ليقول كلمة فرفعت يدي ان امسك ! كنت قد بلغت مبلغا تحصنت فيه بالصمت العليل ، لمحته يصمت ثم يتفجر باكيا ، اصدقكم كانت دموع الرجل عندي مثل ماء نبع مقدس وددت الاغتسال بها ، مثل «ميرغني» احب الشيخ الهاما وقدوة ، وجزالة ولاء ، لم يكسب به الرجل او «يتكسب» هو ذاته ميرغني يونس الذي يزرع النهارات لعون اخ ، او بذل مكرمة ، ثم يعود الى «الشهداء» او «الجيلي» وانت تثق ان ما يحمله لقلب المدينة في اليوم التالي ربما قدميه او فضل الظهر ! .
غبت عن ذكرى «الترابي» لاني كما كررت سابقا ارجو من الاسلاميين ان يتحابوا وهم أحياء ، لقد ارهقت من بكائنا الصحيح في الوقت الخطأ ، او حينما يكون غفرانية سودانية شائعة ومشاعة.